إزميل لا يحن مطلقاً على الرخام

ناجع هذا الألم

ناجع هذا الألم
ناجع ويكحّل الذكريات

غزلان تخبّ على أوراقك
لتقف بنظرتها الساهية عند كل نقطة
هل كنت يوماً شاعراً
أم شُرطيّ مرورٍ ينظّم حركة الغزلان على الورق
حاملاً شارة ضوئية
والغزلان تحفّ بجلد بعضها البعض في القطيع

ناجع هذا الألم
إزميل لا يحن مطلقاً على الرخام.

■ ■ ■

إلى ولدي الذي لن يأتي

نعم.. نحن من قرية صغيرة كمُدّ قمح
(لستُ من ضيعة كبيرة يا تمام كما كنتُ أدّعي)
ممطوطة كعلكة خضراء
بسيطة كصدر الإسلام
اسمها مخيف كمفرقها في الليل
“الضبعة”
تبكي عاصياً مهملاً يصنع الدوامات عند الانعطافات الشديدة
ويتناهى كدمعة خجولة.. كدرب تبانة مائي في ضيعٍ أخرى

لدينا مطار حربي يكسر الصوت فوقنا عشر مرات في اليوم
لنغني لإبراهيم هنانو وعبد الناصر لسبب لا نعرفه
ولعمي أبو وسيم ولمحمد فارس (الطيارين الوحيدين اللذين نعرفهما) كلما أقلعت طائرة

جدتي فاطمة صوتها مكسور/ هبط البرميل على شاهدة قبرها فكسر حنجرتها

جدي وصديقه أبو عبدو بقيا فيها بعد أن هرب النمل والجراد

“هناء “حبيبتي القديمة وعيناها الزرقاوان
(لو تزوجتهما منذ زمن بعيد لكانت عيناك زرقاوين الآن)

استشهد خالي ماهر
واستشهد عبد الرحمن ونجد ورضا وزياد وماتت أم حازم.. وفوزية في لبنان
احترقت ملابس “عمشة”
ماتت مادلين وطفلتها حنين وابنها مصطفى ..وبقي محمد مذهولاً لا يستطيع عدّهم
واستشهد من آل بكار والقيسي والحولاني وبوظان والعُمَر الكثير والكثير

ضربت ست سكاكين جسد صديق على قيد الحياة
ودُكّت مئذنة الجامع الذي لم يجمع تبرعات كثيرة في يوم ما للأسف
إذا كنت من الضبعة
إما أن تكون “أبو البطاطا” أو تكون الأول على صفك

والكثير الكثير من أبنائها البؤساء قد جمعوا المجد من طرفيه
مقدار ما حصدته في هذه الأرض 15 دونم قمح
كنت أغني في ليلة قمراء وأُمي زوجة الموظف “العايشة” بحمص
حصدتهم بكفيها لوحدها

كنت وخالي نقرض الشعر ونغنّي وندخن
وأُمي تحصد
ما زلت حتى هذه اللحظة يا أماه
بعد ثمانية أختام بين أركان الأرض الأربعة على جواز سفري
أدخن وأغني وتحصدين
أدخن وأغني …وتحصدين …وتحصدين ..وتحصدين.

■ ■ ■

فلنكتب بصدق
عن الجُحْرِ الذي كنَّا نَمْلَهُ

كنا نعيش جميعاً داخله
نحمل عشرة أضعاف وزننا
يُقتل الذكور بعد أن يتزاوجوا
أو بعد أن ترتخي عضلاتهم
وتملأ الإناث الجحر بالأطفال والجوع.

■ ■ ■

كم أُمّاً تجمع في الدقيقة؟

الأمُّ عُملةُ الحروب
اسأل القاتلَ: كم أمّاً تجمع في الدقيقة؛
تعلم نتيجة الحرب مسبقاً…

لو عاش كزانتزاكس في قريتي
لكتب عن الرمز الإلهي في شتلة البطاطا

كان طفلٌ رضيعٌ
من بين المسروقات
فَردوه مع المايكروويفات
لكنّ أحداً لم يشتره
الطفل الرضيع لا يُنضِجُ الطعامَ
ولا يُسخّنُ الأرُزّ
الطفل الرضيع حقدٌ في لَفلافةٍ بيضاء

يقول صديقي بصوت العدو:
“صرخنا في مكبرات الصوت
اخرجوا من بيوتكم لنقتلها
ولم يخرجوا!”
الدراما التافهة.. بهارات الحروب الأهلية.

بِعْ طفلك لتشتري بندقية
وتخسر الاثنين معاً.

غنى بافاروتي في الكولوسيوم
رغم المجالدين والدوتشي.

■ ■ ■

هذه الموهبة البذيئة

لا بد أنني مجنون حقاً
لست أشعرياً حقاً.. ولكنني لا أفهم وهم الحرية عند الباطنيين
وهم الحرية اللغوية الفارغة الذي ظنّ القرن العشرون أنه من أبدعها
ليضع كرزة على رأس كيركجارد ودوسوسير

لست شيوعياً حقاً
ولكنني لا أفهم كيف تعيش معي في هذه المدن الميتة
وتسعى لجمعية حماية المستهلك والمجمعات السكنية الراقية بعيداً عن بيوت الفقراء المتهالكة

لست ليبراليا حقاً
ولكنني لا أفهم كيف ترى أن دولة الوحدة العربية أهم من حقي في أن أمتلك صديقاً تركمانياً أصيلاً يساوي خمسة عشر موريتانيا شقيقاً لم أر أحدهم في حياتي

لست عروبياً حقاً
ولكنني لا أفهم كيف تخترع لغة بذيئة مثل اللغة العربيزية

لست شاعراً حقاً
ولكنني أعرف أن كتاب “حصار بيروت” لأدونيس ليس معجزة
وأن “الهيدبى والوخد والرجز” أبلغ وأجزل وأجمل وأكثر حضارة من كل هذا الشعر

لست مصرياً حقاً
ولكنني لا أفهم ألا تقدّر عبد الناصر وألا يذهلك قصر الملك فاروق أيضاً

لست فيمنستياً حقاً
ولكنني ضد تركيب شارب اصطناعي من شعر الحصان لمونيكا بيلوتشي

لست بارعاً إلى هذه الدرجة في الفلسفة
ولكنني أمسك فوكوياما من ياقته متلبساً بالتدليس

لست ناقداً أدبياً نحريراً
ولكنني قادر على مفاجأة الكاتب الذي أضاف كلمتين من أجل خاطر القافية ليزعجني فقط

لست شيئاً محدداً على الإطلاق وأعرف هذا تماماً
ولكنني أمتلك موهبة نقر رأس من يدعي أنه شيء ما.
وأخشى أن هذه الموهبة البذيئة قد تحوّلت إلى مهنة.

■ ■ ■

الحقد

حقد جيني
حقد يأتي مع البشرة والأذنين
والسرة
الحقد الذي يتركني على قيد الحياة في هذا العالم الخالي اليوم من حقد محترم
العالم التافه الذي لا يطعنك فيه أحدهم في حارة ضيقة
ولا يرفع أحدهم مسدسه في وجهك
إنه عالم ممل خالٍ من الحقد
تصور
لا حقد
ولا غيرة
ولا موت
ولا غرور
بعد أن أغلق الإغريق وفتاهم المدلل شكسبير الستارة

تصوّر
دون الأدب وعلم النفس والخزعبلات
قد يتعامل المرء مع أُمّه بشكل طبيعي
ومن دون تدخل فرويد الخبيث
تبقى العلاقة غامضة وغير مفهومة وجميلة مع أي كان

الغموض ملح الرغبة
تصوّر أن يفسّر أحدهم محبتك لصديقك
بمجرد شبهه بأخيك..
تصوّر أن يكون لحبيبتك شَعْر أُمّك
دون أن تدري

تصوّر
أن ترى في ممثل وسيم أباً تحاشيت كثيراً النظر في وجهه
تصوّر .. تصوّر ..تصوّر

عضّوا على الغموض بأسنانكم
لكيلا تبدو الحياة واضحة ومبتذلة إلى هذه الدرجة.

■ ■ ■

رضيع في المجزرة

أصابعه العشرون أقصر من الولاعة،
وبشرته أنعم من أجمل زوجة ديكتاتور،
طرية كألسنة البلابل
عشرون علامة موسيقية تجعل أنوف الآباء تغني.

■ ■ ■

الشهيد

نهاية مشرّفة لا نتمناها لعدونا.

* شاعر ومترجم وباحث سوري من مواليد حمص عام 1984ويقيم في ميلانو. حاصل على ليسانس في الأدب الإنكليزي، وماجستير في دراسات الشرق الأوسط من “كلية الاقتصاد والعلاقات الدولية” في ميلانو. ترجم خمسة عشر كتاباً عن الإنكليزية، من بينها: “هل يستطيع غير الأوروبي التفكير” لـ حميد دباشي (المتوسّط، 2015)، و”المينوتور العالمي” لـ يانيس فاروفاكيس، (المتوسّط، 2015)، وأعمال جورج أورويل الشعرية (المدى، 2019).




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *