أفلام قصيرة في القدس: سخرية ومرارة ومواجهات مع الاحتلال

دورة ثانية لمهرجان سينمائي فلسطيني دولي، تُقام في القدس بين 12 و16 سبتمبر/ أيلول الحالي. “مهرجان إيليا للأفلام القصيرة”، المتنقّل بين 7 فضاءات مختلفة في المدينة التاريخية، يجتهد لتمكين الفيلم القصير من التواصل الثقافي ـ الفني بين مُشاهدين مهتمّين وصناعة سينمائية، لها حضور متين البنية في العالم، علمًا أنّ لهذا النوع السينمائي حضورًا عربيًا مهمًّا. انفتاح المهرجان على الغرب، في الدورة الثانية هذه، متواضع، فالأولوية، كما يبدو، معقودة على الأفلام القصيرة العربية حديثة الإنتاج. 
تتنوّع الأفلام المختارة في مقارباتها الدرامية لمواضيع راهنة، وبعض تلك المواضيع مهتمّ بذاتٍ فردية، وبما يشغلها من أسئلة وعلاقات وانفعالات. فلسطين حاضرةٌ بـ5 أفلام: “منطقة ج” لصلاح أبو نعمة و”هو وأنا” لإبراهيم حنضل و”الماسورة” لسامي زعرور و”المدن الغريبة المألوفة” لسعيد تاجي فاروقي و”المُراد” لمجد عيد. يميل معظمها إلى معاينة مرارة القهر الفرديّ، إنْ في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وعنفه اليومي (فيلما أبي نعمة وعيد تحديدًا)، وإنْ في تحدّي الموت والوحدة الناتجة من فقدان حبيبٍ (هو وأنا). للغربة ثقل إنساني ونفسيّ، فالبلد الأم محتلّ، ولمغادرته أسباب عديدة، لكن الارتباط به متين، رغم الآلام والتمزّقات (المدن الغريبة المألوفة).

هذه نماذج. مقارعة المحتلّ فعلٌ فلسطيني يومي، فالعائلة (الوالدان وابنهما الوحيد) تتعرّض يوميًا لاعتداءات مستوطنين غير قادرين على اقتلاعها من منزلها، فلأفرادها قدرة على ابتكار أشكال مختلفة للبقاء، رغم الخوف والقلق والارتباكات (منطقة ج). السجن قدرٌ، لكن لعبة المرايا السينمائية بين سجين وسجّان تكشف أوهامًا وتخيّلاتٍ، وتذهب إلى ما وراء الحدث بحدّ ذاته (الماسورة). أما فقدان الحبيب، فيُنتج رفضًا لواقعٍ متأتٍ من موتٍ، والوحدة قاتلة لكونها امتدادا لحِداد معطّل (هو وأنا). حرب غزّة تفصل بين أمٍ مريضة وابنتها الوحيدة، العاجزة عن إنقاذها في لحظة عنف إسرائيلي (المُراد).

أفلام عربيّة أخرى مُشاركة في الدورة الثانية هذه، بعضها أفلام طلبة تمتلك حيوية جمالية في سرد حكاياتٍ وتصوير مشاعر. للسخرية حيّز، فالفكاهة (وإنْ تكن سوداء أحيانًا) أداة تنقيب في خرابٍ لن يظهر واضحًا أمام الكاميرا، بقدر ما هو مبطّن ومخبّأ في مسارات وأقوال وتعبير. اللبنانيان مارك سلامة ورمزي الخوري منجذبان إلى هاتين السخرية والفكاهة. الأول يُنجز “طعمي السمكات”، وللثاني Happy Ending. أحوال البلد وهوسه بالإشاعات وفوضى علاقاته مبثوثة في نصّ متماسك، وبناء درامي مكثّف ومتكامل في سرد حكاية ناطور مصنع مُصاب بعطب النسيان (عصام بوخالد)، لكنّه سيكون أشبه بعدسة تُراقب وتتلصّص وتكشف بعض خراب البلد (طعمي السمكات). يوميات شابٍ مُقيم مع جدّته في مدينة غارقة في انقلاباتها وتحدّياتها، نواة درامية لنصّ مُضحك من دون افتعال، وساخر من دون تصنّع، وقاسٍ في نقده من دون قصدٍ مباشر (هابّي إندينغ).

شيءٌ من السخرية الممزوجة بمرارة الحرب الأهلية اللبنانية حاضرٌ في “قصف ذهبي” لباتريك الياس. التلاعب بالكلمة الأولى في العنوان (قفص/ قصف) انعكاس لمضمون، تجري وقائعه في ملجأ، ومع أناسٍ بعضهم يستعدّ لزواجٍ مُنتظر رغم الحرب وقسوتها وعنفها، وبعض آخر يُضطر لتلقّي العزاء برحيل أحدهم في الحيّز الضيّق نفسه هذا. في المقابل، هناك ما يشي ببعض الخيال العلمي، في “واصلين” لهادي أبو غزالة. لكنّه خيال علمي منبثق من وقائع العيش في بلدٍ مفكّك ومنهار ومحتاج إلى خلاصٍ أكيد. اللحظة الراهنة تكشف انتظار شابين وصول كائنات “معيّنة” من الفضاء لاستلام صُور منهما، وتعبير “ناطرين النيزك”، المتداولة بكثافة على “فيسبوك”، يتحوّل إلى جزء أساسيّ من الحكاية. هنا أيضًا تظهر سخرية مريرة في ثنايا النصّ المشغول بحِرفيةٍ، تقول إنّ للطالب أبو غزالة عينًا سينمائية مهمّة.

أما اللبناني كارلوس شاهين، فيستعيد – في “ابن القمرجي” (القمرجي باللبنانية تعني المدمن على لعب القمار) – حقبة قديمة من التاريخ اللبناني، كي يُرمِّم شيئًا من علاقة الراوي بذاكرته العائلية، فالوالد لاعب قمار، وهذا فعلٌ مُسيء للعائلة، والراوي يتذكّر طفولة وصدامات ومخاوف، وفي شبابه يحاول فهم الحاصل سابقًا، والتصالح معه. 

من تونس، هناك “إخوان” لمريم جبّور و”الهدية” للطيفة دوغري و”بطيخ الشيخ” لكوثر بن هنيّة. الأول موغل في واقع تشهده تونس منذ اندلاع الحرب الأسديّة ضد شعبٍ وبلد واجتماع وتاريخ. الابن البكر يلتحق بتنظيم أصوليّ، ويعود مع زوجة حامل إلى منزل العائلة، لكن الأب رافض والأم تحنّ والشقيق الصغير مشتاق إلى أخيه. صدام خفي وشبه صامت، وارتباكات وهزّات متلاحقة، تنتهي في لحظة قاسية تكشف تنبّه الأب إلى كونه أبًا لابنٍ تائه. في الثاني، علاقات زوجية وعاطفية، في بيئة يتداخل فيها تزمّت اجتماعي ـ ديني بقمع بوليسي، وتنجلي مشاعر الحبّ النسائي قبل صدمة التعنّت الذكوريّ. أما الثالث، فيتوغّل في أحوال النفاق والخديعة التي يُمارسها إمام مسجد ومساعده، فالمُساعد طامعٌ بمنصب الأول، واحتيال أحدهم عليهما لحظة تحوّل لتفعيل الصدام الخفي بينهما. يريد أحدهم إقامة مراسم الدفن لقريبٍ، والتابوت داخل الجامع، لكن مأزقًا يحدث عندما يكتشف الإمام ما يحتويه التابوت.

3 أفلام مصرية ترسم معالم اشتغالاتٍ متفاوتة الأهمية، لكنها تتشارك همومًا سينمائية في قراءة وقائع ومسائل عديدة: “ونس” لأحمد نادر و”شوكة وسكينة” لآدم عبد الغفار و”ما تعلاش عن الحاجب” لتامر عشري. في الأول، تبدو العجوز رافضةً غياب الزوج، فتُكمل حياتها كأنه معها في لحظات كثيرة من يومياتهما. حب وصدام ومرض وشيخوخة ورغبات وأفعال عادية، أمور تعيشها العجوز بين جدران منزلها، لكنّ هناك ما يشي بخداع سينمائيّ مبطّن يُمتِّن النص الدرامي ويدفع الفرد إلى أعماق الوحدة والقلق والخوف. في الثاني، نقاش بين رجل وامرأة عن الزواج والحب والجنس والعلاقات العاطفية وذكريات ماضٍ وتفاصيل خاصة وحميمة، قبل تبيان حقيقة الرابط بينهما. في الثالث، مقاربة حسّاسة لمسألة النقاب بين شابتين تلتقيان في مجمّع تجاريّ، وتكشف كلّ واحدة منهما بعض رغباتها وانفعالاتها وشعورها إزاء النقاب، ومستلزماته الاجتماعية والدينية والأخلاقية والحياتية.

هذه أمثلة. الدورة الثانية لـ”مهرجان إيليا للأفلام القصيرة”، الذي تُنظّمه المبادرة الشبابية “صار عنّا سينما” بدعم من مؤسّسة عبد المحسن القطان، تختار أفلامًا اخرى عديدة، في محاولة جادّة لتواصل ثقافي وفني، عبر سينما تزداد أهمية وجذبًا لاشتغالات مختلفة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *