أحمد ياسين: الأمل كبير بكلّ سينمائي عراقي لكن العوائق كثيرة

فاز الفيلم العراقي “جنائن معلّقة”، لأحمد ياسين، بجائزة لجنة التحكيم الرسمية لورشة “فاينال كات”، في الدورة الـ78 (1 ـ 11 سبتمبر/ أيلول 2021) لـ“مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي”، كأفضل فيلم في مرحلة ما بعد الإنتاج، بالإضافة إلى 4 جوائز أخرى.


يروي “جنائن معلّقة” قصّة المراهق أسعد (12 عاماً)، الذي يعثر على دمية جنسية أميركية في مكبٍّ للنفايات في بغداد. وبينما يعبر منطقة محرّمة، يجد نفسه وسط معركةٍ بين مُدافعين عن حقوق الإنسان، وقوى استغلالية للتسليع الرأسمالي، وقوى أصولية دينية، في حيّ فقير يقطنه في المدينة نفسها.


بعد عدد من الأفلام القصيرة، منها “أطفال الله” و”يوم لآخر” و”اسمي محمد”، بالإضافة الى تجارب ناجحة في التمثيل، يخوض أحمد ياسين تجربة جديدة، قطعت شوطاً كبيراً في تحقيق فيلمٍ روائي.


عن تجربته الفنية، التقته “العربي الجديد” في هذا الحوار:


(*) ماذا عن حكاية “جنائن معلّقة”؟


6 أيام في الأسبوع، يستيقظ أسعد (12 عاماً) وطه (28 عاماً) مع أول دعوة إلى الصلاة، للتوجّه إلى الطمر الصحي، جنائن معلّقة، المعروف بأنّه خليط سام من تلال النفايات، المنتشرة في منطقةٍ تقطنها مئات العائلات. يعثر أسعد على “روبوت”، دمية أميركية بحجم إنسان، يعرضها على طه كهديةٍ، لإشباع رغبته العاطفية، فيتّهمه طه بخرق الأعراف والقوانين الأخلاقية. صدفة، يكتشف أمير (18 عاماً) الدمية، ويعي فوراً إمكانياتها، فيُجبر أسعد على العمل معه شراكةً. تنجح تجارتهما، وتدرّ عليهما مالاً كثيراً، قبل أنْ يُدرك أسعد أنّه يُستَغلّ. تُختطف الدمية بدوافع الغريزة، فيخاطر أسعد بحياته لإنقاذها، متخفّياً عن عيون الناس وألسنتهم، الذين يُلحّون على طه بأنْ يتصرّف ليغسل العار. يهرب أسعد، محاولاً حماية الدمية، إلى ناقلةٍ مهجورة للجنود الأميركيين، ملجئه في الجنائن المعلّقة. لكنّ الأوان فات، ودفنت الدمية مع أحلامه، ليبدأ رحلة من أجل كبريائه، باحثاً عن دميته المخطوفة.


(*) ما الذي تودّ قوله في هذه الفكرة؟


الفكرة قائمة على تجربة وأحداث حقيقية، حصلت أيام القتال الطائفي، ووجود القوات العسكرية الأميركية المحتلّة في بغداد. كتبتُ معالجة بسيطة حينها، بناء على التجربة. لكنّ دراستي الماجستير في London Film School أبعدتني عن العمل عليها قليلاً. بعد حصولي على شهادة الماجستير، عن مشروع فيلم “أطفال الله”، المُصوّر بكاميرا 35 مم.، بدرجة “امتياز عالٍ”، وبتشجيعٍ من رئيسة قسم الكتابة في الجامعة، مارغريت غلوفر، عدت إلى كتابة حكاية “جنائن معلّقة”، كردّة فعل لي على مشاهدة “القناص الأميركي”، الذي أثار غضبي حينها.


(*) هل تعاونت مع فريق عمل عراقي؟


فريق التصوير عراقي بكامله. لكنْ، توجد مساهمات عربية ودولية في تحضيرات ما قبل الإنتاج وما بعده. شراكتي مع “شركة عشتار العراق للإنتاج السينمائي”، بإدارة هدى الكاظمي، سرّ نجاح إنتاج الفيلم. فكرة الاستعانة بفنيين سينمائيين غير عراقيين طرحت أثناء التحضيرات، لكنّ الكاظمي ومدير التصوير دريد المنجم أصرّا على أنْ تكون صناعته عراقية بالكامل، إيماناً منهما بالإمكانات السينمائية العراقية. في الحقيقة، كانت مجازفة حينها، لأنّ صناعة الأفلام في العراق لم تستعِدْ قوّتها بعد، ومع هذا أثبتت وجود مواهب شابّة واعدة، سعيدٌ أنا بنتائج شغلها. كانت التجربة مثمرة جداً. أما بخصوص أسماء الفنيين والممثلين، فاللائحة طويلة، أذكر منهم الممثل جواد الشكرجي في دور الحجي، والممثل الواعد وسام ضياء في دور طه، والشاب أكرم مازن في دور أمير، وآخرين لهم دور كبير في وضع الحكاية في إطارها البصري الواضح. كان مُلفتاً للانتباه دور الفتيات العراقيات، رغم صعوبة البيئة وجوّ التصوير. لعبن دوراً مهمّاً في مفاصل عدّة في مسار العمل.




(*) ما هي الجهات المنتجة والمموّلة؟


حصل الفيلم على دعم محلي، على المستوى الحكومي، يُعتبر كبيراً، مقارنة مع المشاريع السينمائية السابقة، خصوصاً من “وزارة الثقافة” العراقية. هناك تسهيلات وموافقات لوجستية من “قناة العراقية” و”دائرة العلاقات الثقافية الخارجية”، التي سهّلت العمل، كإصدار تأشيرات دخول للفريق الأجنبي، وتسهيلات خاصّة بإدخال المعدّات، وأيضاً الحماية، إذا أمّنت “وزارة الداخلية” وأهالي مدينة الصدر حماية للفريق طوال فترة التصوير. على مستوى القطاع الخاص، مُنح “جنائن معلّقة” رعايةً لتغطية أهم احتياجات الإنتاج، كالنقل (شركة “أوبر تاكسي للنقل الخاص”) والاتصالات (شركة “زين العراق”)، بالإضافة إلى دعمٍ متنوّع من “مؤسّسة المحطة لريادة الأعمال” و”مصرف أشور الدولي”. أمّا الدعم الكبير، مادياً ولوجستياً، فكان من نصير شمة، والمنتج والمخرج علي فاضل ساهم، بشكل كبير، في الدعم أيضاً.


عربياً ودولياً، حصل على منحة من “الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)” في بيروت، وقُدِّم إلى جهات داعمة، فنياً ومالياً، كـ”ورشة فاينل كات 2021″ في “مهرجان فينيسيا السينمائي” هذا العام، و”فيرست كات”، الذي أقيم بالتعاون مع “مؤسّسة الدوحة للأفلام” في دورة 2021، و”سوق المشاريع الآسيوية” في “مهرجان بوسان السينمائي الدولي” (2020) في كوريا الجنوبية، و”سوق ومنتدى مالمو للسينما العربية” (2020) في السويد، و”سوق مهرجان جونة السينمائي” (2018) في مصر.


على مستوى تطوير النص، تمّ الدعم في مختبرات وورشات عمل، منها “ورشة الراوي” عام 2017، و”ورشة محترف الشرق الأوسط” (2017)، في إطار مشاريع “الهيئة الملكية الأردنية للأفلام” و”برلين تالنت” و”سينفلينا لاب” في “مهرجان روتردام”. دولياً أيضاً، هناك دعم لوجستي ومادي من كندا، عبر “شركة ترش برودكشن” في تورنتو. ومن بريطانيا، المنتجة المشاركة مارغريت غلوفر، ومن فلسطين مي عودة.


(*) ما الذي يُشكّل عائقاً أمام انطلاقة السينما العراقية، بالإضافة إلى الإنتاج؟


رغم الأمل الكبير في كلّ سينمائي عراقي، هناك للأسف عوائق كثيرة في مجال صناعة الأفلام في العراق، أهمّها ضعف التمويل، مقارنة بما هو لازم، وعدم احتضان المواهب العراقية، والضعف الثقافي والتوعوي لدى العامة، والفساد المالي والإداري في أقسام هذا القطاع، ونقص الخبرة لدى الموهوبين العراقيين، بسبب توقّف الصناعة عن العمل أعواماً عدّة، نتيجة الظروف السياسية الصعبة.


لا أنسى العائق الأمني، الذي كان سبباً أساسياً في تأخير تصوير الفيلم أشهراً مديدة. فصناعة الأفلام، خصوصاً في المنطقة العربية، وللأسباب المذكورة أعلاه، تحتاج غالباً إلى إنتاجات مشتركة، وهذا يتطلّب توفير ضمانات أمنية واقتصادية للشركات الأجنبية للإنتاج المشترك، التي لا تُغامر في الاستثمار مع استمرار التوتّرات السياسية الداخلية، وضعف المؤسّسات القانونية العراقية.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً