ألمانيا تطوي عهد أنجيلا ميركل… وتحديات كبيرة أمام خليفتها

ينتخب البرلمان الألماني (البوندستاغ)، اليوم الأربعاء، الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتز، مستشاراً لألمانيا، بعد 5860 يوماً من حكم المستشارة أنجيلا ميركل، وحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، لتطوي ألمانيا صفحة ميركل التي تُعتبر أشهر سيدة سياسية في العالم.


وتبقى ميركل (67 عاماً) بعد أربع ولايات، و16 عاماً في الحكم، إحدى الشخصيات المفضّلة لدى الألمان، وتتمتع بشعبية هائلة، وأظهر تحقيق أجراه معهد بيو أخيراً أنها تحظى بـ72 في المائة من الثقة على الساحة الدولية، على الرغم من التباينات التي حصلت في حكمها لا سيما بعد فتح أبواب ألمانيا للاجئين عام 2015، والانتقادات لها بغياب الطموح في مجالي مكافحة التغيّر المناخي وإضفاء الحداثة على ألمانيا.


تبقى ميركل بعد أربع ولايات، و16 عاماً في الحكم، إحدى الشخصيات المفضّلة لدى الألمان


وبينما لا تزال شعبية ميركل مرتفعة، وهي التي ودّعت الحياة السياسية في احتفال أقامته لها القوات المسلحة الألمانية الخميس الماضي، داعية الألمان إلى التفاؤل بالمستقبل، يبقى الاختبار حول ما إذا كانت “الميركلية” ستبقى نهج حكم كضمانة لألمانيا ورافعة لقوتها العالمية، على الرغم من المآخذ عليها.


استمرارية واستقرار مع ائتلاف إشارات المرور


ولولا تحديات ملحّة برزت خصوصاً خلال الأشهر الأخيرة الماضية، على صعيد السياسة الخارجية، وفي الساحة الأوروبية خصوصاً، لأمكن القول إن الاستمرارية والاستقرار قد تكون من أبرز سمات الانتقال الجديد في ألمانيا، إذ يصعب مع حكومة “إشارات المرور” الجديدة، أي ائتلاف الاشتراكيين والخضر والليبرالي الحر، الحديث عن تغييرات جذرية قد تطرأ على سياسة هذا البلد. وبين يمين الوسط الذي كانت تمثله ميركل، ويسار الوسط الذي سيحكم ألمانيا، تبدو الهوية الأيديولوجية للوهلة الأولى، مسألة هامشية، لم تكن المحرك الأساسي لتصويت الناخبين، في انتخابات سبتمبر/أيلول الماضي، حيث لعب العامل الشخصي، دوراً، في توجهات المقترعين، الذين اختاروا شولتز، المجرّب في حكومة ميركل، على أرمين لاشيت، مرشح حزب ميركل، الفاقد لكاريزمتها.




وبعدما كان تغليب التسويات على الرؤية، السمة التي طبعت عهد ميركل، منذ أن خلفت غيرهارد شرودر، وأدارت من خلال هذا النهج عدداً من الأزمات الكبرى التي واجهت عهدها، في الداخل الألماني والأوروبي، ومع الحلفاء والخصوم، يقف شولتز، الذي يمثل الجناح اليميني في حزبه، أمام مفترق إكمال هذا النهج، أو إعادة حزبه العريق، بعد سنوات طويلة تراجع فيها دوره، إلى موقع قيادي ومتمايز، من دون الخروج عن ثوابت أصبحت متجذرة في السياسة الألمانية، ومنها الإيمان العميق بالهوية الأوروبية، وتفضيل المقاربة الجيواقتصادية، على الجيوسياسية.


تحديات قديمة – جديدة


وإذا كانت ميركل قد نجحت في إدارة أزمات متلاحقة امتحنت عهدها، من الانكماش الاقتصادي وأزمة اليونان المالية، إلى موجات الهجرة غير النظامية المتواصلة في أوروبا، إلى وباء كورونا الذي فضح التراجع الأوروبي على الصعيد العلمي، وحيت كانت العولمة والرأسماليات الكبرى، أولى ضحايا الوباء، لا يبدو ما ينتظر شولتز، أقلّ سخونة، إذ ينطلق عهده بأزمة أوكرانيا المتجددة، ويلوح في الأفق احتمال غزو روسي لهذا البلد، الذي يشكل فالقاً مهماً للصراعات التي لا تزال تخيّم على العلاقة بين أوروبا الشرقية والغربية.


وإذا كانت أوروبا الشرقية تعتبر الامتداد الحيوي لألمانيا، يستعد شولتز أيضاً لإدارة معارك النزعات السيادية، لبعض دول المنطقة، وعلى رأسها بولندا. أما غرباً، فسينتظر المستشار الألماني الجديد مصير الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في إبريل/نيسان المقبل، لمعرفة ما إذا كان سيمضي قدماً في الشراكة القوية بين باريس وبرلين، كما كانت في عهد ميركل وإيمانويل ماكرون.


تباينات الأحزاب الجديدة الحاكمة


وحمل البرنامج الحكومي لائتلاف “إشارات المرور” الكثير من الأفكار العامة، التي لم تجرِ بلورتها، لكن التباينات التي تميز الأحزاب الثلاثة الجديدة الحاكمة، عن بعضها، تسمح قليلاً، بفهم طبيعة التوجه الذي ستتخذه ألمانيا خلال السنوات المقبلة. وأكدت الأحزاب الثلاثة، التي ستسعى إلى الوصول إلى تسويات في مواضيع خلافية، مثل البيئة وزيادة الضرائب على الأغنياء، ومسألة التقاعد، على عناوين عامة، مثل أهمية الحرية والعدالة والاستدامة، واتفقت على ضرورة تحضير ألمانيا للمستقبل عبر الاستثمار في البنية التحتية، فضلاً عن تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، والترويج لمجتمع أكثر شمولاً.


وتبدو التغييرات الأساسية التي يسعى إليها شولتز، منصبة على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي الداخلي، ويعتبر أنها مسألة أدت إلى خسارة حزبه في 2005، وصعود ميركل لـ16 عاماً، مع مواصلة إدارة فترة ما بعد كورونا واستعادة انتعاش الاقتصاد الألماني.


سيكون للموقف “الصقوري” الذي يتخذه حزب الخضر من روسيا والصين، تأثيره على السياسة الخارجية الألمانية الجديدة


ويرغب شولتز برفع الضرائب على الأغنياء، واعتماد سياسات قريبة من العمّال، وهو أمر لا يحبذه الليبرالي الحرّ، القريب من عالم الأعمال، والذي يفضل مقاربة صديقة للسوق الحرة. ويريد الخضر، بعدما أخفقت ميركل في وعودها “البيئية”، أن يدخل مشروع الانتقال في استخدام الطاقة، أخيراً، حيّز التنظيم، وبقاء ألمانيا ضمن سياسة تقليص طموحاتها النووية، واعتماد الطاقة المستدامة. كما تعتبر مسألة الاستدانة، من النقاط التي تحتاج إلى تسوية بين الثلاثي الحاكم.


ائتلاف شولتز… أوروبي بامتياز


أما على الصعيد الخارجي، فتبدو استقلالية القرار الأوروبي، والأمن المشترك، الأولى على أجندة شولتز طويلة الأمد، حيث لا تزال ألمانيا غير متحمسة كثيراً لفكرة “الناتو” الأوروبي، التي تطرحها فرنسا ـ ماكرون، وحيث لا يزال الألمان بأغلبيتهم، مؤمنين بأهمية حلف شمال الأطلسي، الذي اعتبرته باريس في حالة “موت سريري”، وبضرورة بقاء القوات الأميركية على أراضيهم. فضلاً عن أن الخضر والاشتراكيين الديمقراطيين، حزبان يرفضان تبدية القوة العسكرية، وكل ما يرتبط باستعراضها.


لكن الحماس الألماني للوحدة الأوروبية، الذي ميّز عهد ميركل، لن يقل في العهد الجديد، حيث يعتبر شولتز أوروبياً بامتياز، وكذلك شركاؤه في التحالف، ومن المتوقع أن يعمل المستشار الجديد، على تسريع ديناميات الاندماج الأوروبي، لكبح جماح “التيارات السيادية” وصعود الحركات اليمينية المتطرفة في المنطقة خصوصاً. كما يتوقع أن يحافظ على دور أكبر للانخراط الألماني الدبلوماسي في أزمات العالم، برز خصوصاً خلال السنوات الأخيرة من عهد ميركل.


وسيكون من دون شك، للموقف “الصقوري” الذي يتخذه حزب الخضر من روسيا والصين، تأثيره على السياسة الخارجية الألمانية الجديدة، بعدما حافظت ميركل مع هذين البلدين على علاقة متوازنة مبنية على البراغماتية، اضطرتها إلى الاختلاف مع واشنطن.


أكد الشركاء في الحكومة الألمانية الجديدة، أهمية الشراكة العابرة للأطلسي، ومع الولايات المتحدة


ولا يعرف مصير مشروع “السيل الشمالي 2” لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا وأوروبا، في عهد شولتز، حيث يعتبره الخضر “مشروع ابتزاز” روسي، فيما يشكك الليبراليون به لأسباب تتعلق بالسياسة الخارجية والمردود المالي منه، ما قد يساعد موسكو على زيادة التسلح، بينما يتخذ الاشتراكي الديمقراطي موقفاً منفتحاً من المشروع، لاسيما أنه كان شريكاً لحكومة ميركل. من جهة أخرى، أكد الائتلاف الجديد أن اتفاقية الاستثمارات بين أوروبا والصين، سيكون من الصعب المصادقة عليها قريباً.


وأكد الشركاء في الحكومة الألمانية الجديدة، أهمية الشراكة العابرة للأطلسي، ومع الولايات المتحدة، واعتبروها “الركيزة الأساسية لتحركات ألمانيا الدولية”. لكن ذلك لا يبدد تراجع الثقة المتواصل في الشريك الأميركي، منذ عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، والخشية من أن يصبح ذلك الصفة التي تطبع العلاقات الأميركية ـ الأوروبية، لا سيما أن عهد جو بايدن، لم يكن مشجعاً، إن كان في الانسحاب الأميركي المتهور من أفغانستان، حيث كانت ألمانيا شريكاً في التحالف العسكري، أو في الصفعة التي وجّهها بايدن إلى فرنسا، في أزمة صفقة الغواصات مع أستراليا.


وفي هذا الخصوص، يفترض أن تنكب الحكومة الجديدة على لعب دورها في صياغة سياسة واضحة تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ، نظراً لدور أوروبا (بقيادة ألمانية ـ فرنسية)، لأن تكون “الصوت الثالث” في الصراع الصيني ـ الأميركي.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً