أبناء الفنانين السوريين… ورثة المهنة الحصريّون

في سنوات الثورة السورية، ظهرت مؤسسات ثقافية مستقلة داعمة للفنانين السوريين الشباب، أبرزها “اتجاهات ثقافة مستقلة” التي حاولت إيجاد صيغة إنتاجية تتيح للشباب السوريين إنتاج أعمالهم الفنية من دون الاضطرار إلى الخضوع للأعراف والقيود التي تتحكم بشروط الإنتاج الفني السوري. ومن الممكن أن نختزل هذه الشروط بمفردتي: الشللية والسلطة؛ إذ كان العمل الفني في سورية حكراً على تكتلات وعائلات فنية، ذات علاقات متينة مع السلطات السورية التي وضعت بين أيديها كل الإدارات الإنتاجية في قطاع الثقافة والفنون، ليؤدي ذلك إلى وجود شلة تحتكر الإنتاج في مؤسسة السينما، وأخرى تحتكر الإنتاج في مديرية المسارح، وشلل عدة تتقاسم في ما بينها إدارة شركات الإنتاج التلفزيوني العامة.
يبدو أن المؤسسات الرسمية تنبهت للخطر الذي تشكله مؤسسات الثقافة المستقلة على شروط الإنتاج السوري، فحاولت أن تحتوي المشكلة بسرعة من خلال استهدافها للفنانين الشباب أيضاً، عبر إطلاقها برامج ومشاريع عدة لدعم الكوادر الشابة؛ فأطلقت المؤسسة العامة للسينما مشروع “دعم سينما الشباب” عام 2012، وتبعتها مديرية المسارح والموسيقى بخطوة مشابهة من خلال إطلاق مشروع “دعم مسرح الشباب” عام 2017، وبهذين المشروعين يحصل المخرجون السوريون الشباب على دعم مالي لإنتاج أعمالهم الفنية التي تختارها المؤسسة، بشكل يشابه، إلى حد ما، الصيغة الإنتاجية للمؤسسات المستقلة. كما حاولت المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني أن تتقدم بخطوة على المؤسسات المستقلة، من خلال إطلاقها لمشروعها الجديد “خبز الحياة” الذي يتكفل بإنتاج مسلسلات تلفزيونية بكوادر شابة.
ومن الواضح أن هذه المشاريع قد تم إنشاؤها لتعويم الأفكار التي نادت بها المؤسسات المستقلة، مثل حرية الفن ودعم الشباب وتساوي الفرص التي جاهرت بها مؤسسات الدولة بخطاباتها الطوباوية، لكن أسوأ ما في الأمر أن هذه المشاريع لم تساهم بكسر التكتلات السورية والشلل الفنية المسيطرة على الإنتاج السوري، بل ساهمت بترسيخ هذه المركزية والتهليل لها، إذ إن نسبة كبيرة من الفنانين الشباب الحاصلين على المنح الإنتاجية من المؤسسات السورية الرسمية هم من أبناء الفنانين! والمثال الأبرز على ذلك هو المخرج الشاب، يزن أنزور، نجل المخرج وعضو مجلس الشعب، نجدة أنزور، الحاصل على منحة “دعم سينما الشباب” عدة مرات، وفاز في جميعها بجائزة أفضل فيلم في مهرجان “سينما الشباب” الذي بات مهرجاناً سنوياً يقام بختام كل دورة.

ومع تكرار منح أبناء الفنانين للمنح والألقاب للمؤسسات العامة، بدا أن الشللية الفنية السورية مُنحت غطاءً يشرعها، ليبدو أن إتاحة الفرص للجميع لن تغير شيئاً، وكأن ابن الفنان هو موهوب بالفطرة! حتى بات الحديث عن الانتماء لعائلة فنية، في المقابلات التلفزيونية، بمثابة ميزة وإشادة لكل فنان سوري شاب.

وتجب الإشارة هنا إلى أن الشروط القبلية التي تحكم الإنتاج الفني في سورية، لا تقتصر فقط على ما يحدث في المؤسسات العامة والتلفزيون الرسمي، بل تمتد إلى القنوات التلفزيونية الخاصة أيضاً؛ والمثال الأوضح على ذلك هو ما حدث في قناة “لنا” الخاصة التي حاولت منذ تأسيسها (منتصف العام الماضي) أن تكون لها بصمة خاصة من خلال انتقائها نجوماً لهم تاريخ عريق في الدراما السورية لتقديم برامجها الخاصة، ويبدو أنهم وصلوا إلى مرحلة دفع ضريبة ذلك الخيار، إذ بدأ هؤلاء النجوم بجر أتباعهم.
ففي نهاية الشهر الماضي، بدأ عرض برنامج “فيرست كات” على قناة “لنا بلس”، ويقدم البرنامج الممثل حازم زيدان الذي يفتقد لأدنى درجات الإقناع والإمتاع ولا يتمتع بمهارات مقدمي البرامج، بل هو فعلياً ليس لديه سوى ميزة واحدة، أنه نجل الفنان أيمن زيدان الذي يقدم برنامج “سيبيا” على قناة “لنا” الأولى.
من المفارقات، أن برنامج حازم زيدان الذي وصفه بأنه الأول من نوعه في العالم العربي، هو برنامج مخصص لدعم سينما الشباب؛ ليبدو حضوره الثقيل دليلاً على عقم البرنامج.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *