آثار ليبيا.. مدنٌ تطردها الحرب من التاريخ

لم تطاول الحرب في ليبيا حاضرها فحسب، بل انتقلت لتصل إلى علامات ماضيها أيضاً؛ فإضافة إلى عشرات المواقع الأثرية التي لم تسلم من الخراب والعبث، تعاني المواقع الخمس التي ترعاها منظمة اليونيسكو أيضا من الإهمال، في وقت انقسمت فيه مصلحة الآثار الليبية المعنية بشؤون الآثار، وتبعثرت جهودها وكوادرها بين حكومتي البلاد.
تقول تقارير سابقة لخبراء الآثار، إن ليبيا تتوفر على مئات المواقع الأثرية، لكن أغلبها لم يكشف عنه بسبب غيابه تحت مياه البحر المتوسط، شمالاً، أو تحت رمال الصحراء الشاسعة في الجنوب، حيث أشار تقرير لفريق تنقيب تابع لجامعة لستر البريطانية إلى أن 70% من الآثار الليبية لا يزال مطموراً. أبرز تلك المواقع مدن ترعاها منظمة اليونيسكو، هنا إطلالة عليها.

شحات
تعددت أسماؤها بحسب أطوارها التاريخية؛ فمن قوريني إلى قورينائية، وسيرينايكا، وأخيرا سيريني، التي لم يتبق منها إلا قرابة 50% فقط. تقع شرق البلاد، تحيط بها مدينة شحات الحالية، على بعد 10 كيلومترات من مدينة البيضاء. وبينما تؤكد آثارها أنها تأسست عام 631 ق.م، هناك من يقول إن أكبر فلاسفة التاريخ ولدوا أو تعلموا فيها، بل كانت لهم اليد الطولى في تأسيس مدرسة الإسكندرية ومكتبتها الشهيرة، وحتى أريتا، أول فيلسوفة في كل أفريقيا، كانت على صلة بسقراط الذي أرسل لها أسرته لتحميها قبل إعدامه من الإغريق في بلاده.
وبسبب مرورها بأربع دول عبر تاريخها، فقد توفرت المدينة على مرافق وصل عددها إلى 26 مرفقا بين المسارح والأسواق والحمامات والأقواس وغيرها. وحصلت شحات على جائزة أحسن مدينة سياحية في مهرجان لندن السياحي عام 2007، لكنها اليوم تعاني من العبث بها في وضح النهار، رغم وقوع مركز الحكومة في البيضاء على بعد 10 كم فقط منها، إلا أن أجزاء منها تم حفرها بواسطة الجرافات وبناء مساكن خاصة من قبل الأهالي، كما أظهرت صور نشرها نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي. أما وسطها، فلم يسلم من خربشات ذكريات المراهقين وحتى شعارات ثورة فبراير/ شباط.
وبسبب غناها بأندر الآثار وأثمنها، لم تسلم من السرقة، وبحسب مصلحة الآثار الليبية، ففي عام 2018، أحبطت رابع محاولة سرقة لآثارها.

غدامس
تقع أقصى الغرب الليبي على الحدود مع الجزائر، صنفتها اليونسكو ثالث أقدم مدينة آهلة بالسكان في العالم، حتى أن أسفار العهد القديم مرت على ذكرها، كما احتوت رفات الصحابة الفاتحين وآثارهم، كالمسجد الذي أسسه عقبة بن نافع. وحتى اليوم، لا يزال سكان غدامس هم حماة المدينة التي يسكنون بجانبها، بل يتقاسمون أجزاء داخلها، كإرث لهم، تتناوب أجيالهم على زيارته.
وبسبب وقوعها على خط التجارة الرابط بين الشمال الجنوب والشرق والغرب، فقد تحولت إلى عاصمة لكل الثقافات، إذ إن أغلب من يسكنها جاؤوا من عدة مناطق، بعضهم جنوبي الأصل والآخر من الغرب، والثالث من الشرق.
تقول تقارير خبراء الآثار إن نقوشها تشير إلى وجودها قبل 10 آلاف سنة، ووصفها هيريدوت بأنها “مدينة لطيفة قديمة أزلية”، ومن أشهر مواقعها راس الغول، والقصر مقدول، وعين الفرس، وبحيرة مجزم. ورغم بعد “لؤلؤة الصحراء”، كما يصفها السياح، عن القذائف والرصاص، إلا أن أنها تعاني من الإهمال بسبب القصور في الصيانة والترميم، واشتكى أهالي المدينة من انهيارات واسعة في بعض جدرانها وأسوارها.

صبراته
تقع غرب طرابلس بنحو 70 كم. تأسست على يد الفينيقيين، ومر على حكمها الوندال والبيزنطيون والرومان، وتعد من أجمل المدن الأثرية الليبية بمسرحها الدائري الذي أقيمت عليه عشرات الحفلات الفنية الدولية، وفيها كتب أول نص روائي في تاريخ الأدب العالمي، وهو “مرافعة صبراته”، بقلم الفليسوف أبوليوس، الذي لا تزال نسخة مخطوطته محفوظة حتى الآن، وتمثال أفروديت، آلهة الحب والجمال، الذي سرق لسنين واهتمت بمتابعته منظمات عالمية حتى أعيد على يد الرئيس الإيطالي سيلفيو برلسكوني إلى ليبيا عام 2008. وبسبب احتضان المدينة لأبرز خلايا تنظيم داعش الإرهابي، فقد تعرضت آثارها لأضرار بالغة أثناء الحرب على التنظيم، كما تعرضت بعض قطعها الأثرية للسرقة.

أويا
وهي تربوليتنانيا وتريبولي وتريبوليس، قبل أن يسميها العرب الفاتحين طرابلس، عاصمة البلاد حاليا. ورغم اتساع مساحتها، لم يبق منها إلا المدينة القديمة القائمة حالياً، وأهم أجزائها القلعة، أو “السراي الحمراء”، مركز حكم المدينة التي توالى على العيش فيها حكام البلاد عبر التاريخ، منذ الفينيقيين، مروراً بالرومان والوندال والإسبان وغيرهم، وصولاً إلى العثمانيين والإيطاليين، حتى وصفت القلعة بأنها “أرشيف” البلاد.
لا تزال المدينة القديمة تعج بالحياة بأسواقها الأربع ومساجدها التي تزيد عن العشرة، وعشرات الأزقة والأحياء، لكن وسط إهمال واسع من قبل الجهات المسؤولة، فالسكان الحاليون اعتدوا على أجزاء واسعة منها عبر تجديد بنائها وهدم القديم منه، كما أن الحملات التي نفذتها جماعات متطرفة عام 2012 على محاريب ومنابر ومقابر مساجدها، بحجة مخالفتها للعقيدة الإسلامية، أخلاها من أي لمسات جمالية كانت تحملها زخارفها ولوحاتها المنتشرة في كل مسجد وزقاق. ولا يزال متحف السراي مقفلاً منذ عام 2011، وهو أكبر متاحف البلاد، ويتوفر على أنفس وأندر القطع الأثرية الليبية، رغم التهديدات التي وصلت لإدارته بضرورة تدمير التماثيل النادرة التي تقع داخله بالحجج الدينية ذاتها.

لبدة

معروفة مدينة لبدة باسم لبتس ماغنا في كتب التاريخ القديمة. تأسست في نهاية القرن السابع ق.م، وتقع شرق طرابلس بنحو 100 كم، وهي الأخرى من مواقع التراث العالمي لوفرة آثارها التي استدعت كبرى الجامعات العالمية للتنقيب فيها بأكثر من 100 بعثة جامعية، من دون أن تستطيع حصر ما فيها من كنوز أغلبها لا تزال مياه البحر تغمرها بالقرب من مينائها بمنارته الشهيرة، وخلفه المسرح والسوق الكبير وقوس سبتيموس سيفيروس، ابن المدينة الذي حكم الإمبراطورية الرومانية في عهده، وما زال تمثاله البرونزي مخبأً في متحف المدينة المقفل منذ أولى سنوات الثورة. أما المدينة نفسها، فهي كغيرها من مواقع ليبيا الأثرية، مقفلة أمام السياح، ضمن حالة الطوارئ التي أعلنتها مصلحة الآثار منذ عام 2011، بسبب الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً