آثار ليبيا (2/3): مزاد عالمي مفتوح

لا حد ولا حصر للآثار الليبية التي نُهبت وسُرقت، وكشفت جهات دولية عن رصدها في أسواق عالمية للآثار. لا يزال مصير “كنز بنغازي”، ذي الـ10 آلاف قطعة نقدية ذهبية، مجهولاً حتى اليوم. سُرق هذا الكنز خلال أوائل أيام الفوضى الأمنية عقب ثورة 2011، من خزانات أحد البنوك التي أودع فيها. أعلنت شرطة الإنتربول، سابقاً، أنها لا تزال تلاحق بقاياه المتبعثرة في أكثر من دولة، رغم أن جهودها نجحت بالتنسيق مع وزارة الخارجية الأميركية في إرجاع رأس تمثال أثري، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعدما علق بيعه في أحد مزادات واشنطن، بعد تثبت الجهات الأميركية من مستندات الإثبات التي تؤكد ملكية ليبيا للأثر التاريخي.

تحدد مصلحة الآثار، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن الآثار في ليبيا، أسباب النهب بـ”الظرف الأمني الهش الذي تعيشه ليبيا والذي تسبب في تسهيل تهريب الآثار عبر المنافذ المختلفة”.
من جهته، يؤكد رئيس المصلحة محمد الشكشوكي، في تصريحات صحافية، أن كل السرقات تحدث في مواقع خارج نطاق إشراف مصلحة الآثار، وجل النهب حدث عبر النبش العشوائي أو في المناطق الأثرية النائية التي يصعب الوصول إليها.
وكشف مدير المصلحة عن أن رصد المؤسسة أكد “وصول مجموعة من القطع الأثرية الليبية إلى دول مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وأميركا، حيث تعمل الدولة على مستوى المجلس الرئاسي ووزارة الخارجية من أجل استرجاعها”.

وطيلة السنوات الثماني الماضية، واجهت ليبيا مستويات من الانفلات الأمني وأشكالاً من المجموعات التي تهدد وضع الآثار؛ فمقابل تحفظ السلطات في ليبيا وعدم تأكيدها استفادة مجموعات إرهابية، كتنظيم “داعش”، من بيع الآثار، أكدت وسائل إعلام دولية تلك الاستفادة. ففي تقرير لها صدر عام 2018، قالت صحيفة “لاستامبا” الإيطالية إن “تنظيم داعش يبيع الآثار لعصابات المافيا الإيطالية مقابل الحصول على السلاح”، في حين تقوم المافيا ببيع هذه الآثار إلى تجار وأثرياء في روسيا، ودول آسيوية، من بينها الصين واليابان.
وذكرت الصحيفة، في تحقيق لها، أن تلك القطع الأثرية تُهرَّب عبر سفن تنطلق من ميناء مدينة سرت، التي كانت تعد معقل التنظيم الرئيسي في ليبيا، باتجاه ميناء جويا تاورو، جنوب غربي إيطاليا.

وجاء في تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن التنظيم المتطرف جنى ثروة تقدر بنحو مائة مليون دولار من خلال الاستعانة بوسطاء لبيع العديد من الكنوز وقطع الآثار المنهوبة من خلال صفحات ومجموعات مغلقة على “فيسبوك”.

وهو أمر متوقع، بحسب عادل البشتي، الخبير في الآثار الليبية، مؤكداً أن عمال المصلحة عملوا على خطط لإخفاء أندر وأنفس الآثار الليبية. يقول البشتي في حديث إلى “العربي الجديد”، إن “ما لا يدرك كله لا يترك أقله، وهو ما عملنا انطلاقا منه؛ إذ نقلت القطع الأثرية النادرة إلى مخازن خاصة، وأغلقت أبوابها بالطوب الإسمنتي، وكان ذلك عام 2011، بعلم من بعض الأوساط الدولية المعنية بالموروث الثقافي”.
لكنه يردف: “لا يمكن متابعة كل الآثار، فهناك منها ما هو ثابت في المواقع الأثرية، ولا سيما البعيد منها جنوباً وفي القرى، كما أن هناك آثار مواد رملية أو حجرية يتكرر وجودها في أكثر من موقع، ولكثرتها لا يمكن نقلها للمخازن”، مؤكدا أن استفادة المجموعات الإرهابية كانت بقطع رؤوس تماثيل ثابتة، كما حدث في مدينة سلطان المجاورة لمدينة سرت.
يوضح البشتي أنه في مقابل انعدام وطنية البعض ومشاركته في العبث بالمواقع من خلال الحفر الجائر للبحث عن الثراء والتكسب، يمكنكم الاطلاع على قوائم الشرف التي ضمت أسماء ليبيين عثروا على قطع أثرية أو لقى وسلموها للجهات المسؤولة.
يقول البشتي إن “مواطناً اشترى من ماله الخاص سبع مسكوكات نقدية مهمة من تاجر آثار وسلمها لمصلحة الآثار، رافضا تعويضه عن المبلغ الذي اشترى به تلك القطع”.

لكن ذلك الوعي الذي يشير إليه البشتي قد يصطدم بمعارضة دينية بحسب معتقدات بعض التيارات. قبل أيام، أعلنت السلطات المحلية في مدينة سرت عن تعدي الجماعات السلفية المدخلية على زاوية صوفية يعود تأسيسها الى عام 1930، بواسطة الجرافات. 

منذ عام 2012، أطلقت الجماعات الدخيلة يدها في المواقع الاثرية المتصلة بتاريخ ليبيا في العهد الإسلامي منذ عام 642، وصولاً إلى العهد العثماني الذي انتهى عام 1911، وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي صوراً لتلك الجماعات وهي تقود الجرافات لهدم ضريح الشعاب التاريخي الذي يعود إلى القرن الثاني الهجري، ومعقل الأسمر في مدينة زليتن، الذي يمتد عمره لخمسة قرون.

ووثقت إدارة المدينة القديمة في طرابلس حوادث اقتلاع تلك المجموعات السلفية للوحات الجصية والزخارف النادرة في منابر ومحاريب جوامع أحمد باشا وشائب العين، ونبش قبور العشرات من أمراء الأسرة القره مانلية بالأروقة المتاخمة لمساجد المدينة، التي تعد أبرز معالم العاصمة طرابلس الأثرية. وفي بيان لها صادر في أغسطس/ آب من عام 2018، أكدت إدارة المدينة أن “الاعتداءات لا تزال مستمرة”، على الرغم من “استمرار سريان قانون حماية الآثار الذي يجرم ويقضي بعقوبات مشددة لمن يعتدي على أي آثار ليبية”.

وفي أندر حالات التعدي على الآثار الليبية، قامت بعض المجموعات السلفية بتغطية تمثال الحسناء التي تقف وسط نافورة ميدان الشهداء، وهو ميدان العاصمة الرئيسي، بقماش أزرق، بحجة أنها “عارية”، قبل أن يختفي التمثال منتصف عام 2014، حيث عثر على بقاياه المقطعة في أحد أحياء ضواحي المدينة، وسط سخط من قبل نشطاء المدينة الذين اتهموا أفراد الجماعات السلفية المدخلية بالوقوف وراء الحادث.​




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً