"أم طيبة": كاميرا تهتزّ وشخصيات تُثرثر

 


بعد عامين فقط على إنجازها “تستحقين حبّاً” (2019)، فيلمها الروائي الطويل الأول، تعاود الرغبةُ في الإخراج الفرنسيةَ حفصيّة حرزي، الممثلة التي اكتشفها عبد اللطيف كشيش، ومنحها بطولة “كُسكُسي بالسمك” (2007)، فتُخرج للمرّة الثانية فيلماً روائياً طويلاً، بعنوان “أمّ طيّبة” (2021).


الفيلم ـ المعروض في “نظرة ما”، في الدورة الـ74 (6 ـ 17 يوليو/ تموز 2012) لمهرجان “كانّ” السينمائي ـ لا يُقدّم جديداً. حرزي تنتقل من فيلمٍ أولٍ، عنها ولها، إلى فيلمٍ ثانٍ عن أمّها. عُرفت كممثلةٍ، تستغرق في أدوارها، وتبرع فيها. جذّابة بِشِبْهِ ابتسامةٍ تكاد لا تفارقها في أحوالها كلّها. كذلك، هي نموذجٌ مثاليّ، مُحبّبٌ ومرغوبٌ فيه فرنسياً، لامرأة ذات أصل تونسي، تمثّلُ جيلاً نسويّاً مُتحرّراً، خرج من الضواحي الفرنسية، وانطلق بحريةٍ وجرأة وتصميم، لإثبات نفسه بعيداً عن التقاليد العائلية، والأعراف المجتمعية، المتمثّلة خصوصاً في إخضاع النساء.


لكنّ هذا كلّه شيءٌ، والإخراج شيءٌ آخر. فيلمها الأول متواضع، شكلاً ومضموناً. إنّه، حقيقة، مَشَاهد متتابعة. كأنّه اسكتشات في 100 دقيقة، عن شابة (تؤدّي حرزي الدور) تعيش معاناة هجران الحبيب، وتحتلّ الشاشة بأنوثتها وتجاربها العاطفية، وتلفُّ ـ ويلفُّ معها الفيلم ـ في حلقة مفرغة ومملّة.


في “أمّ طيبة”، لم تتخلّص شكلاً من لقطاتها المقرّبة لوجوه الشخصيات، ومن كاميرا تهتزّ بلا داع، وشخصيات تثرثر بلا معنى. لكنّها، في المضمون، تخلّصت من ذاتية ضيقة، وانفتحت على شخصياتٍ أخرى، ورسمت لوحة لأمّ شجاعة، هي التي فقدت والدها، ونشأت وحيدة مع أمّ، كانت عاملة تنظيفات. وهي التي تُكنّ إعجاباً كبيراً لامرأة، كانت تستيقظ في الصباح، وتعدّ كلّ شيء لأطفالها، قبل ذهابها إلى العمل.


“أمّ طيبة” يشيد بهؤلاء النساء، اللواتي كرّسن حياتهنّ للآخرين. تكريمٌ للّواتي ينسين أنفسهنّ تماماً من أجل أولادهن. يسرد يوميات نورا (حليمة بن حامد)، ويتابع حياتها مع عائلتها في فترة انتظار محاكمة الابن الأكبر المسجون جوّاد ( جوّاد حناشي حرزي). لا خيارات عديدة في حياة نورا، بين عيشها في شقّة ضيّقة، في حيّ صعب من ضواحي مرسيليا، وعملها في شركة طيران صغيرة كمنظّفة للطائرات.


يُبرز الفيلم، على نحو نمطي قُدِّم سابقاً في أفلامٍ كثيرة، أسلوب عيش هذه العائلة ذات الأصول المهاجرة. أم مجاهدة، وأبناء ذكور كسالى أو جانحين، وفتيات فارغات. هذا لا يمنع أنّ معالجة جديدة للموضوع يمكنها جعله جذّاباً وذا قيمة، لا سيما أنّ حفصيّة حرزي خرّيجة هذه الأحياء، التي عاشت فيها، وعاينت شخصياتها عن كثب. لكنّها، وإنْ نجحت في تناول شخصية الأم العربية المهاجرة، وفي إظهار ملامح ذكية تميّزها عن الشخصيات الأخرى، فهذا بقي مجرّد أفكار مطروحة، لأنّها لم تُضفْ ما يُجدّد فكرة مُستهلكة، أو يوفّر أفكاراً جديدة.، ولم يُصبح فيلماً.


 




 


“أم طيّبة” فيلم متواضع عن أناسٍ عاديين، اعتمد في معالجته على وجهة نظر أنثوية أساساً، والرجال إما “تنابل”، كالابن الأصغر، الذي لا يملك أدنى شعور بالمسؤولية، أو جانحين غائبين في السجن، كالابن الأكبر. حواراته مرتجلة، لا تعدو كونها ثرثرة لتعبئة فراغ سيناريو هزيل. هذه ربما محاولة للاقتراب من واقع أهل الضواحي، لكنّ الواقعيةَ نمطيةٌ ومُكرّرة، ولا تضيف شيئاً. كان الأجدى الاكتفاء بالصمت في مواقف كثيرة، لا سيما أنّ الشخصيةَ الرئيسية حالمةٌ بطبعها. وحين يكون هناك حوار، فلترداد: “سافا؟ سافا الحمد لله”، في أحاديث الأمّ، أو للصياح بشكلٍ سوقي في حوارات الابنة الكبرى المُطلّقة صباح (صابرينا بن حامد) مع رفيقاتها، أو لتعليقات الابن الشاب أثناء ألعاب الكمبيوتر. كما جاء سرد اليوميات مُكرّراً، بين عمل في البيت وخارجه، وبين لحظات متعة محدودة لنورا مع الحفيدة والزملاء.


عائلة نمطية من أصول مغاربية، تسكن الضواحي في شمال مرسيليا. لكنْ، ما أنقذ الفيلم ولو قليلاً كامنٌ في شخصية الأم، التي نجحت حرزي في رسمها، وكان من الأفضل لو أبقت التركيز عليها، وتناولتها بعمقٍ أكبر، بينما أضاعت الخيط مثلاً مع مغامرات صباح، التي كادت تتحوّل إلى مومس، في سعيها إلى الحصول سريعاً على المال، إذْ تناولتها في معالجة مُطوّلة ومملّة ومليئة بالصياح، بلغة أبناء الضواحي وأسلوبهم. الجميع يثرثرون في الوقت نفسه، فتختلط العبارات في أصوات متقاطعة عالية. وما يزيد الإحساس بضجيجها، التصاق العدسة بالوجوه بشكلٍ مُزعج.


حملت شخصية نورا عبء الفيلم على كاهلها، ولم ينجح كلّ من حولها في أن يكون له دور مؤثّر، أو ربما لم تنجح المخرجة في إعطائهم أهمية، وجَعل المُشاهد يتعاطف معهم ويهتمّ بأمرهم، فبقي تماماً على الحياد تجاههم. جسّدت نورا ممثلةً غير محترفة، ذات حضور جميل أنيس، يثير تعاطفاً معها كأمّ شجاعة في مواجهة أبناء غير شجعان، ومستعدة لكلّ التضحيات لإنقاذ عائلتها، حتى لو كان عليها إحضار المخدّرات إلى ابنها في السجن.


شخصية مشابهة للأم في “فاطيمة” (2015) لفيليب فوكون، الفائز بـ3 جوائز “سيزار” في النسخة الـ41 (26 فبراير/ شباط 2016)، والمعتمد على طزاجة ممثلين غير محترفين. كانت فاطيمة من الوسط نفسه، والصعوبات الاجتماعية نفسها، وقسوة اليومي نفسها، والرغبة نفسها في عمل الأفضل، بل المستحيل، لأبنائها. كما لها الحضور القوي نفسه على الشاشة. لكنْ، ليس الإتقان نفسه في صُنع الفيلم.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً