أردتُ أن أناديه أبي

أحدٌ ما أناديه أبي. أجده في المقهى وفي العمل وفي الشارع وفي البقّالات. لا أناديه “عمي” لا أناديه “السيد”، قد يكون هذا أبي، أقول وأنا أبتاع سجائر من بقالة القرية، “شكراً يا أبي”.

يبتسم العجوز. أسير في طريق البيت وأراقب العجائز الجالسين على كراس هزّازة أمام بيوتهم. أحيّي “السيد سيسر” من بعيد برفع يدي وإلقاء التحية “مساء الخير يا أبي” أُسرع في مشيي قبل أن تنضم إليه زوجته، فهذا يعني قضاء نصف ساعة من الأسئلة حول المعيشة في سانتياغو العاصمة، التي لا يصل إليها إلا القليل من أبناء القرية الواقعة على سفوح الأنديز.

لا ينتابني شعور مشابه حين أتحدث مع نساء في مثل سنّ أمي، بأنه من الممكن أن تكون إحداهنّ أمي. أمي هي مارسييلا، خياطة الحيّ وخادمة الكنيسة… كنت أرافقها دوماً للكنيسة أيام الأربعاء، لا تتخلف عن خدمتها في ذلك اليوم أياً كانت الظروف، وأرافقها أيضاً أيام القداس، مع أن هذا لم يساعدني في أن أكون مؤمناً كما أرادت لي أن أكون. علّقت أمي الصلبان في كل زاوية من بيتنا الصغير، وحوّلت مدخل البيت إلى مذبح مصغّر… منضدة متوسطة الارتفاع مستندة إلى جدار معلّق عليه صليب خشبي كبير، على المنضدة تمثال للشفيعة كارمن، سيدة تشيلي، بجانبه تمثال أصغر حجماً للسيدة العذراء، شموع وأزهار موزّعة على المنضدة ورائحة البخور تملأ البيت. سألتها مرة:
– لماذا يوم الأربعاء بالذات يا أمي؟
– إنه يوم مولدك يا بني، كادت روحي أن تخرج لولا رحمة الله.

يوم مولدي، وصل أبي متأخراً إلى البيت، بل كان آخر الواصلين. تُردّد أمي ذلك كلما احتفلنا بذكراه. وهي ذكرى لا ينساها أهل القرية، فقد ولدت في 22 من يناير، اليوم الذي ولد فيه القديس ألبيرتو أورتاذو، قديس العمّال، وقد أحال أبي نجاة زوجته وابنه في تلك الولادة المتعسرة للبركة التي يحلّها القديس ألبيرتو على العمّال المخلصين وقد كان عاملاً في مناجم الفحم تشهد رئتاه السوداوان على شدة إخلاصه.

لم تكن أمي لتمنح تفاصيل كثيرة عن ذلك اليوم لكن أبي لا يفتأ يذكر وقوف العم راؤول إلى جانب والدتي عند الولادة، حين أحضر قابلة أخرى من القرية المجاورة بسيارته البيك أب معرّضاً محرّك السيارة للخراب بسبب الطريق غير الممهد بين القريتين. لم يكن أبي قد وصل من عمله وبعد حين سلّمتني القابلة لذراعيْ العم راؤول ظناً منها أنه والدي، سيما وقد شاهدته يبكي.

كان العم راؤول صديق أبي الوحيد، رغم الخمسة عشر عاماً التي تفصل بين سنّيهما، وكان يعيش حياة صاخبة، بعكس أبي الذي أصبح ربّ عائلة في الخامسة والعشرين من عمره. ورغم أن الكثيرين سمّوا ذلك “حظّاً”، إلا أن العم راؤول تمكّن من الاحتفاظ باستقرار البيع في متجره الخاص وتدبّر أمر حياة تسدّ احتياجات نزواته، وظلّ أبي عاملاً في مناجم الفحم، يقضي بها الأسبوع كاملاً ويعود في نهايته. لطالما لجأت أمي للعم راؤول إن احتاجت عوناً خلال فترة تغيب أبي. لكن التواصل المباشر الأخير بينهما كان يوم ولادتي.

عاملني العم راؤول معاملة خاصة. لم أتغيب عن المرور على متجره بعد انتهاء الدوام المدرسي أبداً، أنجز واجباتي المدرسية في مكتب صغير لديه، ثم يوصلني للبيت. صادفنا مرة صديقاً قديماً له، وحين رآني معه، علّق: “كم يشبهك ابنك”. تلعثم راؤول وهو ينفي ذلك، وما إن وصلت إلى البيت حتى أسرعت للمرآة أبحث عن ملامحه في وجهي. في اليوم التالي سألت مدرّسة الأحياء “هل يمكن أن يولد المرء من اتحاد نطفتي رجلين في رحم أنثى واحدة؟”. أردت أن أناديه أبي… ولم أفعل.

بكت أمي حين غادرتُ القرية للدراسة الجامعية في العاصمة، وحاول أبي عبثاً مداراة دموعه. حملني العم راؤول إلى المحطة بتوصياته الجادة للاجتهاد في الدراسة، وتكفل -كما يفعل دوماً- بالمصاريف. وعند عودتي في نهاية الأسبوع والإجازات، أجد العم راؤول في المحطة بانتظاري، يوصلني ويعود لأخذي، تاركاً لوالديَّ حق التمتع بإقامتي. في الفصل الدراسي الأخير، لم ينتظرني العم راؤول في المحطة، الأموات لا ينتظرون، الأحياء يفعلون.

مات أبي بعده بأشهر قليلة ولحقته أمي في العام ذاته. ما زلت أواصل زيارة القرية نهاية كل أسبوع، أنادي الكهول والمسنّين فيها بـ”أبي”… الجميع أبي… كل أعمامي السابقين… أبي.

أزور المقبرة، قبرا والديَّ ملتصقان، أستحضر صورة تنظيف أمي لمذبح الكنيسة، أنظف ما حول القبرين، أُجدّد دهان الشاهديْن والصليبيْن، وأرش المكان بالبخور… أصلّي لهما.

أتوجه نحو قبر العم راؤول في الطرف الآخر من المقبرة. أكتفي بتنظيف المكان، وأتجاوز عن مسألتي دهن الصليب والصلاة. لم يكن العم راؤول ممارساً للطقوس. أشرب عند قبره زجاجة البيرة قبل أن أشرع بالحديث معه… أناديه عمي، عمي راؤول.

* كاتبة ومترجمة فلسطينية أردنية مقيمة في نيكاراغوا، من كتبها: “إخوتي المزينون بالريش”، ومن أعمالها المترجمة: “لا أحد أرانا الطريق”، و”الحرف الحزينة”، “خان القوافل”




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *