اتفاق إنقاذ ترامب… شركات أميركية عملاقة رهينة مشتريات الصين

 

جاء الاتفاق التجاري الأولي بين الصين والولايات المتحدة الأميركية بمثابة طوق نجاة للعديد من الشركات الأميركية العملاقة، على رأسها بوينغ، التي ينتظر أن تزيد بكين صفقات شراء الطائرات منها، ما يقلص من حجم الخسائر التي تتعرض لها، فضلا عن إفراغ مخازن المزارعين، الذين دفعوا ثمن كبح الصين مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية، كرد انتقامي على الرسوم الجمركية التي بدأت إدارة الرئيس دونالد ترامب في فرضها منذ نحو عامين.

وبعد أكثر من عشرين شهراً من المفاوضات الماراثونية بينهما، وقعت واشنطن وبكين، أمس الأربعاء، في واشنطن، اتفاقاً تجارياً، يمثل مرحلة أولى من الاتفاق الشامل، تعهدت فيه الصين بشراء كميات كبيرة من المنتجات الأميركية، مقابل تجميد الولايات المتحدة زيادات في تعريفات كان مقرراً دخولها حيز التطبيق نهاية العام الماضي، وتخفيض أخرى، على المنتجات الصينية الواردة إلى الأسواق الأميركية.

وفي الوقت الذي اعتبر فيه ترامب أن الاتفاق يمثل انتصاراً كبيراً لسياساته، ويعوض آلاف المزارعين من ناخبيه المتضررين من فرض التعريفات، خرجت الصين ممسكة بأوراق ضغط كبيرة، لا تقل أهمية عن المكاسب التي قالت الولايات المتحدة إنها حققتها من وراء الضغط الذي مارسته على بكين.

ومحور الاتفاق، تعهد صيني بشراء سلع أميركية إضافية بقيمة 200 مليار دولار على مدى عامين بهدف خفض عجز تجاري ثنائي مع أميركا وصل إلى ذروته عام 2018 عندما بلغ 420 مليار دولار.

ومن المنتظر أن تشتري الصين سلعاً إضافية أميركية الصنع بقيمة 80 مليار دولار، على مدى عامين، بما في ذلك طائرات وسيارات وقطع غيار سيارات وآلات زراعية وأجهزة طبية، كما ستزيد مشترياتها من إمدادات الطاقة بنحو 50 مليار دولار ومن الخدمات بمقدار 35 مليار دولار. وستعزز بكين أيضاً مشترياتها من المنتجات الزراعية بواقع 32 مليار دولار على مدى العامين المقبلين، مقارنة مع 24 مليار دولار في 2017.

وتأتي زيادة المشتريات الصينية عامل إنقاذ لشركة مثل بوينغ، التي تواجه صعوبات كبيرة، حيث كانت قد قررت، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تعليق إنتاج الطائرة “ماكس 737” مؤقتاً، وسط توقعات بإلغاء صفقات مع خطوط طيران عالمية بقيمة 11 مليار دولار. وتحليق “ماكس 737” متوقف منذ مارس/ آذار الماضي، بعد حادثي تحطم في إندونيسيا وإثيوبيا.

وكانت الصين قد أوقفت خلال العامين الماضيين مشترياتها من بوينغ، ما يجعل استئناف الشراء بمثابة طوق نجاة لعملاق صناعة الطائرات الأميركي الذي شهد انخفاضاً في أرباحه، ما أثر على سعر أسهمه. وفي حين هلل ترامب للاتفاق في أكثر من مناسبة خلال الأسبوعين الماضيين، في محاولة لاستغلاله سياسياً في معركة الانتخابات الرئاسية القادمة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، قلل رموز من الحزب الديمقراطي من مكاسب الاتفاق. ووصف تشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، الاتفاق بالضعيف، محذراً من “امتداد ضرره على الاقتصاد الأميركي لسنوات قادمة”.

وقال شومر في تصريحات إعلامية إن “الاتفاق لا يقدم الكثير للشركات والعمال الأميركيين، بينما يشجع الصينيين على الاستمرار في التعنت”. وأعرب بعض المراقبين عن تشكيكهم في جدية الأرقام التي يروج لها الجانب الأميركي بشأن تعهدات الصين بشراء السلع الأميركية.

ويقول جون ب، المستشار المالي الذي عمل في وزارة الخزانة الأميركية لمدة عشر سنوات وفضل عدم ذكر اسمه كاملاً في تصريح خاص إنه “مع ارتفاع مبيعات السيارات الصينية وزيادة القدرة على التجميع المحلي، من الصعب أن نرى حاجة الصين لشراء المزيد من السيارات التي تصنعها الولايات المتحدة”. ومن بين السيارات الأكثر شعبية التي يتم تصنيعها في الولايات المتحدة وتباع في الصين سيارات بي ام دبليو ومرسيدس الرياضية.

ورغم تأكيد ترامب على استفادة الأميركيين من سياسة فرض التعريفات الجمركية، أكد مسؤولون في شركة بست باي Best buy، المتخصصة في بيع أجهزة الحاسب الآلي والهواتف المحمولة، أنها تحملت النسبة الكبرى من التكلفة، لصعوبة تمرير الزيادة في الأسعار الناجمة عن زيادة التعريفات الجمركية إلى المستهلكين.

والشهر الماضي، وفور الإعلان عن توصل واشنطن وبكين إلى اتفاق المرحلة الأولى التجاري، ارتفع سعر سهم شركة آبل إلى أعلى مستوياته على الإطلاق وقتها، مسجلاً سعر 275 دولاراً، لتتجاوز ربحيته في 2019 نسبة 80 بالمائة قبل نهاية العام بأسبوعين.

وبالإضافة إلى ارتفاع تكلفة العديد من المنتجات في السوق الأميركية جراء التعريفات الجمركية، امتلأت مخازن مئات المزارعين الأميركيين بالمنتجات التي امتنعت الشركات الصينية عن شرائها، كرد فعل على التعريفات الجمركية، وأهمها فول الصويا، الذي تعد الصين أكبر زبائنه.

وقلل بول دونوفان، كبير الاقتصاديين في بنك الاستثمار العالمي “يو بي اس”، من قدرة الولايات المتحدة على إجبار الصين على تقديم المزيد من التنازلات، مؤكداً أن الصين يمكنها توجيه صادراتها إلى كندا لتجنب التعريفات الأميركية، لتقوم الأخيرة بتصنيع المنتج النهائي وتصديره إلى الولايات المتحدة “فيدخل السوق الأميركية بدون أي تعريفات إضافية”.

وأشار دونافان إلى أن الشركات الأميركية هي التي تحملت النسبة الكبرى من تعريفات ترامب، التي تعد فعلياً “ضرائب” وليس “تعريفات”، مؤكداً أن أرباح تلك الشركات تأثرت بهذه الضرائب، وأن “الصين لم تدفع شيئاً للخزانة الأميركية.. هذه ضريبة أميركية، يدفعها الأميركيون”.

لكن إدارة ترامب لم تتوقف عن التهديد رغم الاتفاق. وقال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، لقناة “سي ان بي سي”، إن واشنطن مستعدة لزيادة الرسوم الجمركية على سلع مستوردة من الصين، إن لم تحترم بكين الاتفاق.

وجمد الاتفاق فرض دفعة جديدة من الرسوم الجمركية المشددة التي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ، في منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي، على نحو 160 مليار دولار من المنتجات الصينية، وكان مقرراً وصولها إلى 25 بالمائة بدلاً من 16 بالمائة.

كذلك خفضت الإدارة الأميركية الرسوم على بضائع أخرى بقيمة 120 مليار دولار، إلى النصف، لتصل إلى 7.5 في المائة بدلا من 15 بالمائة.

لكن رسوما جمركية أميركية بنسبة 25 في المائة، لا تزال مطبقة على سلع صينية بقيمة 250 مليار دولار، تشمل الآلات والعديد من السلع الإلكترونية.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً