أفراح الفن السابع… لإغماض عين الريبة

لا يمكن الحديث عن الكوميديا الموسيقية من دون استحضار مقوّمات الصناعة السينمائية، لأنّها من أكثر الأنواع تطلّباً، ليس للإمكانات المادية فقط، بل للتكامل بين العناصر الفنية المتعدّدة، التي تدخل في صناعة الفيلم الموسيقيّ: الديكور، والأزياء، والألحان، والكلمات، والكوريغرافيا، والسينوغرافيا، والكاستينغ (مواهب في الغناء والرقص تتوفّر، في الوقت نفسه، على شكل جذّاب). كل ذلك يُصعّب ظهور سينما موسيقية قوية في تربة بلدٍ، لا يتوفّر أصلاً على اقتصاد سينمائي قوي، وتقاليد عريقة في المسرح الغنائي، كحال هوليوود في النصف الأول من القرن الـ20، حين شهدت الأفلام الموسيقية أوجّ نهضتها، بفضل فنانين استعراضيين استثنائيين، ومخرجين بارعين تخصّصوا في هذا النوع انطلاقاً من تجارب ناجحة في مسارح برودواي في نيويورك، أو المسرح الاستعراضي في لاس فيغاس.


أفلام غنائية أم موسيقية؟


توافّر جلّ هذه المقوّمات في الحالة المصرية ـ باعتبار أنّ النهضة الفنية شهدتها مصر منذ بدايات القرن الماضي، في المسرح والموسيقى، كما في الأدب ونواح أخرى من الحياة الثقافية ـ أدّى إلى انتقال العدوى إلى السينما، انطلاقاً من بداية الثلاثينيات الفائتة، فعرفت صناعة السينما المصرية طفرة جماهيرية، امتدّ صداها إلى معظم الدول العربية. يرجع الفضل فيها، أساساً، إلى الفيلم الغنائي، الذي شهد لقاء فنانين استثنائيين، برعوا خصوصاً في التخصّصات الغنائية، من أداء ولحن وكلمات، كمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش ورياض السنباطي ومحمد القصبجي وأحمد رامي.



هذا يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان الأمر يتعلّق بأفلام أقرب إلى الغنائية من الموسيقية، باعتبار أن غالبية التجارب المصرية كانت تهتمّ بالأغنية كمرتكز للاقتراح الجمالي، أكثر من كونها استعراضاً بالمعنى المتعارف عليه في السينما الموسيقية الهوليوودية، حيث تحضر الأغنية، كالرقص والأزياء والسينوغرافيا والديكور، بشكل متوازٍ في قلب الرهان الجمالي للأفلام، وفق مقاربة فنية متكاملة.


خلّفت السينما الغنائية المصرية تأثيراً كبيراً في وجدان الجمهور العربي


رغم ذلك، خلّفت السينما الغنائية المصرية تأثيراً كبيراً في وجدان الجمهور العربي، إلى درجة أنّ أولى تجارب إخراج فيلم سينمائي طويل في المغرب مثلاً، كانت بعنوان “الحياة كفاح” (1968)، لأحمد المسناوي ومحمد التازي، كمحاولة لتقليد الوصفة الغنائية المصرية، بما في ذلك الحبكة المألوفة، المتمحورة حول مغنٍّ يسعى إلى شقّ طريقه نحو النجاح في الغناء، فيواجه عقبات ويعرف نجاحات تترجمها الأغاني (مونولوغ، غالباً)، مع إدماج توابل مغربية، والاعتماد على موهبة الفنان الصاعد آنذاك عبد الوهاب الدكالي. ثمّ “دموع النّدم” (1982)، لحسن لطفي، الذي ألّف كلمات بعض الأغاني. لاقى الفيلم إقبالاً كبيراً عند عرضه في القاعات، بسبب شعبية بطله المغني الراحل محمد الحياني.


لكنّ هذه المحاولات لم تتمكّن من تثبيت جذور النوع في السينما المغربية، لأسباب عدّة، أهمها هيكلية مرتبطة بضعف شروط الصناعة السينمائية، وقوّة المنافسة المتمثلة في السينما المصرية والهندية خصوصاً. وكذلك، ضعف التعاون بين حلقات الإنتاج المسرحي والغنائي والسينمائي، رغم توفّر التّخصصات الغنائية على أسماء إبداعية كبيرة، طبعت كلّ مجال على حدة: سميرة بنسعيد وعبد الهادي بلخياط في الغناء، وعبد السلام عامر في وضع الألحان، وأحمد الطيب لعلج في كتابة الكلمات.


انحسار كبير


تنبغي الإشادة هنا بتجربة المخرج كمال كمال، المتمثّلة بفيلمين مهمّين: “السمفونية المغربية” (2006) و”الصوت الخفي” (2013)، اللذين سعى من خلالهما إلى بعث السينما الموسيقية المغربية بمواصفات حديثة، وتجديد في طرق السرد وأساليب الإخراج، بعيداً عن الأنماط المصرية والهندية، وربما أقرب إلى الكلاسيكية الغربية.



لعلّ الصعوبات، التي يواجهها كمال كمال غالباً في موازنة أفلامه مالياً، أبرز دليل على التحدّيات الإنتاجية التي تُشكّلها الأفلام الموسيقية، والمغامرة التي تنطوي عليها.


منذ عقود، تشهد السينما الموسيقية انحساراً كبيراً في الإنتاج والإقبال الجماهيري، في العالم بأسره (ما عدا الهند، بسبب خصوصيات ثقافية ورقابية معيّنة)، مردّها الأول في هوليوود التخلّي عن نظام اشتغال استديوهات الإنتاج السينمائي، المرتكز على عقود حصرية مع المخرجين والممثلين والفنيين، والذي (النظام) أتاح لها (الاستديوهات) تبنّي صيغة تحاكي سلسلة الإنتاج، أكثر ملاءمةً لنموذج إنتاج الأفلام الموسيقية المعتمد على تخصّص كبير في الوظائف الفنية. هذا مكّن من امتصاص تكاليف الإنتاج، بالاعتماد على نمط وفورات الحجم (الاستفادة من حلقات إنتاج معينة في تصوير أفلام عدّة)، وتالياً استثمار أمثل لعقود المتدخلين الفنيين والتقنيين العديدين، الذين يتطلّبهم إنجاز لوحات الاستعراض الضخمة، التي تشكلّ عصب الأفلام الموسيقية، مهما كانت خصوصياتها المرتبطة بالأسلوب والمرجعية.


نكسات الحروب العربية الإسرائيلية، أفضت إلى تسيّد تيار السينما الملتزمة، المنطلقة من انتقاد الوضع القائم


أما أزمة السينما الموسيقية وغيابها على الشاشة العربية، فترجع إلى أسباب أعمق وأكثر هيكلية، أبرزها هيمنة الواقعية على الإنتاج العربي، بالنظر إلى عدم تطلّبها على مستوى الموازنة المالية، ولاعتبارات ترتبط بالمزاج السياسي والاجتماعي السائد في الدول العربية، منذ ستينيات القرن الـ20، ونكسات الحروب العربية الإسرائيلية، التي أفضت إلى تسيّد تيار السينما الملتزمة، المنطلقة من انتقاد الوضع القائم. من دون نسيان التأثير الكبير، منذ سبعينيات القرن نفسه، لانتشار أيديولوجيات ترتكز على القراءات الحرفية والأصولية للتراث الديني، وتنظر بعين الريبة إلى السينما بشكل عام، ولا تتردّد في تحريم الأنواع المرتكزة على مظاهر الفرح والحياة، من غناء ورقص وقُبلٍ بين الممثلين والممثلات، وفي مقدّمتها السينما الغنائية والموسيقية.


كما أنّ جنوح شركات الإنتاج السينمائي العربية إلى السهولة، وإحجامها عن ركوب المجازفة الفنية، أدّيا إلى تفضيلها أنواعاً أقلّ كلفةً على مستوى الموازنة، وأقلّ تطلّباً على صعيد الجهد والاستثمارين الفني والتقني، كأفلام الحركة والكوميديا. لا يُغفل انعكاس التراجع الكبير الذي عرفته الحركة الفنية العربية عامة، خصوصاً تلك المرتبطة بشكل وثيق ومصيري بالسينما الغنائية، أي الموسيقى العربية في الدرجة الأولى، وما شهدته من تراجع على مستوى الألحان والكلمات، وتدنّي التكوين الأكاديمي والموسيقي لمعظم الممارسين؛ ثمّ المسرح الغنائي والاحتفالي، الذي خفت صيته تدريجياً منذ ثمانينيات القرن الـ20، مع تبدّل أنماط الفرجة لدى المشاهد العربي، بالموازاة مع هيمنة التلفزيون وانتشار القنوات الفضائية.


لنُعلِّم الموسيقى


في خلاصة كتابه “أضواء على السينما الغنائية العربية” (“دار نلسن”، بيروت، 2018)، يوصي فيكتور سحاب بإعادة الاعتبار إلى تعليم الموسيقى، بناءً على مصادر الموسيقى الأصيلة، والتوسّع في تعلّم الوسائل العلمية الموسيقية الغربية، مع اعتماد موازنات حكومية لتعزيز التربية الموسيقية، وتنشيط دور وسائل الإعلام في التربية الموسيقية والثقافية، كوسائل لتجاوز أزمة السينما الغنائية العربية على المدى الطويل. إذا بدأتْ الأعوام الأخيرة تشهد بوادرَ عودة نوع الفيلم الموسيقي إلى الجماهيرية، دلّ عليها النجاح غير المتوقّع لـ”لا لا لاند” (2016) لداميان شازيل، ما أسهم في إنجاز مشروع طموح ومُكلف، يتمثّل في نسخة حديثة من “قصّة الحيّ العربيّ (West Side Story)”، يُخرجها ستيفن سبيلبيرغ، تأجّل إطلاق عروضها بسبب كورونا؛ فإنّ السينما العربية لا تزال بعيدةً عن مدّ جسور التواصل مع أمجادها في نجاح الفيلم الغنائي، وما حقّقه من انتشار وإشعاع عابر للأقطار والثقافات.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً