أبناء الذوات: الدراما الإيرانية تتجرأ على فساد السلطة

تقف “شريفة” أمام ابنها “حامد”، وهي تتحدث معه بقلق: “أنت ابني وفلذة كبدي وأنا قلق عليك مثلما كنت طفلاً وكانت تأتيك الحمى، وأنا أصحى عليك ليلاً حتى الفجر”. ثم وهي تراود هذه الكلمات، تلامس وجه حامد بيدها التي ارتدت قفاز غسيل لتكسر “تابو شرعيّاً” في الأفلام الإيرانية، لم يسبق أن فعلتها غيرها. لكن مارستها “شريفة” في الحلقة السادسة عشرة لمسلسل “أبناء الذوات” (آقازاده/ أبناء السادة) الإيراني المثير للجدل، في حيلة للالتفاف على هذا المحظور، من شأنها أن تشق الطريق أمام الآخرين. إذْ تحظر إيران ملامسة أو مصافحة النساء والرجال غير المحارم في الأفلام بناء على فتاوى المرجعيات الدينية. هذا المشهد لم يكن الوحيد الذي كسر الحاجز الشرعي بهذه الطريقة، بل إن المسلسل كله هو فريد من نوعه من هذه الناحية، لكونه تخطى أيضاً حواجز وخطوطا حمراء سياسية وأمنية لم تُكسر من قبل، ولم يتجرأ الآخرون على مجرد الاقتراب منها، إلا من خلال إشارات عابرة، ناهيكم بأن يتجاوزوها.


خلفية

“أبناء السادة” مصطلح يطلق على أبناء ومقربي رجال السلطة في إيران الذين يستغلون نفوذ آبائهم وأقاربهم في السلطة للحصول على منافع اقتصادية، أو التسلق على هذا النفوذ لاحتلال مناصب ومواقع في الدولة، وهم يعيشون في حياة باذخة ورفاهية. أطلق المصطلح لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي على أبناء الرئيس الإيراني الأسبق الراحل هاشمي رفسنجاني، وبالذات نجله مهدي هاشمي الذي يقضي منذ العام 2015 عقوبة بالسجن لعشر سنوات بتهم الارتشاء والفساد. غير أن مقربين من رفسنجاني عزوا تسليط الضوء على أسرته والضغوط عليها، إلى محاولة خصوم الرئيس الأسبق لإقصائه وهو كان من مؤسسي الثورة الإسلامية عام 1979، وتوفي رفسنجاني عام 2018.


دخل المصطلح رويداً رويداً في اللاوعي لدى المواطن الإيراني، ليعكس فارقًا طبقياً بينه وبين بعض رجال النظام وطبيعة حياتهم. وبرز المصطلح أكثر فأكثر خلال السنوات الأخيرة في إيران على خلفية اكتشاف ملفات فساد كبيرة، تلطخت بها أيادي “أبناء الذوات”. وسط هذه الأجواء التي تحول فيها فساد هذه الطبقة إلى حديث الساعة في الشارع في الأسواق والحافلات العامة وسيارات التاكسي، جاء مسلسل “أبناء الذوات” ليسلط الضوء على هذه القضية المجتمعية الساخنة على أرضية دراما حب، تتكشف بين تفاصيلها أسرار.


حققت حلقات المسلسل الـ 28 مليارا و100 مليون دقيقة مشاهدة 


عرض المسلسل

بدأ عرض أول حلقات المسلسل يوم 26 يوليو/تموز، وليستمرّ بالعرض حتّى 31 ديسمبر/كانون الأول 2020. لكن ليس على شاشات القنوات المحلية الرسمية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، بل على النسخة الإيرانية من “نتفليكس” و”نمافا” و”فيلمو”، وما يعرف أيضاً بـ”البث المنزلي”، إذْ بإمكان الإيرانيين شراء أسطوانات هذه الأفلام من المحلات أو مشاهدتها عبر موقع “نمافا”. ورغم أن المسلسلات والأفلام السينمائية التي تُعرَض بهذه الطريقة تحتاج إلى الحصول على التراخيص اللازمة من السلطات السينمائية المعنية، لكنها لا تخضع لتلك المعايير والرقابة المشددة المعمولة بها للموافقة على الإنتاجات الفنية التي تعرض في التلفزيون أو دور السينما. ولذلك، لجأ المنتجون إلى هذه الطريقة التي توفر فضاءً فنيا أكثر إراحة، وهي باتت أكثر رواجاً واستقبالاً هذه الأيام في إيران.


حامد عنقا هو السيناريست والمعد لمسلسل “أبناء السادة”، سطع نجمه في عالم السينما الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، بعد إنتاج وكتابة سيناريوهات أعمال فنية بارزة مثل “القلب المثلج” و”الأب”. كما أخرجه بهرنغ توفيقي، ولعب ممثلون بارعون أدواراً مختلفة فيه، أبرزهم الممثلات نيجي كريمي ولعيا زنغنة وبرديس بورعابديني والممثلون أمين حيايي وأمير آقايي وأمين تارخ. وساهم تمثيل هؤلاء بدورٍ كبيرٍ في التسويق للمسلسل وجعله الأكثر مشاهدة بين الأعمال الفنية المعروضة في “البث المنزلي”. إذْ بلغت أرقام المشاهدة لحلقاتها الـ28 عبر موقع “فيلمو”، مليارا و100 مليون دقيقة. وزادت أجواء تفشي كورونا في البلاد من اهتمام الإيرانيين بالمسلسلات وقضاء أوقاتهم في البيوت بمشاهدتها، وفي مقدمتها مسلسل “أبناء الذوات”.



أبطال القصة

“نيما بحري” النجل الفاسد للمسؤول الإيراني “أمير بحري” الذي يتطلع إلى منصب الوزارة عبر توظيف علاقاته وحياكة مؤامرات لإقصاء منافسيه. “نيما” عمل في بيع وشراء اللوحات الفنية، من بينها لوحات فنية مزورة للرسام والشاعر الإيراني المعروف الراحل سهراب سبهري، وهو ينال ثروة كبيرة شيئاً فشيئاً عبر استغلال نفوذ والده في السلطة ولدى الشخصيات المهمة فيها. لا حدود لطموحات “نيما”، فهو يكسر جميع القيود الأخلاقية والقانونية في سبيل تحقيقها، فضلاً عن ممارسة حياة باذخة، وسفريات مكلفة عبر طائرة خاصة، واللامبالاة التي يبدها تجاه المواطنين من الطبقات الفقيرة. يعمل “نيما” في غسل الأموال، والتوظيف المبكر لمنصب الوزارة هو مشروعٌ يطمح له والده، وذلك لإطلاق مشروع غير قانوني عظيم على أراضي شمال إيران.


وفي إحدى زياراته إلى الشمال الذي يتمتع بطبيعة خلابة من الغابات، وهي مطلة عبر بحر قزوين، يتعرف على “راضية”، وهي فتاة بسيطة بقلب لطيف رؤوف. “راضية” عانت في حياتها كثيراً، وتتطلع لحياة أفضل، فتقع في مصيدة أطماع “نيما”، وتغادر مدينتها وتتجه صوب طهران، من دون أن تعرف أنها ستدفع لاحقاً ثمناً باهظاً يودي بحياتها.


مسلسل “أبناء السادة” تخطى حواجز وخطوطا حمراء سياسية وأمنية لم تُكسر من قبل، ولم يتجرأ الآخرون على مجرد الاقتراب منها


لكن هذا جانب من القصة، بطلها “نيما”، ثمة جانب آخر أيضاً، بطلها “حامد طهراني” الذي يمثل دور النجل الصالح للمسؤول الإيراني، فيعيش حياة سليمة متواضعة، بعيداً عن البذخ والرفاهية التي تميزت بها حياة “نيما” ووالده. وهنا ينكشف أحد أهم أبعاد القصة وبالأحرى أهدافها، كأن المسلسل من خلال تجاوز كل تلك الخطوط الحمراء الأمنية والسياسية في تناول قضية حساسة كملفات الفساد لدى رجال في السلطة، أراد توصيل المشاهد الإيراني إلى قناعة بأن كل رجال النظام ليسوا فاسدين، وأن هناك أيادي نظيفة بقيت، وهي تحارب تلك الأيادي الفاسدة في تدبير محسوب للغاية تتكشف تفاصيله واحدة تلو أخرى خلال حلقات المسلسل. وهنا إلى جانب تمثيل “نيما بحري” دور “أبناء الذوات السيئين” وآبائهم، يلعب حامد طهراني دور “أبناء الذوات الطيبين” وآبائهم.


“حامد” وهو ذلك النجل الصالح في الفيلم للمسؤول الصالح، يلعب دور رجل أمن ملتزم من الطبقة التقليدية، يخوض معركة صعبة ومستمرة ضد النجل الفاسد والشبكة التي يقودها والفاسدين، كأنها معركة بين الشر المطلق والخير المطلق، كتلك التي ترويها الأساطير الإيرانية بين النور والظلام.




شخصيات حقيقية

وعلى وقع هذه المعركة، تُنسج تفاصيل القصة فتنكشف ملفات فساد أخرى يتورط فيها رجال آخرون في السلطة. عندما يتفرج المشاهد الإيراني على المسلسل يرى أوجُه شبهٍ كثيرة بين شخصياته وشخصيات حقيقة في العالم الخارجي، وما يدور في عالم السياسة وفي الواقع داخل المجتمع الإيراني.


ويبدو أن ذلك كان مقصوداً، حيث تم اختيار ممثلين أشكالهم تشبه متهمين بقضايا الفساد وكذلك محاربين لها. فشخصية “حامد” الذي يبدي جدية وصلابة في متابعة المفسدين الاقتصاديين في المسلسل، تشبه مندوب النيابة العامة في طهران، رسول قهرماني الذي يحضر جلسات محاكمة الفاسدين الكبار، ويقرأ لائحة الاتهامات ضدهم، فضلاً عن كشفه خلال الجلسات عن وثائق حول تورطهم في هذه القضايا. كما أن الحاج “حسن” وهو مسؤول آخر في المسلسل يمارس الفساد المالي، يذكر بالمتهم أكبر طبري نائب رئيس السلطة القضائية السابق في إيران، المحكوم عليه خلال العام الماضي بالسجن لعشرين سنة. وعُرف طبري بأنه “كبير المرتشين”، وتورط في عدة قضايا فساد، مستغلاً موقعه في السلطة القضائية.


والدور الذي تلعبه “سارا” في المسلسل يشبه شخصية السيدة، ميترا أستاذ، التي كانت الزوجة الثانية لرئيس بلدية طهران السابق، وزير التعليم الأسبق، محمد علي نجفي، والذي قتلها بعدة رصاصات خلال العام 2019 في البيت. فضلاً عن أن زوج “سارا” هو والد “نيما” أي الدكتور أمير بحري الذي يطمح في الوصول إلى منصب الوزارة. كذلك يستدعي دور “ألكس” في مسلسل “أبناء السادة” ملف شبكة تهريب الفتيات الإيرانيات إلى دول أجنبية لممارسة الجنس مقابل المال، والتي تناولها وثائقي “المال والجنس” للمخرج مهدي نقويان. “ألكس” يقود هذه الشبكة قبل أن يكتشف أمره ويعتقل ألكس الحقيقي في ماليزيا.


و”نيما” نفسه أيضاً إلى جانب تجسيد دور “أبناء الذوات السيئين”، يظهر تحديداً في أحد المشاهد بمظهر ساشا سبحاني نجل الدبلوماسي الإيراني السابق، أحمد سبحاني، والذي يعيش في الخارج، وهو شاب ثري يملك طائرة خاصة تشبه الطائرة التي يسافر بها “نيما” في المسلسل.



انتقادات ورسائل

رغم أن المسلسل تجاوز الخطوط الحمراء في تناول قضية الفساد الحساسة في السلطة، لكنه في الوقت نفسه واجه انتقادات، عكستها آراء خبراء وتعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي في إيران. وتحدث البعض عن أن المسلسل عبارة عن “وثائقي فساد المفسدين الاقتصاديين” أكثر من أن يكون عملاً فنياً، فضلاً عن أن آخرين اعتبروه مسلسلاً لتسوية الحسابات والخلافات السياسية والفئوية بين المحافظين والإصلاحيين في إيران ومهاجمة حكومة الرئيس حسن روحاني والمقربين منها. فضلاً عن تركيز المسلسل على هؤلاء، الأمر الذي دفع البعض إلى هذه القناعة أكثر، هو تحديد هوية الجهة التي وقفت وراء المشروع بمنظمة “أوج” الإعلامية الفنية المقربة من الحرس الثوري الإيراني، حسب تقارير إعلامية. ويرى خبراء في ذلك السبب وراء تجرؤ المسلسل على تجاوز الحواجز والخطوط الحمراء.


بالمجمل، بدا أن المسلسل نجح في تجسيد بعض ما يدور في أذهان المواطنين وعلى مواقع وشبكات التواصل والقنوات حول فساد مستشر في البلاد. لكنه لم يتمكن من استعراض حتى 10 بالمائة من الحقائق بهذا الشأن في إيران، كما قال المنتج حامد عنقا لوكالة “مهر” الإيرانية شبه الرسمية، يوم 5 أيلول/سبتمبر 2020.


كما تابعت “العربي الجديد”، يحاول المسلسل تلقين أربعة انطباعات في أذهان المشاهدين، الأول أن بعض رجال السلطة وأبنائهم ومقربين منهم متورطون في هذا الفساد، وليس كل هؤلاء الرجال، والثاني أن هناك إرادة لمحاربة الفساد، والثالث أنه يحاول إظهار أن هناك أيضا أبناء ذوات جيدين إلى جانب السيئين، ورابعاً إرجاع الفساد إلى طبقة سياسية محددة. لكن ذلك نال انتقاداً أيضاً، لتعتبر وكالة “نسيم أونلاين” في تقرير ناقد للمسلسل أن “الشعب العادي ليس له موقع في هذا المسلسل المحلي، فالمعركة هي بين أبناء الذوات، والساحة ساحتهم. حتى الذي يدخل على خط محاربة الفساد هو أيضاً من أبناء الذوات”.


وكما سبق ذكره في مطلع التقرير، تضمن المسلسل مشاهد كسرت العادة أو بالأحرى المحظور. وهنا ليس المقصود فقط تلك الحواجز السياسية والأمنية، وإنما الحواجز “الشرعية”. فإلى جانب ذلك المشهد المثير للجدل حول ملامسة “شريفة” وجه “حامد” بيدها المغطى بقفاز غسيل، كان هناك مشهد آخر أكثر إثارة للجدل وهو عقد “المتعة” بين “حامد” و”راضية” لمدة ساعة بعدما قرأت الأخيرة صيغة “العقد الشرعي”. علما بأن “راضية” قد أرسلها “نيما” إلى “حامد” لتوريطه في فساد أخلاقي يستغله في ابتزازه، لكنها تكشف عن الأمر لـ”حامد”. هذا المشهد أراد تسويق فكرة أنه يمكن حل مشكلة العلاقة بين الشبان والشابات “بهذه الطريقة الشرعية”، لكنه يبقى مشهداً غير مألوف في ثقافة المجتمع الإيراني باستثناء فئات تقبل بالأمر. وأثار هذا المشهد انتقادات واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي، تناولته أيضاً الصحف، لتهاجمه صحيفة “وطن أمروز” المحافظة وتدافع عنه في الوقت نفسه، صحيفة “جوان” المحافظة، قائلة إنه “بعيداً عن طريقة تناول هذه القضية المثيرة. لكن السؤال المطروح، هو لماذا تصوير أحد الأحكام الإسلامية في عمل فني يواجه هذا القدر الكبير من الردود السلبية؟”.


وهناك من قال إن منظمة “أوج” الإعلامية الفنية المقربة من الحرس أرادت من خلال عرض هذه المشاهد المثيرة وغير المسبوقة جذب المشاهدين لتوصيل الرسالة.





Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً