أنسي الحاج.. حيث يرتاح الشاعر

قصيدة النثر اليوم أمرٌ واقع في الثقافة العربية. باتت – منذ عقود – البوابة الرئيسية كي يكون أحدهم شاعراً عربيّاً في أيّامنا. ولكي تنتزع هذه المكانة فوق خريطة الثقافة العربية، خاضت قصيدة النثر “حربَ مواقع”، فقاتلت كلّ عدوانيّةٍ هاجمتها، وفكّكت كل مقاومة ضدّها – ثقافية واجتماعية، وربما سياسية – ولكنّها أيضاً وَجدت داعمين ورياحاً مواتية.


من العسير أن نتخيّل بلوغ هذا الموقع لولا طاقة داخلية ظهرت لدى مؤسّسيها ودُعاتِها؛ جيل مجلة “شعر”: يوسف الخال، وشوقي أبي شقرا، وأدونيس، وفؤاد رفقة، وآخرين. وكان مع هؤلاء أنسي الحاج، الذي تمرّ اليوم ذكرى رحيله السابعة. تتجلّى تلك الطاقة الأولى التي دفعت قصيدة النثر إلى صدارة المشهد الشعري في مقدّمة ديوان “لن” (1960) للحاج، والتي باتت تُعَدّ بياناً للشكل الشعريّ الجديد، وإن لم يعتمد كاتبُها هذا التوصيف، ولعلّه كان لا يحبّذه، لما فيه من نزعة وصائية.


يبقى أنّ نصَّه الافتتاحي ذاك قد استفاد من سحر البدايات، فحرّك الكثير من السواكن، وصاغ داخل إطار واحد الكثير من المتناثر في الأفكار والنقاشات والطموحات. ضخّت مقدّمة “لن” في دماء الشعر العربي تصوّرات ومفاهيم جديدة، ومنطقاً مختلفاً في مقاربة القصيدة وزاويا ملامستها. على مسافة عقود، تبدو تلك المقدّمة مثل حركةٍ دقيقة في لعبة الشطرنج؛ حركة خلخلتْ نظام السير العادي للأمور، ووضعت إشارات إلى الاتّجاه الذي تتغيّر فيه معادلات الفضاء الأدبي بلا رجعة.


ربّما طرِبَ قرّاء تلك الفترة لمقولات مثل “أوّل الواجبات التدمير”، أو لإعلان الشاعر أنّ شكل القصيدة الجديدة “انتفاضةٌ فنية ووجدانية معاً (..) فيزيقية وميتافيزيقة معاً”، أو لما يقوله وهو ينظر أبعد من ذلك: “لا نهرب من القوالب الجاهزة لنجهّز قوالب أخرى، ولا ننعى التصنيف الجامد لنقع بدورنا فيه”.


لحظةُ وعيٍ نادرة بتلك المناطق الوسطى بين الشعر والنثر


لكن مقدّمة أنسي الحاج تقترح ما هو أكثر؛ إنها لحظة انتباه أجناسي نادرٍ في ثقافتنا العربية. بعبارة أخرى، هي مساهمة – ولو عفويّة – في ما يسمّى نظرية الأجناس، أي ذلك الإطار النظريّ الذي ينشغل بالكيفيّة التي يتشكّل بها فضاءٌ مخصوص يتجانس فيه طيف واسع من النصوص، ولا يخفى أن هذا الإطار من حقول المعرفة شبْه المهجورة عربياً.


يدلّنا الحاج في مقدّمته على المعنى العميق لوجود الأجناس الأدبية؛ إنّها أشكالُ كتابةٍ ينبغي أن يرتاح فيها المؤلّف، وتساعده في التقاط غير المرئيّ في أعماقه وفي ما يحتكّ به من العالم. وها نحن نلمس وعياً صريحاً بهذا الدور في قوله: “كلّ مرادنا إعطاء قصيدة النثر ما تستحق: صفة النوع المستقلّ. فكما أن هناك رواية، وحكاية، وقصيدة وزنٍ تقليديّ، وقصيدة وزن حرّ، هناك قصيدة نثر”.


يتجاوز هذا القول ذلك الأفق المسطّح الذي يتلقى فيه المؤلف الأجناسَ التي يكتب ضمنها كمُسَلَّمات. وإنَّ نظرةً على سلّم زمنيّ كبير تُظهر أنّ الأجناس الأدبية مجرّد مخترعات؛ إنّها جهد بشري، تشكيلٌ متواصل من موادّ اللغة والكون. ولعلّ ثقافتنا العربية لم تبتلِ بشيء كابتلائها بذلك التقسيم الموروث الفضفاض بين شعر ونثر (هناك ابتلاء أكبر يظهر في العقود الأخيرة، يتمثّل في الاعتقاد بأنّ التصنيف الأجناسي انتهى مع الماضي). هناك منطقة وسطى، بل هناك مناطق وسطى.


لعلّ نص الحاج كان لحظةَ الوعي الأكثر تجلّياً وتوهّجاً بأنّه لا معنى لقولٍ مثل “الشعرُ شعرٌ والنثرُ نثرٌ”. حتّى المحاولة التوفيقية الإصلاحية التي جاء بها الجيل الشعري السابق (بدر شاكر السيّاب، نازك الملائكة، صلاح عبد الصبور…) لم تعُدْ تنتج المعنى، ولا يخفى أنها لم تقم على أسس تنظيريّة صلبة). لذلك، أصبح من الضروريّ ابتكارُ أفقٍ جديد يتيح تهجّي غموض الشكل في ذات الشاعر العميقة؛ شكلِ الكتابة باعتباره مسكَناً لتوليفة المشاعر والأفكار التي تُقيم في الكينونة.


تدفع اللحظة التأسيسيّة أنسي الحاج إلى التأكيد أنّ قصيدة النثر هي الأفق الأوسع للشاعر، ولكنّه يحبّ أن يتراجع، فلا عِلم له بالغيب. يقول: “في كل شاعر مخترعُ لغة. وقصيدة النثر هي اللغة الأخيرة في سلّم طموحه، لكنّها ليست باتّةً. سيظلّ يخترعها”. ولعلّه فعل ذلك بعد عقود، فاخترع الـ”خواتم”.


ضخّت مقدّمة “لن” تصوّرات جديدة في دماء الشعر العربي


هناك بُعدٌ آخر لمقدّمة الحاج، يمكن التقاطه إذا ابتعدنا بمسافةٍ عن قضايا الشعر. يشتغل نصُّه مثل محاولة إحاطة فكرية بشيء قيد التأسيس. قصيدة النثر في 1960 ليست سوى مشروع يحتاج إلى خطّةٍ أبعد من حماسة كُتّابه. ولذا، فقد كان للمقدّمة، أيضاً، بُعدٌ تنظيري – قائم على بناء منهجي – قليلٌ توفّره في الثقافة العربية.


يعود الحاج إلى ينابيع الشعر العربي. يفكّك الشكليّات التي انبنى عليها تعريفُ القصيدة من خلال الظاهريّ منها، وزناً وقافية، فيكتب: “لو رجعنا إلى الأوزان العربية التقليدية لوجدنا أنها وُضعت استناداً إلى قصائد كانت موجودة قبل الوصول إلى تقنين الأوزان المعروفة، فكان لكل شاعر عربي إيقاعاته الخاصة التي يكتب قصيدته على أساس منها”. ومن ثمّ ينطلق إلى حسم منطقي حين يضيف: “هل يمكن أن نُخرِج من النثر قصيدةً؟ أجل، فالنظم ليس هو الفرق الحقيقي بين النثر والشعر. لقد قدّمت جميع التراثات الحية شعراً عظيماً في النثر، ولا تزال. وما دام الشعر لا يُعرف بالوزن والقافية، فليس ما يمنع أن يتألّف من النثر شعرٌ، ومن شعر النثر قصيدة نثر”.


لم يقف أنسي الحاج عند نسف فرضيات تفنيد مشروعية قصيدة النثر، بل سيُقدِم على وضع محاولة تنظيريّة، مَتينةٍ إلى حدّ ما، فيحدّد بنوع من الترميق الأجناسي (Bricolage générique): “لتكون قصيدة النثر قصيدةَ نثر، أي قصيدةً حقّاً لا قطعة نثر فنّيّة أو محمّلة بالشعر، شروطٌ ثلاثة: الإيجاز (أو الاختصار) التوهّج، والمجّانية”. لكم تفتقد الثقافة العربية – ليس الشعر وحده – إلى هذا الأفق التنظيريّ الذي يُحيط بالأشياء فيقودها إلى نوع من الانتظام؟


انتظامٌ نحتاجُه في ما يسمّيه الحاج “زمنَ السرطان”. يقول: “نحن في زمن السرطان. هذا ما أقوله ويضحك الجميع. نحن في زمن السرطان: هنا، وفي الداخل. الفن إما إيجازي أو يموت. نحن في زمن السرطان: نثراً وشعراً وكل شيء. قصيدة النثر خليقة هذا الزمن، حليفته، ومصيره”.


إلى حدّ كبير، وفي ما عدا كتاباتٍ لأدونيس وفوزي كريم، يمكن القول بأن هناك توقّفاً عند النقطة التنظيرية نفسها التي بلغها الشاعر اللبناني في أوّل خطوات مشواره. أنسي الحاج نفسه توقّف عن هذا التوجّه، إلّا في بعض ما نلتقطه في خواتمه التي ستصدر في تسعينيات القرن الماضي، وقد كانت هي الأخرى محاولة اكتشاف أجناسيّ، دون أن ترافقها مقدّمة تنظيرية كما هو الحال مع قصيدة النثر في مجموعة “لن”.


ربما لم يذهب الحاج هذه المرة إلى التفكير النظري كي تبقى الـ”خواتم” جنساً خاصاً به؛ جنسَه. هكذا أخفاه – بلعبة ساحر – عن كل انتباه بحثيّ. إلى اليوم، تحافظ خلطته على أسرارها، إذ تبدو نوعاً من “ما بعد قصيدة النثر”. ففيها هذا الأفق الأوّل، وفيها شكلُها الشذري – مع تخليصه من ذاكرته النيتشوية والسيورانية – الموشّح بالكثير من المرجعيات الواقعية، حيث يتحدّث على سلّمٍ موسيقي واحد عن الدين والحبّ والسياسة. ولعلّها كانت نوعاً من المتابعة الصحافية التي تسكن خلف غشاء شعري.


لهذا اللعب، بالمادة وبالأشكال وبالممكنات، فتْنتُه وشعريّته التي تقع في بُعْدٍ آخر أعمق من النص المقروء. جديرٌ بنا أن ننتبه إلى هذه الشعرية التي تختفي خلف حجُبٍ من التجريب في اللغة، من ورائها تجريبٌ في التنظير وفي التفكير، أي في المادة الأكثر تجريداً من الكون. بذلك، لن يعود من الممكن أن نرى الشاعر في قصيدته وحدها، فهناك الكثير من الشعر في أشكال عبوره الأخرى في اللغة وفي العالم. الشعر والابتكار الأجناسي كلاهما – في النهاية – صياغةٌ لما هو متاحٌ من أجل خلق فضاء يرتاح فيه (وله) صانعُ الكلمة. يتردّد هنا صدى عبارة أنسي الحاج: “ومتى كان الشاعر يكتب شعراً؟”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً