ارتباكٌ يسود المشهد الإعلامي السوداني

بخطوات قد تبدو بطيئة، يتّجه مشهد الإعلام السوداني نحو التغيير ليواكب الثورة السودانية ومناخات الحرية والانفتاح التي شكّلتها خلال 10 أشهر، بعد نجاحها في الإطاحة بنظام الرئيس المعزول، عمر البشير، في إبريل/نيسان من العام الماضي.
بقايا النظام… والحريات
استفاق الوسط الإعلامي، الأسبوع الماضي، على قرارات أصدرتها “لجنة إزالة تمكين نظام البشير من مفاصل الدولة”، قضت بالحجز على صحيفتين هما “السوداني” و”الرأي العام” وقناتين فضائيتين هما “الشروق” و”طيبة”، إضافةً إلى إذاعة “القرآن الكريم” التابعة لجمعية القرآن الكريم التي تمّ حلّها بواسطة ذات اللجنة. وجاء القرار بحجة الاشتباه في أن تلك المؤسسات الإعلامية يملكها النظام السابق عبر أفراد هم مجرد واجهات له، وأحدث انقساماً وسط الإعلاميين، إذ أيّده البعض لتماشيه مع مبدأ تفكيك النظام السابق واستعادة المنهوبات، فيما رآه البعض الآخر ضربةً للحريات التي وفّرتها الثورة وأخذا للمؤسسات بالشبهات، فيما أكد المسؤولون في تلك الأجهزة رغبتهم في استئناف القرار طبقاً للقانون، من مرحلة لجنة الاستئناف مروراً بكل مراحل التقاضي.

ويقول المتحدث الرسمي باسم تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، وجدي صالح، لـ”العربي الجديد”، إنّ “المشهد الإعلامي تجلّى بصورة أوضح من تاريخ تعيين السلطة الانتقالية في سبتمبر/أيلول الماضي”، مبيناً أن الصحافيين صاروا يمارسون مهنتهم بحرية تامة من دون أي قيد أو شرط، وأن الإعلام موعود بتطور أكبر وأعمق في الفترة المقبلة.
وينفي صالح، وهو عضو في لجنة إزالة التمكين التي اتخذت قرار الحجز على بعض المؤسسات الإعلامية، أن يكون القرار اتخذ نتيجة رأي سالب في السياسة التحريرية لتلك الصحف، إنما صدر لأمر خاص بملكية تلك المؤسسات التي تحتاج إلى مراجعة. إذ أن هناك قرائن تشير إلى أن ملاكها مجرد واجهات للنظام السابق أو حصلت على دعم منه، بالتالي تسعى اللجنة إلى استرداد أموال الشعب في إطار تفكيك النظام البائد، مؤكداً أنّ اللجنة تعمل بإخلاص لتلافي أي ضرر يمكن أن يقع على العاملين فيها.

إلى ذلك، يؤكد رئيس إدارة الأخبار في قناة “طيبة” المحجوزة، إسماعيل تيسو، أنّ الشعب السوداني بقدر ما فرح بالتغيير والثورة، فإنه قلق من الانتكاسات المحتملة في مجال الحرية والعدالة التي رفعتها الثورة شعاراً. منوهاً، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن “قرار حجز القناة التي يعمل فيها ومعها مؤسسات أخرى أصاب كثيرين بالإحباط، لأنّ القرار اتخذ بالاشتباه وليس باليقين والأدلة والبراهين”.
ويضيف أنّ القرار أعطى مؤشراً على تراجعٍ كبيرٍ في مجال الحريات الصحافية، خاصة أنّ وكيل وزارة الإعلام، الرشيد سعيد، هدد، في تصريحات صحافية، بمزيد من الإغلاق، ما جعل العديد من وسائل الإعلام تتحسب لهذه التهديدات، وأثّر في خطّها التحريري. ويؤكد أنّ الأمور لو سارت على هذا المنوال سيعود المشهد الإعلامي إلى مربع أسوأ مما كان عليه في عهد البشير. كما انتقد تيسو القرارات الحكومية بتعيين محسوبين على أحزابها في مناصب إعلامية، من دون أن يمتلكوا الخبرة الكافية، وهو تعيين يشبه زمان التمكين السابق.

وسائل جديدة
وفي وقت غابت فيه تلك الوسائل الإعلامية عن المشهد، استقبلت وسائل إعلامية جديدة، منها صحيفة “السوداني الدولية”، وهي صحيفة كان قد صادرها نظام البشير في عام 1994 واعتقل مؤسسها، محجوب عروة، في ذلك الوقت، ووجهت له اتهامات عبر وسائل الإعلام بالعمالة لدولة مجاورة. كما استقبل المشهد صحيفة “الحداثة” السياسية، وهي صحيفة تمزج بين العمل السياسي والثقافي، واختارت على خلاف كل الصحف الحالية شكل “التابوليد” في تصميها، كما يُرتقب صدور صحف أخرى عديدة خلال الفترة المقبلة.
وعلى مستوى القنوات الفضائية، فقد برزت “المعرفة والتغيير” و”قناة سودان بكرة”، والأخيرة هي الأقرب للثورة ولتجمّع المهنيين السودانيين، “دينمو” الحراك السوداني.

وفي ذات الوقت نشطت المواقع الإخبارية الإلكترونية، وفرض بعضها نفسه على المشهد الإعلامي رغم قصر فترة إنشائه مثل موقع “كنداكة نيوز”، كما نشط عمل مكاتب الوكالات والقنوات والصحف الخارجية إلى حد كبير، بعد أن تجاهلت بعضها الشأن السوداني لسنوات طويلة.
على مستوى الإعلام الحكومي ممثلاً في التلفزيون القومي والإذاعة ووكالة السودان للأنباء “سونا”، فقد حدث فيها انفتاح كبير، فباتت تتيح، بتقديرات كثيرين، مساحات واسعة للرأي والرأي الآخر وحدث فيهما تطوير كبير، لا سيما بعد تعيين قيادات إعلامية محسوبة على التيار الثوري على رأس إداراتها.

لا يختلف العاملون في مجال الإعلام السوداني بأنّ الإعلام هو الرابح الأكبر من نجاح الثورة. إذ توفّرت له حرية افتقدها طوال 30 سنة هي عمر نظام البشير الذي بدأ يومه الأول في السلطة بمصادرة كل الصحف التي كانت تعمل في الثلاثين من يونيو/ حزيران 1989. وحينما سمح للصحف بالصدور مرة أخرى، مارس أسوأ أنواع الترهيب ضدها بالمصادرات اليومية والرقابة القَبْلية والبَعْدية ومنع الصحافيين من الكتابة ومحاربة الصحف غير المرضي عنها من الإعلان، ورغم كل ذلك قاوم الصحافيون السودانيون ذلك وأدوا ما عليهم من أدوار وكانوا جزءاً لا يتجزأ من الحراك الثوري، وهم الآن يسعون للمزيد من التجديد والاستفادة من تلك المكاسب.

يقول رئيس تحرير موقع “سودان برس” الإخباري، الصحافي خالد النور، إن المشهد الإعلامي تغيّر بعد الثورة خاصة في جانب الإعلام الجديد (الإعلام الالكتروني)، لأنه كان المنصة الأساسية للثورة في ظل تحكم العهد البائد في وسائل الإعلام التقليدية من صحف وقنوات محلية، وهي ذاتها أصبحت لا تستطيع مواكبة السيل المتدفق بسرعة عبر الإعلام الإلكتروني.
ويضيف النور لـ”العربي الجديد”، أنّ الإعلام الإلكتروني من جانبه يواجه مشكلة المصداقية والتقوقع في المحلية، خاصة في جانب القوالب التحريرية المتبعة، وعدم فهم من البعض لطبيعته، لكنه يسير في الطريق الصحيح رغم الصعوبات التي يواجهها من عدم دعم ومساندة الدولة له، ويؤكّد أنّ الإعلام البديل هو المسيطر من حيث السرعة والانتشار، مع تراجع للصحف الورقيّة من ناحية التوزيع.

منبر فقط
لكن على العكس من هذا وذاك، يرى الكاتب الصحافي فضل الله رابح، أن المحتوى الإعلامي بعد الثورة لم يحدث فيه تطور كبير، سواء كان على المستوى الورقي أو المرئي أو المسموع أو النشر الإلكتروني، مضيفاً أنّ الإعلام خلال الفترة الماضية لم ينتج خطاب الإصلاح على نحو يحقق الرضا للغالبية التي تأمل في أن يعمق الإعلام معاني الإصلاح في خطاب لمرحلة ما بعد الثورة، معتبراً أنّ “الكثير من وسائل الإعلام باتت أداة تحريض منطلقاً من انتماءات بعض الإعلاميين لتنظيمات تتبع النظام الحاكم الجديد ولا تستطيع أن تتجرد من خطابه”.

ويضيف رابح، لـ”العربي الجديد”، أنّ “الإعلام لم يبشر كذلك بمهام الفترة الانتقالية التي تلت التغيير كما ينبغي، وذلك يمكن أن نعزيه إلى أنه خلال السنوات الأخيرة بات الإعلام أقرب للمنبر السياسي البديل، المعبر عن القوى السياسية التي كانت تعارض نظام البشير، بعد أن تراجعت منابرها السياسية ومناشط دورها الثقافية والفكرية واعتمدت الأحزاب والتنظيمات على كادرها الفعلي والافتراضي داخل الوسائط الإعلامية. لذلك بات الخطاب السياسي وانحيازاته هو الذي يشكّل مضمون الخطاب الإعلامي بعد الثورة، وصار خطاباً عنيفاً ومتشنجاً لا يشبه قوة تأثير الخطاب الإعلامي المتوقع لمرحلة ما بعد الثورة، حيث الرأي والرأي الآخر والحرية والعدالة”. ويعتبر أنه لا يوجد فرق كبير بين الصحافة الورقية والتلفزيونية والإذاعية في التوجهات الإعلامية وتأثيرها على الرأي العام.

يوضح الكاتب الصحافي فضل الله رابح، أنّ الإعلام الحكومي صار يقدم وجهة نظر واحدة من حيث الضيوف ومضمون ما يصدر عنهم، بينما غابت الأصوات الأخرى، وخُيّل للإعلاميين العاملين في المؤسسات الرسمية أنّ الآراء التي لا تتعاطف مع الثورة أو تخالفها غير مرغوب فيها، وأنّ المؤسسات الإعلامية الرسمية باتت أدوات دعائية للسلطة لا أكثر، ولم تمنح الوسائل الإعلامية الشعور للآخرين بأنّها قومية وتهتم بقضايا التنمية والخدمات والإصلاح والتغيير الإيجابي الذي تنشده الثورة”.
ويضيف: “الإذاعات والتلفزيونات الخاصة تراجعت كثيراً من حيث المضمون والأفكار، وباتت مرهبة بسيف لجنة تفكيك النظام السابق، وخائفةً مما يصدر عن هذه اللجنة، وباتت قراراتها تشكل عنصر خوف وترهيب للإعلام وحرياته، بينما تمّت محاصرة الصحافة الورقية ولم تعد تبرز من القضايا إلا تلك التي تتناسب مع خطاب النظام الحاكم الجديد وأهملت قضايا الجماهير الحقيقية، في التنمية والخدمات”.
ولرابح وجهة نظر حتى في مفردات تحرير الأخبار في التلفزيون والإذاعة القومية، إذ يقول إنّها “غيّرت وعكست ممارسات ولغة الشباب الذين تمت استضافتهم خلال فترة ما بعد الثورة، وذلك رغبةً من السلطة الجديدة في كسر المسلّمات المهنيّة من دون مراعاة لأخلاقيات المهنة وثوابت المجتمع المتسامح”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً