إغلاق موانئ السودان: فزع في الأسواق وشح الغذاء والوقود

يدخل السودان منعطفاً خطيراً اقتصادياً ومعيشياً، بسبب استمرار إغلاق موانئ الشرق والتي أدت بدورها إلى تفاقم المشكلات التي تواجه المواطنين وتسببت لهم في حالة من الهلع بسبب شح الوقود والغذاء، ما دفعهم إلى الهرع لشراء كميات كبيرة من السلع بهدف تخزينها خوفاً من تدهور الأوضاع في ظل عجز الحكومة عن مواجهة أزمة إغلاقات الشرق.

ومع تسارع وتيرة الخلاف السائد بين مكونات شرق السودان والحكومة الانتقالية زادت مخاوف السودانيين من تدهور كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية، في وقت بدأت فيه أزمة السلع تشتعل بغياب كثير منها في الأسواق مع ارتفاع أسعارها.

وصاحبت حالة الفزع في الأسواق تصريحات حكومية تؤكد وجود أزمة حقيقية على خلفية الإغلاقات، إلا أنهم وعدوا بإيجاد مخرج وحلول لها.



تحذيرات حكومية

قالت الحكومة السودانية، أول من أمس، إن استمرار إغلاق الموانئ بواسطة محتجين في شرق البلاد سيلقي بأعباء ثقيلة على الموازنة العامة، وعلى موقف إمداد الوقود في الأيام المقبلة.

ومنذ السابع عشر من سبتمبر/ ايلول الماضي، أغلق محتجون موالون للمجلس الأعلى لنظارات البجا، وهو تحالف قبلي، الموانئ الرئيسة في السودان، على ساحل البحر الأحمر، للضغط على الحكومة المركزية لتنفيذ مطالب سياسية.

وتسبب الإغلاق في عودة صفوف الخبز والوقود، واعتبرت الحكومة في وقت سابق الإغلاق يرقى إلى أن يكون جريمة في حق ملايين المواطنين ويزيد من معاناة الشعب.




وأوضح وزير شؤون مجلس الوزراء خالد عمر يوسف، في بيان صحافي، أن إغلاق الموانئ تسبب في تراكمات تصاعدية لمديونيات البواخر الراسية في الميناء، عن كل يوم تأخير، إلى جانب تأثر كميات إمداد الوقود، على الرغم من الاستقرار الحالي في إمداد البنزين، مع تأثر الجازولين وانعدام الفيرنس.


وأشار الوزير السوداني إلى وجود كميات من القمح محجوزة في ميناء بورتسودان.

لكن وزارة التجارة والتموين كشفت عن تأثر حركة التجارة الداخلية والخارجية بإغلاق شرق السودان، وأن المخزون من السلع الاستراتيجية يكفي البلاد لمدة 40 يوماً.

وقالت الأمين العام للوزارة آمال صالح سعد، مؤخراً، إن حركة العقود التجارية قلّت بشكل كبير، بعد إغلاق ميناء بورتسودان.

من جانبه، قال رئيس اتحاد غرفة النقل بالبحر الأحمر السر حسن كرار، في تصريحات صحافية، إن الوضع مقلق جداً، لدينا 25 ألف طن من الفيرنس الخاص بالكهرباء موجودة في المستودعات في بورتسودان ويصعب نقلها بسبب وجود عربات مشحونة ومكدسة لم تتحرك.



تدافع السودانيين للتخزين

يتكرر يومياً مشهد تدافع سودانيين بشكل فوضوي في الأسواق بحثاً عن سلع أساسية بدأت تختفي، بسبب إغلاق موانئ شرق السودان. المواطن محمود هارون قال لـ”العربي الجديد” إن الوضع كارثي وربما ينذر بحدوث “مجاعة ” في حال لم تجد الحكومة حلولاً لمشكلة شرق السودان. ويضيف هارون: تضاعفت أسعار مختلف السلع في وقت تترنح فيه كافة الأسر بسبب تآكل دخلها وقفزات التضخم.

وأشار إلى أن الخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطنين مفقودة تماماً، والسودانيون اليوم في حيرة من أمرهم جراء هذا الإهمال والارتفاعات الكبيرة للسلع.

وحسب بيانات رسمية، تجاوز معدل التضخم في السودان 422 بالمائة في شهر يوليو الماضي، وفق بيانات رسمية، وسط استياء شعبي.




وسجل معدل التغير السنوي للتضخم ارتفاعاً إلى 412.75 بالمائة لشهر يونيو/ حزيران الماضي، مقارنة بمعدل 378.79 بالمائة لشهر مايو/ أيار 2021، أي بزيادة قدرها 33.96 نقطة.

وتعهدت الحكومة الانتقالية التي تشكلت في أغسطس/ آب 2019 بإصلاح الاقتصاد الذي تضرر بسبب عقود من العقوبات الأميركية وسوء الإدارة في ظل عهد الرئيس السابق عمر البشير. وفي الأشهر الأخيرة ألغى السودان دعم المحروقات وقام بتعويم منظم للجنيه للقضاء على السوق السوداء.



هلع في الأسواق

وفي إطار أزمة الإغلاقات، حذّر تجار تجزئة تحدثوا لـ”العربي الجديد” من مغبة حدوث فجوة في أصناف العديد من السلع الغذائية الاستهلاكية اليومية.

وقالوا إن استمرار إغلاق منافذ الواردات من السلع الغذائية الضرورية انعكس سلباً على نسبة توزيع السلع من قبل الشركات، عطفاً على إحجام عدد مقدر من تجار الجملة عن مد السوق ببعض السلع.

ويقول تاجر تجزئة محمد إسحاق، لـ”العربي الجديد”: هناك بوادر ندرة وفجوة في بعض أصناف السلع بالأسواق، مما انعكس سلباً على أسعارها، مضيفاً: هناك سلع بدأ بعض التجّار في تخزينها، كالسكر والزيوت والصابون.

وأوضح أن تلك الخطوة التي أقدم تجار جملة كبار على اتخاذها جاءت كخطوة احترازية بسبب إغلاق نوافذ الواردات والصادرات بعد تفاقم أزمة الشرق.

وتابع: كل المؤشرات تنذر بحدوث فجوة غذائية إن لم تسارع الدولة إلى فتح الموانئ والمعابر.

وتوقع إسحاق دخول السوق في سلسلة من المضاربات في الفترة المقبل من قبل ما سماهم بتجار الأزمات.

وقال: ما نخشاه أن تتحول الأسواق إلى فوضى جديدة تقضي على الأخضر واليابس، وبالتالي يدفع المواطن البسيط فاتورة تلك الصراعات السياسية.

وحسب بيانات رسمية، ما زالت الفجوة تتسع بين صادرات وواردات السودان رغم الجهود الحكومية لدعم الإنتاج بهدف تحسين وضعية الصادرات، إلا أنها لم تفلح في ذلك، حيث تصدر البلاد سبع سلع فقط من قائمة 99 سلعة مسجلة بوزارة التجارة والصناعة.

وبلغت واردات السودان، وفقاً للإحصاءات الرسمية، تسعة مليارات دولار، سنوياً، والصادرات 3 مليارات، وبالتالي تبلغ الفجوة 6 مليارات دولار.



نقص السلع الأساسية

وأشار مورد السكر في العاصمة السودانية الخرطوم محمد الصديق، لـ”العربي الجديد”، إلى ارتفاع كبير في سلعة السكر بسبب إغلاقات شرق السودان، لافتاً للأثر السالب لذلك على السلع المستوردة وخاصة السكر، ومبيناً أن سعر الجوال المستورد زنة 50 كيلوغراماً قفز من 14 إلى 20 ألف جنيه بالجملة و21 ألف جنيه بالتجزئة.




وتوقع ارتفاعه إلى 30 ألف جنيه حال استمرار تأخر الحكومة في حسم المشكلة مع محتجي الشرق، ما يتسبب في حرمان المواطنين من أهم السلع الاستراتيجية.

ومن جانبه، شكا المورد زاهر الصديق، في حديث لـ”العربي الجديد”، من تضرر قطاع الاستيراد الكبير من مشكلة الشرق، وانسحابها السالب على انسياب السلع والبضائع للأسواق، لافتاً إلى إضرارها بقطاع الصادر عبر الموانئ، ما يؤثر سلباً على خزينة الدولة، فضلاً عن تسببها مستقبلاً في ارتفاع تكلفة رسوم الأرضيات بعد إعادة فتح الشرق.



عجز حكومي

في سياق استمرار أزمة إغلاقات الشرق وعدم وجود حلول جذرية لها، يقول المحلل الاقتصادي أحمد خليل، لـ”العربي الجديد”، إن الحكومة لم تستطع تقدير الأمور بطريقة صحيحة، وهناك عدم مسؤولية وضعف المقدرة على حسم الأمور وإنجاز الأعمال في جميع الملفات، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الحالية.

ويؤكد خليل أن هناك حالة من الهلع بين المواطنين وفي الأسواق، في ظل صمت حكومي وعدم طمأنة الرأي العام، والفشل في التوصل إلى تفاهمات مع محتجي الشرق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بصورة جنونية، خاصة أنها أصلاً مرتفعة.

ولفت إلى أن الدقيق اختفى من الأسواق إلى جانب زيادة كبيرة في أسعار السلع الأساسية.

وطالب الحكومة بالإسراع في إيجاد حلول خلال هذا الأسبوع، وإلا فالقادم سيكون أسوأ بكثير من أزمة شرق السودان، بحسب خليل.


الوزير الأسبق بوزارة المالية عز الدين إبراهيم يقول لـ”العربي الجديد”: “أتوقع أن تنعكس هذه الأزمة على ارتفاعات جديدة لمعدلات التضخم وسعر صرف العملة المحلية، ما يهدّد النمو الاقتصادي بالكامل”.

وأشار إلى “تهديد إنتاج الكهرباء والذي يعتمد على الفيرنس، إذ لم يعد موجوداً، كما ستؤدي الإغلاقات إلى تعطل المصانع وحركة النقل والمواصلات، ونفاد الدقيق سيتسبب في تصاعد أزمة الخبز وربما نصل إلى مرحلة المجاعة حال استمرار الإغلاق”.

وعاد مشهد الطوابير الطويلة أمام المخابز السودانية ليسيطر على الشوارع، حيث بدأت السوق السوداء تنشط بقوة، بعد تقسيم المخابز ما بين تلك التي تبيع الخبز المدعوم وأخرى توفر الخبز التجاري.


أسر بكاملها تقف في صف الخبز أمام أفران الخرطوم، حيث حددت المخابز التي تدعمها الحكومة مبلغ 200 جنيه لكل فرد لشراء الأرغفة بحجة عدم توافر الدقيق.




ومع بروز السوق السوداء للخبز، حذر تجمع أصحاب المخابز بولاية الخرطوم من ندرة حقيقية في دقيق الخبز، وتراجع الحصص المُقررة للأفران نتيجة أسباب كثيرة، من بينها إغلاق طرقات شرق السودان

وعانت صناعة الخبز منذ مطلع العام الماضي من صعوبات جمة بعد إقرار موازنة رفعت الدعم عن الدقيق، حيث تضاعف سعر قطعة الخبز بنسبة 100 في المائة، كما أدى ارتفاع معدلات التضخم لانفلات الأسعار بشكل عام، فزادت كلفة مدخلات إنتاج الخبز من الخميرة والمحسنات لما يقارب 300 في المائة عن سعرها السابق.



مخاوف من مجاعة

وسبق أن حذرت نشرة مكتب الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة الصادرة من مواجهة السودان مشكلات تتعلق بنقص الغذاء، بسبب انخفاض الإنتاج الزراعي للمحاصيل الزراعية ومنها الحبوب الغذائية.

وأدت متغيرات محلية وإقليمية وعالمية لإثارة المخاوف من حدوث فجوة في الغذاء، وانعكاس ذلك على السودان، بسبب التردي الاقتصادي وانخفاض سعر الصرف وعقبات تواجه الموسم الزراعي وتدني الإنتاج بسبب التكلفة العالية.




ويصنّف آخر تقرير صادر عن منظمات الأمم المتحدة السودان ضمن أكثر 10 دول تضرراً من نقص الغذاء وأنه معرض لاحتمالات المجاعة بدرجات متفاوتة.

وكشف أحدث تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة “فاو” عن انخفاض إنتاج السودان من الذرة الرفيعة لعام 2019/ 2020 بنسبة 36% من إنتاج العام السابق و18% أقل من متوسط السنوات الخمس الماضية.

وقالت المنظمة: قد يكون لذلك تأثير خطير على الأمن الغذائي في البلاد، حيث يعاني ما يُقدّر بنحو 5.8 ملايين شخص (14% من إجمالي السكان) من أزمات أو مستويات أسوأ من عدم استتباب الأمن الغذائي.

وقال المنتج الزراعي أحمد عبد الرحمن، لـ”العربي الجديد”، إن الإغلاق أعاق انسياب مدخلات الإنتاج الزراعي والصادر، لافتاً إلى حجز كميات كبيرة من آليات حصاد المحاصيل، بما فيها السمسم والقطن ومئات الكونتينرات من المدخلات، ما يؤثر على معيشة المواطنين بفعل الندرة وارتفاع أسعار المتوفر من المنتجات.


وأكد أن إغلاق الشرق تسبب في شلل اقتصادي وزراعي كبير وقد يتسبب في مجاعة.

وحذّر رئيس شعبة تجار التجزئة بالخرطوم أحمد النو من لجوء بعض تجار الأزمات إلى الاحتكار والتخزين بقصد التربح خلال هذه الفترة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً