إنكار الأوبئة… ممارسة تاريخيّة وتفسيرات طبية عجيبة

حتّى الآن، أصيب أكثر من 108 ملايين شخص بفيروس كورونا، مع 2.4 مليون حالة وفاة في أنحاء العالم كافة. على الرغم من جميع التدابير الوقائيّة والإغلاق الشامل لكل العالم، فإنَّ شعار “كورونا كذبة” ما زلنا نراه على لافتات المظاهرات وجدران المباني ووسائل التواصل الاجتماعي.


عمومًا، إنكار وجود جائحة ليس بالأمر الجديد، سواء أكان الإيدز أم السرطان أو السكري أو حتّى تسوُّس الأسنان. على مرّ التاريخ تم إنكار العديد من الأوبئة. عام 2000 مثلاً، أنكر رئيس حكومة جنوب أفريقيا ثابو مبيكي وجود فيروس الإيدز، علمًا أنّ بلاده كانت متضررة بشدة من الوباء.


تحدّى الرئيس كل المعلومات الطبية والمعرفة العلمية حول الفيروس، وأنكر وجود مرض نقص المناعة المكتسبة. وزعم مبيكي أنّ الإيدز لا يمكن معالجته بالأدوية، بل بمكافحة الفقر وتحسين التغذية. وأنشأ فريقاً مثيراً للجدل من العلماء الذين ينكرون فيروس الإيدز، ومنهم عالم الفيروسات الألماني بيتر ديوسبرغ، إذْ قال الأخير إنّ فيروس نقص المناعة المكتسبة غير ضار إطلاقاً، وأرجعَ أعراض المرض إلى تعاطي المخدرات والأدوية التي تدّعي أنها تكافح الإيدز. ليس هذا فحسب، بل إن عالم البيولوجيا الحيوية الأميركي ديفيد راسنيك دعا إلى حظر كامل للاختبارات التي تكشف فيروس الإيدز، ودعا إلى عدم تناول الأدوية التي تخفف أعراض المرض لأنّها “سامة”، وبدلاً من ذلك، أوصى بعلاج الفيتامينات. عام 2008 منعت حكومة جنوب أفريقيا نفسها الدواء الذي صنعه راسنيك، والذي كان “خلطة فيتامينات” تدّعي أنها توقف فيروس الإيدز.


من ناحية أخرى، فإنّ قضية المواطنة الأميركية كريستينا ماجوري، كبيرة منكري فيروس الإيدز، انتهت بشكل مأساوي، إذ أصيبت هي بنفسها بفيروس الإيدز عام 1992، بعد أنْ كانت من أكبر المشككين بوجوده، بل كتبت كتابًا حقق مبيعات مرعبة عنوانه: “ماذا لو كان كل شيء تعرفه حول الإيدز خطأ”، وظهرت في الكثير من البرامج الحوارية في الولايات المتحدة.


كانت ماجوري حاملاً بطفلتها حينما كُشِفَت إصابتها بالفيروس، ورفضت تناول أيّ دواء كان سينقذ طفلتها ويمنع انتقال المرض إليها، لأنّها “لا تريد تعريض ابنتها للسموم”، وامتنعت عن إجراء أي اختبارات للطفلة المولودة توًا، لتموت الطفلة في سن الثالثة. توفيت كريستينا عن عمر يناهز الـ52 عاماً أيضًا بفيروس نقص المناعة.




منذ القرن التاسع عشر كان الناس يشككون بالأمراض والأوبئة المعدية عن طريق تقديم بعض التفسيرات الغريبة والعجيبة. في أعقاب وباء الكوليرا، اتّهِم الأطباء البريطانيون باختراع المرض، وذلك لجذب المرضى إلى العيادات وقتلهم واستخدام أعضائهم وجثثهم للأبحاث الطبية.


حتّى عندما انتشر شلل الأطفال في أميركا عام 1955 والذي يصيب العمود الفقري، خرج بعض الأطباء وقالوا إنّ اللقاح سام، والعلاج الفيزيائي للعمود الفقري هو كافٍ من أجل مواجهة المرض.


يقول أستاذ علم النفس الأميركي سيف كاليشمان إنّ حركة إنكار الأمراض هي حركة تاريخيّة مناهضة بشكل جوهري للعلم والطب، وقام كاليشمان لمدة عام بادعاء إنكار فيروس الإيدز كي يصبح عضوًا في الجماعات التي تنكر الأوبئة، وذلك لدراستها وفهم دوافعها. إذْ رسم الملامح العامة للشخصيات التي تقوم بإنكار الأمراض بأنها عُصابية وتعاني من ضعف التفكير العلمي إضافة طبعًا إلى جنون العظمة.


الطبيب الألماني ريكي جيرد هامر، مثلاً، أنكر منذ التسعينيات عددًا من الأمراض، وعرض فعلاً حياة كثيرٍ من الناس إلى خطر حقيقي. عام 1986 قررت المحكمة الإدارية الألمانية سحب ترخيصه لممارسة الطب، ودحضت كل آرائه حول الطب وفيروس الإيدز الذي وصفه بأنّه “حساسية” فقط.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً