أفلامٌ فرنسية خارج المألوف: عنفٌ مغلّفٌ بالدعابة

 


تُبهر السينما الفرنسية، في بعض أفلامها الجديدة، في خروجها عن المألوف، وانطلاقها نحو فضاءات غريبة، وطرحها مواضيع متفرّدة، تسبر أحوال مجتمعٍ وعيشه وتحوّلاته بأسلوبٍ متميّز، يعتمد مبالغة وعبثية وعنفاً، ويستند إلى سخرية مريرة وفكاهة سوداء. أفلامٌ تشترك في مفرداتٍ، كأنّها صرخة تحذير، ونبوءة فنان قادر ـ أكثر من غيره ـ على تلمّس الواقع وآفاقه المستقبلية.


فوز “تيتان”، لجوليا دوكورنو، بالسعفة الذهبية للدورة الـ74 (6 ـ 17 يوليو/ تموز 2021) لمهرجان “كانّ”، مفاجأة كبرى. فيلمٌ غريب، وسينما تنتمي إلى نوعٍ جديد، فرنسياً. عنيفٌ إلى درجة يصعب تخيّلها في فيلمٍ فرنسي. ففي 3 أفلامٍ لها (واحد قصير واثنان طويلان)، ترفد دوكورنو السينما الفرنسية بعوالم جديدة، تحرّك ركوداً فيها، وارتكازاً على الاجتماعي والكوميدي، في قصصٍ بسيطة وعادية، تلامس الواقع. كما تفرض نوعاً سينمائياً جديداً، يخرج عن مسارات مألوفة. عوالمها قائمة على تحوّلات الجسد وتشوّهاته وجروحه المترافقة مع ظهور ميول وحشية لدى الكائن، هنا الأنثى.


في “تيتان”، رؤية سوداوية لعالمٍ قائم على العنف، ولشخصياتٍ تائهة ومعزولة ويابسة، ويائسة من ملاقاة الحبّ والإحساس بمشاعر إنسانية؛ وتطرح تساؤلات عن تحوّلات النوع البشري، ونوازع الذكورة والأنوثة، جسدياً ومعنوياً. معانٍ تتجسّد في راقصة تعرٍّ (آغات روسّل) صامتة، يلفّها غموضٌ ومظهرٌ مُنفِّر ذو تعابير عدوانية. كائنٌ هجين، مُغرم بالقتل المتسلسل والدم. الجنس وسيلته لتحقيق شهوات إجرامية. لا تبريرات مباشرة لدوافعه وأفعاله، ولعلّها العلاقة بالأب في الصغر والكبر، أو هذا المعدن الصلب المقاوم للحرارة (التيتان)، المغروز في رأس المرأة منذ طفولتها، بعد عملية جراحية. حين تضعها الظروف في طريق رجل إطفاء غريب (فانسان لاندون)، يتلمّس الأخير فيها ابنه المفقود. عبره، تتعرّف على مشاعر جديدة، وعواطف لم تحسّ بها من قبل. يُعيد إليها شيئاً من إنسانيتها المعدومة. في فيلمٍ يعجّ بمَشاهد دموية وقتل وخروج أعضاء، وبعنفٍ لا يُحتَمَل، تؤدّي الدعابةُ دوراً أيضاً.


هذه إحدى مفردات تشترك بها أفلام عدّة: عنفٌ تغلّفه روح دعابة. فمع مشاهد أعضاء مبتورة ومتطايرة، ودماء غزيرة ونافرة، وأجساد مُشوّهة ومُقطّعة، يبقى للكوميديا مكان. في فيلمٍ أقلّ مأسوية ظاهرياً ـ لكنّه، كـ”تيتان”، يستند إلى شخصية مضطربة عقلياً، وإنْ لم تتفرّد بالبطولة، تبقى الأكثر حضوراً وتأثيراً ـ يتجسّد العنف في أعلى درجاته: “برتقال مُدمّى” (2021)، الفيلم الثاني لجان كريستوف مُريس، الذي لا يوفّر أحداً. إنّه الفيلم “الشرير”، الذي “هزّ” مهرجان “كانّ” 2021، ومُنع مَن هم أقلّ من 12 عاماً من مشاهدته، وهذا نادرٌ بالنسبة إلى فيلمٍ فكاهي في فرنسا.


3 حكايات في ليلةٍ واحدة: زوجان متقاعدان ومثقلان بالديون، يحاولان الفوز في مسابقة رقص على موسيقى الـ”روك”؛ وزير اقتصاد (فرنسي)، يسعى إلى تبرئة نفسه من إشاعة التهرّب الضريبي (المخرج اختار ممثلاً يُشبه وزيراً فرنسياً مشهوراً)؛ ومثليّ الجنس، يُلاحق مُراهقةً شابة لاغتصابها. تمزج الحبكةُ العنفَ بالخيال الجامح، والضحك بالرعب، والحب بالوحشية، مُقدّمةً كوميديا مُروِّعة ومتشائمة عن مجتمع يقف على شفير الهاوية. أفراده يستدينون مالاً، من دون قدرةٍ على تسديد الدين، ويتهرّب سياسيّوه من المسؤولية والضريبة، وتنبح شخصياتٌ لفظها، مُعبرةً عن مشاعر بغض وكراهية، عبر ميول جنسية مرضية.


نقدٌ لاذع للمجتمع الفرنسي: ماذا سيحصل، عندما يُدفع زوجان عجوزان إلى الاستهلاك فاليأس؟ كيف تتصرّف فتاة، حين تقرّر معاقبة مغتصبها، وجعله يدفع الثمن؟ وكيف يعمل وزيرٌ، ينكشف أمره ويُهان؟ نظرة جديدة على المجتمع، مُغمّسة بـ”الحموضة”، كما يليق بها أن توصف.


الشخصيات الهامشية، والكائنات البائسة والمسكونة بالعنف، التي تقوم عليها هذه الأفلام، موجودة أيضاً في “هذه الموسيقى لا تُعزَف لأحد” (2021)، لصمويل بنشَتْريت، المعروض في مهرجان “كانّ” 2021 (“كانّ” للعروض الأولى). كائنات منعزلة في مدينة ساحلية صغيرة، ومحبوسة في نفسها وفي العنف اليومي والقتل السهل، لكنّ حياتها تتغيّر كلّياً بفعل المسرح والشعر والفن؛ وبفضل الحبّ تتحوّل رؤاها. مصائر متقاطعة لمصفّفة شعر (فانيسا بارادي)، لا يتوقّف تلعثمها إلاّ حين تمثّل في فرقة هواة مسرحية، عن سارتر وسيمون دو بوفوار؛ ورئيس عصابة يُغرم فيها، هو المعتاد على حلّ الأمور والمشاكل بالعنف والضرب والتهجّم، مع أفراد هامشيين خاضعين له، وبات الآن مستعداً لنظم الشعر، للفت انتباهها. لكنّه ليس الوحيد في العصابة الذي يسعى إلى هذا الهدف.


 




 


تحوّلات الأفراد تُثير الضحك في تعبيرها عن غرابة العالم وعنفه. وهذا بأسلوبٍ عبثيّ ساخر، حيث الوصول إلى الحبّ يتمّ عبر تصفية الآخرين، والعنف وسيلة معتادة للشخصيات الهامشية في المجتمع لحلّ مشاكلها. يفاجئ بنشَتْريت بفيلمٍ جميلٍ وشديد الإمتاع، مع ممثّلين أتقنوا أدوارهم بشكلٍ رائع.


الحبّ والموت، أيضاً، وسيلة للخلاص من عالمٍ معاصر قميء، رسمه ألبِر دوبونْتل في “وداعاً أيها الحمقى” (2020)، أي هؤلاء الذي يدّعون الفهم، ويسيطرون على العالم بشرورهم، الواعية وغير الواعية، ويزيحون من أمامهم من يخالفهم الرأي بقسوةٍ وعنف. قصّة تلتقي فيها 3 شخصيات باتت مهمّشة، لاصطدامها بالخطاب السائد والأحكام المسبقة، ما يدفعها إلى اعتماد وسائل خاصة بها للحصول على حقوقها. عنف هؤلاء ليس جسدياً، بل ذاك الذي يُجابه به الناس المخذولون هؤلاء الذين خذلوهم. الفيلم يقوم على السخرية المرّة والكوميديا السوداء، وهذا ما تبرع به السينما الفرنسية.


أفلامٌ خادشة، بل صادمة، تشترك في مواضيع تعرّي الواقع، وتنتقد مجتمعاً معاصراً يجرّد الإنسان من إنسانيته، ويحوّله إلى كائن مهمَّشٍ ومعزول وعنيف. يجسّده ممثّلون على مستوى عال من جودة الأداء، وتتابعه كاميرا حيوية، ترصد أدقّ انفعالاته. أفلامٌ تعتمد لغةً بصرية خاصة، تساهم في صبغ الأجواء بمسحة من غرابة وكآبة، فتفضّل “نور” العتمة على ضوء النهار، والأمكنة المحصورة المغلقة على المدى الفسيح، واللون الأصفر الداكن (“وداعاً أيها الحمقى” و”تيتان”) والأزرق البارد (هذه الموسيقى لا تُعزَف لأحد) على اللون الطبيعي.


لكنْ، إن كانت هذه القصص مأسوية، فالنغمة الساخرة الهزلية تطغى عليها (باستثناء “تيتان”)، وتثير الضحك من دون أنْ يعني هذا أنّها لا تُلحق أذى نفسياً بمشاهديها، حين يخرجون من صالات عرضها، مع محاولتها بثّ أملٍ طفيف للخروج من العزلة الإنسانية الموحشة، مُجسّداً بالحبّ، الذي ينمو تدريجياً في قلوب الأبطال، رغم عالمٍ يسرق إنسانيتهم. ومع هذا، هناك تشاؤم لا رادّ له، فالآفاق لا تنفرج إلاّ بعد خرابٍ وتصفيات.


لا يُمكن إغفال أفلامٍ أخرى، تهاجم المجتمع الفرنسي المعاصر، وفيها بعض مفردات الأفلام السابقة، كالسخرية والكوميديا السوداء والشخصيات المهمّشة، كـ”محو التاريخ” (2020) لغوستاف كيرفيرن وبنوا دولِبين. باستثناء فيلم دوبونتل، الذي حَظِي بجوائز عدّة، وشاهده نحو مليونيّ مُشاهدٍ، لم تجذب الأفلام الأخرى، حتى الفائز بينها بالسعفة الذهبية في “كانّ” (نحو 300 ألف مُشاهد)، الفرنسيين. لعلّ هذا عائدٌ إلى عنفها غير المُحتَمل، أو بُعدِها عن التقليدية، أو الظروف الحالية للسينما.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً