"أرز أكتوبر" لسليم صعب: توثيقٌ بصريّ بأصواتٍ شبابيّة

فيلمٌ جديدٌ عن “انتفاضة 17 أكتوبر” (2019) اللبنانية، يُقدِّم ملامح حراكٍ شعبيّ، وبداياتٍ عفوية وسلمية لأفرادٍ ينزلون إلى الشارع لقولٍ يُناهِض نظاماً يبطش بالبلد وناس البلد، حمايةً لمصالحه متنوّعة الأشكال والامتدادات. “أرز أكتوبر” (2020)، للّبناني سليم صعب، تسجيلٌ لبوحٍ ذاتيّ يقوله مشاركون في الانتفاضة، بما لديهم من أدوات: رسم وغناء وتفكير وقول، رغم أنّ بعض ما يُقال أمام الكاميرا (تصوير صعب نفسه، مُنتج الفيلم أيضاً، “المُهدى إلى جميع الناشطات والناشطين في “ثورة” تشرين الأول/ أكتوبر”) يكشف كلاماً أكبر من الحراك، وتحليلاً غير مُتحرّر من تنظيرٍ وتشاوفٍ.


“أرز أكتوبر” يحمل في طياته أمل مخرجه وتفاؤله، لاقتناعه بأنّ “الصراع من أجل العدالة الاجتماعية مستمرّ”، وبأنّ “جيلاً جديداً يُناضل كي يستمرّ خفقان قلب الأرز”. هذا لاحقٌ لإشارته إلى أنّ وضع لبنان، بعد تصوير الفيلم، ينهار أكثر، مُعدِّداً بعض معالم الانهيار: أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، إفقار الشعب، نسبة البطالة تتجاوز 40 بالمئة، انفجارا مرفأ بيروت (4 أغسطس/ آب 2020) يُسبّبان 200 قتيل و6500 جريحٍ، ويُشرّدان 300 ألف يُصبحون، فجأة، من دون منازل. اللقطة الأخيرة: الانفجار الأقوى في المرفأ، رغم أنّ “أرز أكتوبر” معنيٌّ بالأشهر الـ4 الأولى للانتفاضة.


يُحدِّد الفيلمُ مُرادَه منذ البداية: تسجيل كلام “نساءٍ ورجالٍ من الأعمار كلّها والطوائف كلّها”، فالفيلم ليس “تحليلاً سياسياً لهذه الحركة الاحتجاجية”. تحديدٌ يوضح هدفاً، وسياقٌ يؤكِّد المُحدَّد، وتسجيلٌ يوثِّق حالةً وقولاً، مع أنّ بعض القول يستعيد كلاماً قديماً عن عيشٍ مشترك ونبذٍ لطائفية وانتماء إلى وطن، وهذا مُكرّر وغير مُفيد لشدّة خطابيّته وبهتانها، مع أنّ وقائع لبنانية سابقة على “انتفاضة 17 أكتوبر” تشي بحدوث انقلابٍ في وعي وتفكير شبابيّين، يتمرّدان على ثقافةٍ متحكّمة بالبلد وناسه على أسس طائفية ومذهبية، ويتمثّلان بخروجٍ على الطائفة والمذهب، وبمواجهة يومية لبطش السلطة.


“انتفاضة 17 أكتوبر” تنقلب على نظامٍ خانق وقاتل، يستعين أحياناً بمفردات العيش المشترك ونبذ الطائفية والانتماء إلى وطن، وهذا تدجيلٌ مفضوحٌ؛ وتنقلب على مسائل في الاجتماع والاقتصاد والعيش اليومي، يصنعها النظام وتسلّطه. سليم صعب مكتفٍ بتصوير وتسجيل يتحوّلان إلى “أرز أكتوبر”، جاعلاً الفيلم وثيقة بصرية تؤرشف لحظةً، وتوثِّق حراكاً إمّا بتصويره وإمّا بكلام ناشطين وناشطات فيه. شبابٌ وشابات يُدركون مصائب النظام الحاكم، لكنّ بعضهم يتفوّه بكلامٍ مُكرّر وغير مُنتِج. أما ما يُنتِجونه، فيتمثّل برسوم “غرافيتي” وأغاني “راب”، وبتنظير شاباتٍ عن دور المرأة، يشي بعضُه بفوقية تكاد تُلغي حضور الرجل ـ الشاب في فعلٍ جماعي، يُفترض به (الفعل الجماعي) تحرير الناشطين والناشطات فيه من تصنيفاتٍ كهذه.


قول هذا غير مناقضٍ لقناعةٍ بأنّ للمرأة حضوراً متنوّع الأشكال في انتفاضةٍ مسحوقة بعنفٍ سلطويّ ووباءٍ عالميّ، وفي ما قبلها أيضاً؛ وغير مانعٍ من تفكيرٍ يُدرك تماماً أنّ ذكورية الاجتماع والعلاقات والحياة اليومية وحشٌ يُشبه وحش السلطة الحاكمة، وأنّ على الانتفاضة مواجهة الوحشين معاً بشتّى الوسائل. لكنّ الإصرار على تعابير وتنظيرات كهذه يُسيء إلى انتفاضةٍ تتجاوز سائداً بانقلابها عليه.


 




 


أحد فناني “أرز أكتوبر”، واسمه SPAZ، غير مُتردِّدٍ عن تحويل انتفاضة لبنان إلى “درسٍ” للعالم العربيّ، لـ”يتعلّم” (يستخدمها حرفياً) أنْ لا أحد يوقف الكلمة أو يكسرها، وأنّ الشعب مصدر كلّ شيء، وأنْ لا أحد يقف أمامه إنْ يكن جيشاً أو مليشيا، وأنّ هناك شعباً يتحكّم ويُقرِّر كيف يريد أن يعيش. كلامٌ يُغاير وقائع تنقلب الانتفاضة عليها من دون طائل (أقلّه إلى الآن)، وتُسبّب الانتفاضة تشديدَ نقيضها على المشاركين فيها. كلامٌ يشي بانفصال قائله عن واقعٍ عربيّ سابقٍ، بأعوامٍ عدّة، على انتفاضة محلية مُعطّلة ومكسورة؛ وعن حقائق يصنعها شبابٌ عربٌ في تونس ومصر وليبيا وسورية والبحرين، قبل لبنان بأعوامٍ عدّة، وقبل انقضاض أنظمة قامعة عليها وعليهم، تغييباً وإلغاءً وقتلاً وحروباً وتهجيراً وتسلّطاً وحشياً.


أهمية “أرز أكتوبر” كامنةٌ في إتاحة مجالٍ بصريّ لأقوال شباب وشابات، تكشف حاجة بعضهم إلى تواضعٍ، يصنع تنبّهاً ويُتيح اطّلاعاً ويتطلّب معرفة، لتستقيم أمورٌ مختلفة في هذا البعض. أقوالٌ تؤكّد أنّ أحد أعطاب الانتفاضة منبثقٌ من أقوالٍ كهذه، وأنّ جمال الانتفاضة في عفويتها وانفعالها، اللذين يتلاشيان سريعاً، فالانتفاضات تحتاج إلى ما هو أعمق وأهمّ من العفوية والانفعال، رغم أنّهما ضروريان وأساسيان: إدراك حقائق ووقائع، وتحرّر من كلامٍ مُكرّر وخطاب بائد وشعارات وتنظير؛ علماً أنّ “أرز أكتوبر” مُكتفٍ ببعضٍ قليلٍ من الناشطين والناشطات في الانتفاضة.


بساطة “أرز أكتوبر” لسليم صعب، فنياً وجمالياً وبصرياً، تجعله شهادة مطلوبة وضرورية، لكونها جزءاً من حراكٍ، تُنتَظر استعادته بحيوية أعمق، وبحماسة أكبر، وبطاقاتٍ أوسع، وبفعالية أهمّ. بساطة تجعل التوثيق أرشفةً للحظةٍ عبر كلامٍ وتصرّفات وأفعالٍ، وتتميّز (بسلبياتها وإيجابياتها) بانفعال ناسها، وبشغفهم بتمرّدٍ على نظامٍ فاتكٍ، لا أكثر.


لكنْ، أهناك ما يَلِي الانفعال والشغف والتمرّد؟ “أرز أكتوبر” يقول بتفاؤل مخرجه وبأمله بمستقبلٍ أفضل. لغيره آراء أخرى، أبرزها تشاؤم وهمود، خصوصاً إزاء استسلامٍ جماعيّ لصمتٍ مدوٍّ أمام آلة القتل اليوميّ.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً