إليزابيث بورن ثاني امرأة ترأس الحكومة في فرنسا… هل تنقذ ماكرون؟

خلال الشهر الماضي، تحديداً ضمن حملته الانتخابية، قلّما أخذ الفرنسيون على محمل الجد وعود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه سيعمل على إدراج تغييرات في سياساته، خصوصاً على المستويين الاجتماعي والإيكولوجي، في حال حظي بثقة المنتخبين ليقود فرنسا لولاية رئاسية ثانية. غير أن تعيينه أول من أمس إليزابيت بورن (61 عاماً) رئيسة للحكومة الجديدة يشير إلى أن هذا التحوّل بات على الأبواب.


صحيح أن بورن تُقدّم اليوم كعنوان تحوّل محتمل في ولاية ماكرون الثانية، لكنها من زاوية نظر أخرى تمثّل امتداداً للفترة الرئاسية الأولى، بل يمكن القول إنها ابنة “المرحلة الماكرونية”، إذا جاز التعبير، على اعتبار أن حضورها كشخصية سياسية من الصف الأوّل لم يبدأ إلا مع وصول إيمانويل ماكرون إلى الحكم، ومن ثمّ باتت أحد وجوه فريق إدارته في السنوات الخمس الماضية، وهي التي كانت وزيرة العمل في حكومة كاستكس المتخلّية (2020 – 2022). وقبل ذلك، حظيت في حكومتي إدوار فيليب بحقيبتين وزاريتين؛ النقل (مايو 2017 – يوليو 2019) والبيئة (يوليو 2019 – يوليو 2020).


رهانات ماكرون


في الحقيقة، كانت أمام الرئيس الفرنسي خيارات كثيرة لاختيار المشرف/ة على السلطة التنفيذية الجديدة بعد الانتصار في رئاسيات 2022، وقد بدت الحظوظ متساوية بين أكثر من شخصية، أبرزها وزيرة الصحة السابقة ماريسول تورين (63 عاماً) وهي من أكثر المقربين من ماكرون وقد راجت تكهّنات بأنها الأقرب لمنصب رئيس الحكومة حين ظهرت مركزيتها في فريق ماكرون خلال الحملة الانتخابية، وخصوصاً ظهورها البارز في حفل تنصيبه في 7 أيار/ مايو الماضي. كما برز اسم مديرة اليونسكو الحالية أودري أزولاي بين المرشحات، ولكن بدرجة أقل كثيراً من إليزابيت بورن ومارسول تورين.


أما الأسماء الرجالية التي كانت مرشّحة، فأبرزها وزير الزراعة في حكومة كاستكس، جوليان دونورماندي، والذي يقدّم مثل بورن إيحاء قوياً عن نوايا تغيير سياسات ماكرون، وكذلك غابرييل أتال، أحد أبرز وجوه الحملة الانتخابية، والذي كان اختياره سيجعل منه أصغر رئيس حكومة في تاريخ البلاد (مواليد 1989).




كل هذه الخيارات تبدو متقاربة الحظوظ، غير أن بورن قد تكون الأكثر تجسيداً لحاجيات ماكرون السياسية اليوم، كونها تجيب عن تطلّعات أساسية أظهرها المشهد السياسي خلال انتخابات الشهر الماضي، فوصولها إلى رئاسة الحكومة يمثّل طمأنة لمن يتخوّف من السياسات النيوليبرالية الحادة لماكرون، ويسحب البساط من اليسار الصاعد بقيادة جان لوك ميلانشون قبل أسابيع من رهان انتخابي جديد حول مقاعد البرلمان، وسيكون فوز اليسار بنسبة كبيرة سبباً في تعطيل قدرة الرئيس على تنفيذ سياساته؛ إذ يمكن أن تفرض نتائج الانتخابات المقبلة استقالة الحكومة في حال لم يحقق حزب الرئيس وحلفاؤه عدد مقاعد مريح.


كذلك يمثّل حضور بورن نوعاً من رد الجميل للإيكولوجيين الذين دعموا ماكرون في الدور الثاني بشكل واضح، والأهم من كل ذلك قربها من دواليب الحكم منذ سنوات، وتنوّع المهمات التي عُهدت إليها في مشوارها السياسي، وهو ما يسهّل عليها إيجاد تشكيلة حكومية تلبّي طموحات الفرنسيين ورئيسهم في آن.


إلى كل ذلك، يمكن أن نضيف أيضاً عناصر شخصية خدمت بورن بشكل واضح، أولها صورتها كامرأة جدية ذات كاريزما عالية، متفانية في عملها، قلما دخلت في سجالات جانبية، إضافة إلى الأبعاد الاجتماعية التي ترافق جميع قراراتها السياسية، على الأقل في خطابها.


المهندسة والمستشارة


على عكس معظم رجال السياسة في فرنسا، ذوي الخلفيات القانونية أو الآتين من عالم الأعمال، تأتي بورن من خلفية علمية، فهي قبل دخول معتركات السياسة مهندسة مختصة في بناء الجسور والطرقات.


تنحدر بورن من أسرة ذات أصول بولندية، نشاطها الرئيس كان في المجال الصيدلي. تحمل الأسرة نزعة سياسية لكن على مستوى محلي ضيّف، في منطقة كالفادوس (أقصى شمال فرنسا). وقد بدت بورن طوال مسيرتها، التي انتقلت فيها بين إدارة عدة مؤسسات عامة، أهمها شركة النقل العمومي لباريس وإدارة التخطيط العمراني للعاصمة الفرنسية، وكأنها تحبّ أن تنأى بنفسها عن الصراعات السياسية المباشرة، لكنها في ذات الوقت تحبّ ممارسة السياسة من مواقع قرار متقدّمة.


حين بدأ اسمها في البروز سياسياً مع صعود ماكرون، كثيراً ما جرت الإشارة إلى أن بورن لم يسبق لها أن دخلت غمار رهان انتخابيّ، أي أنها لم تحقّق أي نجاح شعبي من خلال الصندوق، وأن المواقع التي شغلتها تمت عبر التعيين المباشر، وهي مواقع مكّنتها من تجربة سياسية ثرية، لعل أبرز محطاتها إدارة مكتب وزيرة البيئة سيغولين رويال بين 2014 و2015، كما عملت إلى جانب وزيري التربية ليونيل جوسبين وجاك لانغ، وكانت مستشارة في المسائل العمرانية لدى عمدة باريس برنار ديلانوي (2008 – 2013).


أما على مستوى الانتماء السياسي المباشر، فلم تنخرط بورن في أي حزب إلى أن برز مشروع “الجمهورية إلى الأمام” الذي أطلقه ماكرون في 2017، وقبله اعتبرت مقرّبة من الحزب الاشتراكي دون أن تمثّله أو تُحسب عليه. ولعل هذه النقطة كانت واحداً من أسباب رهان ماكرون عليها في هذا الظرف الدقيق من حياته السياسية.


إليزابيث بورن ثاني رئيسة حكومة في فرنسا


تحمل فرنسا صورة بلد تجد فيه المرأة درجة عالية من المساواة مع الرجل. غير أننا لو فحصنا تاريخها السياسي سنقف على مفارقة تتعلق بكون النساء لم يشغلن أعلى المناصب السياسية في البلاد، فإليزابيت بورن ليست إلا ثاني امرأة تقود السلطة التنفيذية بعد إيديت كريسون (1991 – 1992) زمن حكم الرئيس فرانسوا ميتران. أما المنصب الرئاسي فلم تنله إلى اليوم أية امرأة في بلد عرف النظام الجمهوري منذ أكثر من قرنين، كما أن امرأتين فحسب، هما سيغولان روايال ومارين لوبين، كانتا قريبتين من الوصول للرئاسة حين بلغتا الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية (2007، 2017، 2022).


في كلمتها إثر تسلّمها منصبها الجديد، لم يغب عن ذهن إليزابيت بورن أن تشير إلى هذه النقطة حيث أكّدت أنه من الواجب تذكّر أول رئيسة حكومة في الجمهورية الخامسة، إيديت كريسون، كما أهدت تعيينها رئيسةً للحكومة إلى “جميع الفتيات” ودعتهمن أن “يذهبن إلى أبعد نقطة ممكنة في أحلامهن”، وكأنها تشير بذلك إلى أنها ذهبت إلى أبعد نقطة في أحلامها السياسية، يبقى أن تجد هذه الأحلام سبيلها إلى التنفيذ.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً