"أوركا" للسويدية بورنَبوش: مشاعر "رقمية" في زمن كورونا

 


ابنٌ يتواصل مع والدته، وهي على فراش الموت في دارٍ للعجزة، عبر “الإنترنت”.


أبٌ يسأل ابنته، من خلال شاشة كومبيوتر، عن حالها، بعد ٢٨ عاماً من الفراق.


أمٌّ تهجر بيتها إلى الفندق، تستفسر من زوجها عن صحّة أطفالها عبر الهاتف المحمول.


ممثلٌ هاوٍ يتواصل مع حبيبته افتراضياً.


صوتُ مذيع يُعلن آخر مستجدات تفشّي وباء كورونا في العالم.


هذه بعض عيّنات من وشائج وصلات بشرية، تركتها المخرجة السويدية يوزفين بورنَبوش (1981)، في فيلمها الروائي الطويل الأول “أوركا” (2020). عيّنات تتفاعل فيما بينها “رقمياً”، وسط عزلة فردية، فرضها تفشّي وباء كورونا عليهم. أحد عشر شخصاً رئيسياً ظلّوا، طوال مدّة الفيلم (ساعة و32 دقيقة)، لصيقين بشاشات حواسيبهم الشخصية، يبوحون عبرها عن مشاعرهم واضطراب أحوالهم. هواجس الخوف من الوباء زاد من انسحاباتهم الداخلية، وجعلتهم يبدون ككائنات متوحّدة، مائلة إلى الانطواء والانعزال. وفي لحظة دخول مدينتهم استوكهولم “الإغلاق العام”، ظهروا أكثر اتّساقاً وتجاوباً مع شروطه.


قد يكون “أوركا (Orca)” من أوائل الأفلام الروائية عن كورونا في العالم. ميزانيته متأتية من دعمٍ مالي مُخصّص للثقافة في زمن الجائحة. في ثلاثة أسابيع، كتبت يوزفين بورنَبوش نصّه مع السيناريست جونار يَرفستاد، وطلبت من ممثليه أداء أدوارهم مباشرة عبر شاشات حواسيبهم، من دون تدريبات، ومن دون حضورٍ إلى أماكن التصوير أيضاً. كيَّفا نصّيهما ليتلاءما مع حصار كورونا، وكثّفا زمن أحداثه بيومين فقط. فيهما، تكشّفت أعراض “أمراض” عزلة بشرية، تتخطّى الانطواء السويدي إلى الكوني. التكنولوجيا الحديثة أقنعت العالم بصحّة التواصل “الرقمي”، وبتقليل الجسديّ الحميميّ السابق لظهورها.


في سلوك أبطال “أوركا”، يبدو التجاوب مع اشتراطاته عادياً. لكنه يتراجع سريعاً بسبب وطأة الأحداث، وكثرة الخسارات، وشدّة التمزّقات. هذا ما تريد يوزفين بورنَبوش معاينته، بعنوانٍ دال: “أوركا”، الحوت القاتل، من بين أكثر الأحياء على كوكب الأرض حميمية في عيشه. لا تترك الأم وليدها إلّا بعد حضانة طويلة الأجل.


حين يعجز الإنسان عن الارتقاء إلى مستوى أحياء بحرية، تتجلّى بسطوعٍ فجاجةُ عصر “الرقمنة”. لا تأخذ بورنَبوش الإحالة التوصيفية بكامل دلالاتها. تترك جزءاً منها يتسرّب عبر المعروض على شاشات الحواسيب، وأحياناً بتجاوز نصّها السينمائي حَرْفية الوقائع. هذا ينطبق على عزلة مدينة استوكهولم، التي ظلّت مفتوحة، ولم تدخل “الإغلاق العام” فعلياً.


 




 


المعلومات المتعلّقة بالحيتان تردُ على لسان صبية مراهقة، تختار العزلة في غرفتها، وتخاطب والدها عبر الحاسوب. الأب الطبّاخ، الخاسر وظيفته في زمن الجائحة، متوتّر لإحساسه بفقدانٍ آخر وأكبر ينتظره، بعد ترك زوجته (تؤدّي دورها المخرجة نفسها) المنزل والأطفال بحجّة العمل. أخوه الأكبر (يوهان ريبوري) يقرأ لوالدته (الممثلة البارعة ماريا يورانزون)، عبر وسيلة تواصل اجتماعي، مقاطع من نصوصٍ أدبية يكتبها بنفسه. الأم “المحتضرة”، التي تنتظر موتها، لا تهتمّ بمعانيها، قدر اهتمامها بإعادة تواصله مع أخيه الأصغر بعد طول انقطاع. تظلّ تردّد عبارة “اتّصل بأخيك”. أحفادها ينسون أمرها، فهم غارقون في عزلتهم “الكومبيوترية”، يُطْفئون خوفهم بانغماسٍ كلّي في “مواقع” إلكترونية و”ألعاب” تُلهي، لكنّها لن تزيل أسئلة وجودية “تُصيب” أعمارهم الصغيرة.


العلاقة الافتراضية بين الممثل الهاوي (غوستاف ليند) وصديقته الشابة “تُصَغِّر” الرؤية البؤرية لشريحة، يتجاوز سنّها هواجس اللحظة المرعبة.


تعرف يوزفين بورنَبوش، إحدى ألمع مخرجات الدراما التلفزيونية السويدية، كيف تجمع خيوط شخصياتها المبعثرة في نقطة درامية واحدة، قابلة للتوسّع. صاحبة المسلسل الدرامي الرائع “أحببني” (2019) تُدرك كيف تفتح بوابات جديدة، ومداخل تَقبّل تعميم الخاص فيها. “أوركا” لا يهمّه أمر كورونا كثيراً. ليس فيلماً عنه، قدر ما يتعكّز عليه لالتقاط زمنه الخاص، فزمن كورونا يكشف عيوباً وتجاوزات، وأطماعاً مادية، وأنانيات مجتاحة أفراداً ومجتمعات. زمن أَجبر البشرية على النظر إلى ذاتها، في أشدّ درجات ضعفها. شِدّته تُعيد علاقات معطّلة. أبٌ (أداء مذهل للممثل بيتر أندرسون) يترك ابنته قبل نحو ثلاثة عقود، إثر افتضاح خيانته الجنسية لزوجته. بعد سماع خبر حملها جنيناً، يطلبُ التواصل معها.


المشهد الإنساني في زمن كورونا ليس كلّه أسود. الرماديّ فيه كثيرٌ، والأبيض قليل. هكذا ترى يوزفين بورنَبوش زمن كورونا، وتقدّمه من دون مليودراميات حزينة، من خلال شاشات حواسيب تُديرها بمهارة. وجوه ممثلين يؤدّون أدواراً هي الأصعب في عالم التمثيل، تشغل مساحتها الأكبر. كلّ ممثل يقابل فراغاً ـ شاشة صمّاء. على قوّة تعبير وجوههم، ترتهن صدقية نَقل مشاعرهم وانفعالاتهم إلى المُشاهِد. على التوليف (سارة باتينت نيكاسترو) والموسيقى (سوفيا إيرسون)، يتوقّف مقدار تحقيق وحدته الداخلية.


يُمكن اعتبار “أوركا” السويدي نموذجاً للفيلم الآنيّ، المشغول بأبسط الأدوات التقنية. يعتمد أساساً على رؤية إخراجيةٍ، تتجاوز الحدث إلى عمقه، ويكتمل نسيجه بأداءٍ تمثيلي رائع، يُعوّض نواقص ظروفِ إنتاج سينمائيّ في زمن الوباء.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً