استراتيجية دعائية جديدة لنتنياهو تسبق الانتخابات الإسرائيلية

يتبقّى 17 يوماً على الانتخابات الإسرائيلية الثالثة، من دون أن تلوح في الأفق، على الأقل وفق الاستطلاعات الإسرائيلية المتواترة، أية بوادر لتغيير مرتقب في موازين القوى الإسرائيلية، إذ تشير كافة الاستطلاعات تقريباً إلى أن معسكر اليمين، بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، لا يزال بعيداً عن نيل أغلبية 61 مقعداً، وينقصه على الأقل ما بين 5 إلى 6 مقاعد. في المقابل تبدو حظوظ المنافس الرئيسي لنتنياهو، الجنرال بني غانتس، زعيم تحالف “كاحول لفان”، أقل من ذلك بكثير، خصوصاً بعد أن أعلن، أمس الأول، رسمياً في مهرجان انتخابي، في قرية البعنة الجليلية، أنه لن يكون بمقدور القائمة المشتركة (للأحزاب العربية التي تملك 13 مقعداً) أن تشارك في الحكومة المقبلة في حال قام غانتس بتشكيلها.

وبالرغم من إعلان “صفقة القرن” (خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية)، التي كان يفترض أن تدفع لصالح نتنياهو في الانتخابات، إلا أن رئيس الحكومة فشل حتى الآن في استثمار إعلان “صفقة القرن” لصالحه، بفعل اعتراض الولايات المتحدة على الاتجاه نحو إعلان ضم غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية قبل الانتخابات. ودفع هذا الأمر نتنياهو إلى تكثيف دعايته الانتخابية ضد حزب “كاحول لفان”، من خلال التحريض العنصري بالذات على القائمة العربية بأنها لن تسمح لحكومة بقيادة غانتس، بضم غور الأردن والمستوطنات، عدا عن تأكيده أن غانتس لن يكون قادراً على تشكيل حكومة من دون دعم القائمة المشتركة للأحزاب العربية، سواء من داخل الحكومة أو خارجها، وهو ما يجعل حكومته في نهاية المطاف أسيرة مواقف الأحزاب العربية.

وبغض النظر عن واقعية مثل هذا الخيار، الذي تنصل منه غانتس، قبل يومين، إلا أن نتنياهو، بعد أن كرّس في وعي الناخب الإسرائيلي وجود علاقة واحتمالات تعاون بين القائمة المشتركة أو بعض أجزائها (في ظل رفض حزب التجمع الوطني لأي تعاون مع حزب غانتس، خلافاً لموقف كل من الجبهة وحزب أحمد طيبي)، انتقل منذ مطلع الأسبوع الحالي، لخط دعائي جديد، إذ تخلى عن نهج “التحذير من خطر سقوط حكم اليمين”، ومن التحذير من خطر “تشكيل حكومة بمشاركة القائمة المشتركة للأحزاب العربية”، إلى خط دعائي يدعو فيه المصوتين في اليمين، خصوصاً أنصار حزب “الليكود” الذين لم يشاركوا في الانتخابات الأخيرة، في 17 سبتمبر/أيلول الماضي، إلى الانضمام لمسيرة النصر في الانتخابات، حتى “نتمكن من إكمال ما بدأناه في تحصيل تأييد واعتراف أميركي بضم غور الأردن والمستوطنات”.

وتمكن نتنياهو، في اليومين الماضيين، من محو أثر الانتقادات الشديدة له من قبل المستوطنين وحزب “يمينا”، بفعل تأجيل إعلان الضم إلى ما بعد الانتخابات، عبر دفع “يمينا” إلى خانة الدفاع عن النفس، من خلال تصريحات كررها نتنياهو نفسه، الأحد والاثنين الماضيين، بأن تعيينه نفتالي بينت، أخيراً، وزيراً للأمن، جاء بهدف منع انتقال حزبه لمعسكر غانتس، مع الطعن في قدرات بينت في سياق مواجهة قطاع غزة، عبر الإعلان أن نتنياهو منحه كامل الصلاحيات لإدارة المعركة مقابل قطاع غزة وحركة “حماس”، لكن اتضح أن بينت لا يملك القدرات اللازمة لذلك، وتبين فشله، على غرار سابقه في المنصب أفيغدور ليبرمان.

وبموازاة خط الهجوم على حزب “يمينا” وغانتس، فقد عزز “الليكود” في الأيام الأخيرة من حملته الخاصة لاستعادة أصوات نحو 200 ألف ناخب تقليديين، تبين للحزب، من خلال كشوف سجل الناخبين، أنهم لم يشاركوا في عملية الاقتراع الأخيرة. ويحاول “الليكود”، في هذا السياق، إقناع أصحاب هذه الأصوات، خصوصاً من يقطن منهم في بلدات جنوب إسرائيل، بأن النصر في الأفق، وأن كل ما ينقص الحزب هو مقعدان إلى ثلاثة مقاعد، ويكفي أن يتجند أعضاء “الليكود” وأنصاره التاريخيون للمشاركة في عملية الاقتراع حتى يتسنى له أن يعود لمكانة الحزب الأكبر، ويسد الطريق أمام خيارات ائتلافات من شأنها “أن تضيع المكاسب السياسية” التي حققها نتنياهو لدولة الاحتلال.

ويحاول “الليكود” في دعايته الانتخابية عدم الاكتفاء بناخبيه التقليديين الذين لم يشاركوا في الانتخابات الأخيرة، بل أيضاً التأثير على أحزاب الحريديم لدعم حزب “عوتصماه يهوديت” بقيادة الفاشي إيتمار بن غفير، لضمان اجتياز هذا الحزب نسبة الحسم المقدرة بـ146 ألف صوت، علماً بأن حزبه فاز في الانتخابات الأخيرة بـ84 ألف صوت. ويقدر نتنياهو أنه في حال فاز بن غفير باجتياز نسبة الحسم فإن ذلك سيمنح معسكره أربعة مقاعد إضافية، ويقربه من هدف تأمين 61 مقعداً لائتلاف حكومي دون الحاجة لحزب أفيغدور ليبرمان.

لكن بحث نتنياهو عن الأصوات الضائعة لا يقف عند محاولة استعادة أصوات الليكوديين التقليديين، ممن لم يصوتوا في الانتخابات الأخيرة، وإنما أيضاً بمحاولة الحصول على أصوات حتى من المجتمع الفلسطيني في الداخل، بالركون إلى تجربة حكومة إسحق شامير في العامين 1983 و1987، التي استطاعت بفعل ضخ ميزانيات لقرى بلدات محسوبة على “الليكود”، تأمين مقعدين إضافيين رجحا في حينه كفة “الليكود” على حزب “العمل”، وفق ما كشفه في مذكراته وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق موشيه أرنس عن أهمية الأصوات التي حصل عليها “الليكود” من المجتمع العربي في الداخل.

وأكدت هيئة البث والإذاعة الإسرائيلية العامة، أمس الأربعاء، أن حزب “الليكود” يعتزم إطلاق حملة دعائية باللغة العربية، وحملة انتخابية في بلدات عربية مختلفة لتحصيل ما أمكن من أصوات عربية. وبحسب تقرير الإذاعة الإسرائيلية أمس، وتقرير لصحيفة “يسرائيل هيوم”، نشر الأسبوع الماضي، “فإن الليكود يجري أيضاً اتصالات مع رؤساء سلطات محلية، ويحاول إبراز تحويل الميزانيات للقرى العربية من جهة، والادعاء بأن رئيس الحكومة نتنياهو وحزب الليكود ليسا ضد المواطنين الفلسطينيين، وإنما ضد الأحزاب العربية التي يتهمها نتنياهو وحكومته كذباً، بأنها لا تهتم بقضايا الناس، وتترك هذه القضايا لصالح الاشتغال بالقضية الفلسطينية والصراع مع الفلسطينيين”.

في المقابل فإن القائمة المشتركة للأحزاب العربية في الداخل، التي أعلنت أمس الأول، على لسان رئيسها أيمن عودة، أنها لن تصوت لحكومة يشارك فيها ليبرمان، من جهة، وأنها لن تدعم غانتس في حال أعلن تبنيه خطة “صفقة القرن”، تواجه صعوبات في بث روح الحماسة في المجتمع الفلسطيني للمشاركة في الانتخابات، خصوصاً في ظل تكريس موقف رفض مشاركتها في الحكومة وفق إعلان غانتس، من جهة، وإعلانها أنها لن تدعم حكومة تؤيد “صفقة القرن” وضم المستوطنات وغور الأردن، ما يؤثر سلباً على دعايتها الانتخابية، ومحاولاتها رفع نسبة التصويت عند الفلسطينيين في الداخل، وتحقيق عدد أكبر من المقاعد تحت شعار التأثير من داخل الكنيست، ومن خلال تفاهمات مع حكومة جديدة يقودها غانتس.

ويبدو أن أقصى ما يمكن أن تحققه القائمة المشتركة، في المرحلة الحالية، وفي حال حققت نفس عدد المقاعد (13)، أو حتى أضافت مقعداً أو اثنين، هو كونها عملياً جسما معطِّلا، يحول دون تمكن نتنياهو من الوصول إلى 61 مقعداً، كما يمنع غانتس من تشكيل حكومة ائتلاف ضيقة. وبالتالي فإن ذلك ينذر أيضاً، بحسب آراء متابعين، بألا تكون للانتخابات المقبلة قدرة على كسر الجمود السياسي في إسرائيل. وقد عزز ذلك تقرير، نشر الأسبوع الماضي، أشار إلى أن موظفي لجنة الانتخابات المركزية التي تشرف على الانتخابات في إسرائيل، يستعدون أيضاً لاحتمال إجراء انتخابات رابعة في سبتمبر المقبل.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً