"إميلي" في بلاد العجائب

يركز صناع مسلسل “إميلي في باريس” على تقديم خلطة بصريّة برّاقة تغور في صميم الثقافة الفرنسية. متواليات الصورة بين جزأي العمل، تعكس رؤية إخراجية تبحث عن تكامل. القالب دراما اجتماعية كوميدية.


البطلة “إميلي كوبر” (ليلي كولينز) شابة أميركية ذكية وجميلة تعمل لدى إحدى الوكالات التسويقية الأميركية. لدى هذه الشركة فرع في باريس. في الجزء الأول تنتقل البطلة للعمل في المكتب الباريسي. نرى قصة وبناءً دراميًا متماسكًا. خيوط الحكاية غير معقدة. ستثبت “إميلي” أنها قادرة على الانغماس في المجتمع الفرنسي. تقبّل الآخرين لها يحتاج مجهودًا كبيرًا، لذا وجب أن تتعلم لغتهم وعاداتهم. ثقتها بنفسها مفتاح نجاحها في عالم الموضة والأزياء، ورهان تجربتها بين كبار رجال الأعمال يعزز من مكانتها في المجتمع الفرنسي. إلى جانب ذلك، هناك قصة حب ستجمع بينها وبين جارها غابرييل (لوكاس برافو)، وهو شيف في أحد المطاعم.


تبدو التفاصيل جميلة وسلسة، لكن ملاحظات عدة يتوجب طرحها. الخط الدرامي للأحداث في الجزء الأول متناسق. لا وجود لصراعٍ متأزم، والأحداث تروى بتأنٍ. الرؤية الإخراجية متمكنة في تطويق المناظر والألوان والموسيقى. نسير على هذا النسق باتزان لا يشوبه مبالغة في المنحى الموضوعي.


تطوف، بعد حلقات عدة، مظاهر العالم البرجوازي، لتتغلب على حيوية العمل. يبرز ذلك أكثر في الجزء الثاني. الأناقة، الرقي، الورود، الجنس، المقاهي والمطاعم الأنيقة. جميعها مفردات لصورة خلابة وبرّاقة يتكيف بها مجتمع فرنسا من منظورٍ اجتماعي. انبهار لا تشفع له النخب المستهدفة في عالم المنتجات والعلامات التجارية الفاخرة. القصد في مكان آخر. عالم وجب تسميته بـ”أليس في بلاد العجائب” بدلًا من “إميلي في باريس”. إنها طوباوية المجتمع المثالي، ترزح تحت نيره العنصرية، لتطفح من حوض الزهور بذور الكراهية والحقد والاستعلاء.




ثمّة جملة ترد في العمل: “من دون المتعة نكون ألمانيون”، أي قصد هذا الذي جاء على لسان أحد الممثلين الفرنسيين؟ إنه نبذة عن أناس ترفض التطبُّع بنموذجها الأميركي لغةً وثقافةً وملبسًا ومأكلًا. الفرنسيون مشاغبون في علاقاتهم المهنية والعاطفية، وأنيقون في صباحاتهم واستراحاتهم، وذواقون في اختياراتهم، وهادئون في سجالاتهم حد المقت والتعجب. أي صورة هذه وأية ألوان وأية لغة وأية كياسةٍ هذه التي تميز شعبًا عن باقي الشعوب، لدرجًة نظن أن فرنسا من كوكب آخر، أو في حسابات المنتجين “من خيال آخر”؟


الصورة نفسها في الجزء الثاني. المشاهد ملونة وبرّاقة. استكمال لقصة “إميلي” وعلاقتها بـ”غابرييل” الذي اكتشفنا أنه يواعد صديقتها “كامي” (كاميل رازات). حتى هنا، منسوب الغضب (عندما تكتشف كامي خيانة صديقتها وحبيبها لها) يقتصر على كسر كأس من النبيذ فقط. تتحول بعدها الأحداث إلى كوميديا. لا يراد للعمل السقوط في الجدية، أو الأصح، لا يريد إهانة الشكل الحضاري الرفيع عند الشعب الفرنسي. ومن منظور درامي، يراد للصورة حضورًا أكبر وأوسع. النص غير مهم. أحداث جانبية غير مباشرة. لا تؤثر في حبكة أو تمهد لعقدةٍ. لا شيء آخر يذكر. هناك استكمال لبناء البرواز الاجتماعي المخملي، وتجنب لصراعٍ حقيقي، إذْ يجب أن يكون الصراع أنيقًا بين النخب في عالم الأعمال الوردي.


في الحلقة الأخيرة، نتهيأ لفصل جديد من الحكاية. جزء ثالث يكمل ما لم ينجزه سابقه، بعد أن استقالت “سيلفي” (فيليبين بوليو) مديرة “سوفوار” المكتب الذي تعمل فيه إميلي، مع بقية أعضاء فريق، لتجد “إميلي” نفسها أمام اختبارٍ. هل تختار العمل مع أصدقائها أم مع “مادلين ويلر” (كايت والش) مديرتها الرئيسية، ومديرة شركة “جيلبرت” المستحوذة على “سوفوار”؟




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً