أخلاقيات الترجمة

يسود اعتقاد راسخ لدى منظِّري الترجمة مفادُه أن القولة الشهيرة “الترجمة خيانة”، المعزُوَّةَ إلى جْواشيم دي بِلَاي – والتي تلوكها الألسن لازمةً دالَّة على الارتياب في الترجمة، وعلى اتهامِ ممارسِيها بالخيانة – قد صَدرتْ عن التفكير الغربي وحدَه، لأن نشاط حركة الترجمة لديْه كان أكْثَف، ولأن فكر التنظير لها قد واكَبَها بصفة متواصلة. 


ويَغيب عن هؤلاء كون الفِكر الترجمي للجاحظ المُضمَّن بين دفَّتيْ “كتاب الحيوان”، قد تضمَّن إشارات واضحة إلى مشكلة الأمانة في الترجمة بالتلميح والتصريح كقوله: “إن الترجمان لا يؤدّي أبدًا ما قالَ الحكيمُ، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخَفِيَّات حدودِه، ولا يقدر أن يوفيها حقوقَها ويؤدِّيَ الأمانة فيها، والإخبار عنها على حقِّها وصدقها”.


ولا يهمنا هنا النَّظر إلى الترجمة من وجهة الأمانة وحدَها، لأن ما يترتَّب على ذلك هو السقوط في تصوُّر مُبتَذل لقضية أخلاقيتها، لاقتصار هذا النّظر على حصر هذه الأخلاقيات في سلوك مُعيَّن في التعامل مع النص والعميل والمؤسَّسات الذي لا تَغيب عنه الأوامر والنواهي، ولكونه يظلّ حبيسَ التصوُّر التقليدي للأخلاقيات بصفتها مسؤولية اجتماعية، ولعلّ الكُتيِّبات المعروفةَ بـ”مدونة أخلاق المترجمين الأدبيين” التي تُصدرِها جمعياتُهم ومؤسَّساتهم، على سبيل المِثال، خيْرُ صورة لذلك.


لنُذكِّر بأن قضايا الترجمة هي بالضرورة من قضايا الأدب نفسه، بحسب أورتيغا إي غاسيتْ، بمعنى أن كلّ تفكير في الترجمة يَفتَرض فينا أن نتقبَّله بصفته تفكيراً في الأدب، بل إن ما يصدق على الأدب يطاول الترجمةَ بالضرورة، وهو ما أكد عليه المفكِّر الفرنسي هنري ميشونيك، بقوله: “لا يُمكن لأخلاقياتِ ترجمةِ عمل أدبي إذن أن تكون غيرَ أخلاقياتِ الأدب نفسِها”، نَظراً لاشتراك الاثنيْن في اللغة؛ إنهما يتميَّزان عن باقي الفنون بكونهما يبنيان معا عوالِمَهما وخطابَهما باللغة، والمُسلَّم به، بحسب جورج شتاينر، هو أنّ “كلّ اللغات المقسَّمة ستعود إلى نبع حياتها المشترَك. وفي أثناء ذلك، تكون الترجمة هي مستودع المسؤوليات الفلسفية والأخلاقية والسحرية الهائلة. “وكلُّ هذه المسؤوليات مجالات لتجلي الأخلاقيات. 


أخلاقياتِ الترجمةِ هي في النهاية نفس أخلاق الكتابة الأدبية


لقد أفرد ميشونيك لموضوعنا هذا كتاباً، انتصر فيه لهذا الطَّرح الفريد، ونصَّ فيه على أنّ “الترجمة ضرورية للتفكير في اللغة، والأخلاقيات، والسياسة” لأنَّ من مزاياها تعريفَنا إلى المختلِف، واقتراحَه على فضائها الثقافي. ويُجانب الصوابَ من يعتقد أنّ الترجمة عملية ميكانيكية خالصة، وأن همَّها النقل أو التحويل من لغة إلى أخرى، ويُغفل عن أنها تُحدِث أثراً في متلقِّيها، على غرار ما يُفترَض أن يكون قد أحدَث نصُّها الأصلي من أثر في متلقيه، أو هكذا هو طموحها على الأقل، وأنّ لذلك الأثر انفعالاتٍ وقِيَما تنتظِمُها أذواقٌ وأخلاق وعقائد. 


هكذا تكون للترجمة مثلما للأدب أخلاقياتُها المؤثِّرة في “ما يفعله المرء مع ذاتِه ومع الآخرين، إنها إنجاز أعمال وابتكار قيمة” وَفق ميشونيك، ويَكُون التأخر في صدور ترجمة بعض الأعمال في بعض المجتمعات أو غيابها عنها مَرَّدُه إلى الأخلاقيات الرائجة والسياسة السائدة. هكذا تبتكر الترجمة قِيَماً غيرَ متداوَلة، وتقترِحُها بصفتها أخلاقياتٍ جديدة؛ فقيمة الخيانة تُقلَبُ إيتيقيّاً لتُفيدَ فِعلاً محموداً، فتصير إيجابية لكونها ترفع الصمتَ عن العمل المترجَم في ثقافته الأصلية (ألف ليلة وليلة أو الخبز الحافي، إلخ)، لتُسمِع صوتَه في غير لغته، وبذلك يكون المترجِمُ وهو المؤلِّف الثاني للعمل، بإعادتِه صياغة ذلك العمل في غير ثقافته الأصلية شريكاً لمؤلِّفه في ما يرد ضِمنه من قِيَم تتوزَّع بين تنديد بتشغيل الأطفال، واضطهادِ النساء، والمجاعة، والفساد، والاستبداد، والعنصرية، والتغيّر المناخي، والتلوث، والاتجار في البشر، إلخ. ويُستدَلُّ على هذا التشارك بين الاثنيْن بِمِحَن المترجِمين مع السلطتيْن السياسية والدينية اللتين اغتالتا واضطهدتا كثيراً منهم تاريخياً.


ولعلَّ أوْضَح قيمة إيتيقيّة تُعلن عنها الترجمة حالياً وتُصرِّفها هي قيمة الوَساطة، التي لازمتْها منذ القِدم، لِفَعاليَتها في التقريب بين الثقافات، ولِتمكينها من التعارف والتحاور والتفاهم حفاظًا على الحياة والسِّلم والأمن. أما القيمة الأخرى فهي التَّشارُك، التي أضحت في زمننا الرقمي هذا متداوَلةً، بل شمولية، من خلال تقاسم المعارف والمُنتَجات والأخبار وغيرها، وهي التي تَفرض حضورَها العمليّ في شبكة التواصل الاجتماعي بتطبيقاتها المتنوعة. ولا يخفى أن قيمة التشارك، التي تُحقِّقها الترجمةُ وتُروِّجها مثلما الأدب، تنبِّهنا إلى ما لدى الآخرين من قِيَم تتضمَّنها أذواقُهم وأخلاقهم وفكرهم، وتمدّنا باحتياجاتنا الروحية، وغيرها.


ليست أخلاقيات الترجمة، مثلما يتصوَّر كثيرون، تنحصر في العلاقة بين نصَّيْن فقط، وفي التطابق بينهما في مستوى العلامة اللغوية، بل إنّ إيتيقاها هي ما يَفيض عن مدلولاتها من أثر، على اعتبار أن الترجمة نشاطٌ وتفكير في الوقت ذاته، وفضاءٌ للتفاعل بين المعرفي والسياسي والأخلاقي والفني واللغوي، وفيها يتحقَّق ما يُسميه ميشونيك “المستمِرَّ”، الذي يخلُقه المُترجِم في نصِّه، فيَصير أثراً إيتيقيّاً يمتدّ فِعلُه ليطاول قُرّاءَه.

 


* أكاديمي ومترجم من المغرب






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً