استعمار القمر… من سيقطف الكوكب الصغير؟

يحمل أغنى رجل في العالم، جيف بيزوس، على عاتقه، مهمة العودة برواد الولايات المتحدة الفضائيين إلى القمر. يقول في أحد خطاباته: “حان الوقت لنعود إلى القمر… هذه المرة نعود لنبقى هناك”. بيزوس الذي صنع ثروته بفضل “أمازون“، أسس أيضًا شركة “بلو أوريجين”، التي تهدف، بحسب موقعها الرسمي إلى “بناء الطريق للأجيال القادمة نحو الفضاء”.


هناك على الأقل شركتان أخريان تنافسان “بلو أوريجين” في أهدافها، هما شركة “فيرجين غالاكتيك” التي يملكها ريتشارد برانسون، مؤسس مجموعة فيرجن، وشركة “سبيس إكس” التي يملكها إيلون ماسك، والتي تتفوق على منافستها.


في صيف 2020، أصبحت “سبيس إكس” أول شركة خاصة في العالم تنقل رحلة مأهولة بنجاح إلى محطة الفضاء الدولية. تحولت المنافسة بين “بلو أوريجين” و”سبيس إكس” بسرعة إلى عداوة بين كل من ماسك وبيزوس، اللذين لا يكفان عن خوض المناكفات الصبيانية عبر تويتر. آخرها كان في تغريدات تبعت إعلان ناسا تفضيلها التعاون مع شركة “سبيس إكس” في المهمة المرتقبة، والتي تخطط فيها ناسا لعودة روادها إلى القمر، وتسعى إلى أن يكون بينهم لأول مرّة امرأة، وشخص من ذوي البشرة الملونة. لم تطأ قدم الإنسان سطح القمر منذ آخر رحلات برنامج أبولو عام 1972.



أطلقت ناسا هذا البرنامج في بداية ستينيات القرن الماضي، ووعد جون إف كينيدي الأمة الأميركية في خطابه الشهير عام 1962 بالذهاب إلى القمر. في تلك الفترة، كان الاتحاد السوفييتي متفوقًا على الولايات المتحدة في ما صار يُعرف بـ “سباق الفضاء”. حفّزت المنافسة مع الخصم الروسي الحكومة الأميركية لضخ ميزانيات هائلة من أجل دعم برامج استكشاف الفضاء، خصوصًا بعد أن وضع الاتحاد السوفييتي أول قمر صناعي في مدار الأرض. بطبيعة الحال، رأت الحكومة الأميركية في ذلك تهديدًا لأمنها، ودخل البلدان في منافسة شرسة، حافظ السوفييت في بدايتها على تفوقهم، وسجلوا العديد من الإنجازات بقيادة سيرغي كوروليوف، وأرسلوا أول مركبة مأهولة، وأول رجل وأول امرأة إلى الفضاء. لكنّ برنامجهم تراجع بسرعة بعد مرض كوروليوف وموته عام 1966. في حين مضى رواد أبولو مرات عدة نحو القمر. في القرن الواحد والعشرين، انضمت دول أخرى إلى المنافسة منها الهند، والصين.


حققت الصين بعض الإنجازات المهمة من خلال برنامج “تشانغ – إي”. هبطت أول مركبة صينية غير مأهولة على سطح القمر عام 2013. وفي عام 2019، سجّلت الصين إنجازًا تاريخيًا بهبوط أول مركبة على الجانب البعيد للقمر. في نهاية عام 2020، غرست الصين علمها على سطح الكويكب، وعادت “تشانغ – إي 5” إلى الأرض محملة بعينات من سطحه، وهو إنجاز لم تحققه أي دول أخرى عدا الولايات المتحدة وروسيا.


للصين أيضًا، كما للولايات المتحدة وغيرها، نية في بناء مستعمرة لروادها على سطح القمر. لكن هذه الخطط ستتطلب تطوير تكنولوجيا تساعد الرواد على استخراج موارد ضرورية لبقائهم فترات أطول في الفضاء. توجد على سطح القمر وفي الكويكبات كميات لا تعد ولا تحصى من المعادن الثمينة، والأكسجين والمياه وغيرها. القمر غني بالألومنيوم والتيتانيوم، وربما الأهم من ذلك كله توفر كميات كبيرة من هيليوم-3 على الجانب البعيد الذي لا نراه من القمر. هيليوم-3 هو غاز نادر على الأرض، وفي حال توفره سيتمكن البشر من إنتاج طاقة نظيفة لا تتسبب بالإشعاعات الضارة، وتعوض عن الوقود الأحفوري.


استخراج هيليوم-3 من القمر هو بالتحديد ما كان يفعله سام بيل، الشخصية التي أداها سام روكويل في فيلم الخيال العلمي Moon الصادر عام 2009 للمخرج دنكان دونز. لكن هل يبقى استخراج هيليوم-3 من القمر مجرد موضوع لأفلام الخيال العلمي؟ لم يطور الإنسان بعد أي تكنولوجيا لازمة لاستخراج الموارد من أي مصدر في الفضاء، لكن الحكومة الأميركية تطمح إلى أن تُنجز الشركات الخاصة، مثل “سبيس إكس” و”بلو أوريجين”، وغيرها هذه المهمة نيابة عن ناسا. في 25 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2015، وبموافقة الكونغرس، وقّع أوباما قانونًا يسمح للشركات الأميركية بالاستفادة من موارد الفضاء واستخراجها. أمّا دوليًا، فهناك معاهدة واحدة أساسية تختص في تنظيم أنشطة الدول في الفضاء وهي “معاهدة الفضاء الخارجي” الموقعة عام 1967 من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة.


لم يطور الإنسان بعد أي تكنولوجيا لازمة لاستخراج الموارد من أي مصدر في الفضاء، لكن الحكومة الأميركية تطمح إلى أن تُنجز الشركات الخاصة هذه المهمة نيابة عن ناسا


هدفت هذه المعاهدة إلى تنظيم سباق الفضاء الدائر في حينها وضمان حفظ السلام خارج الأرض، ومنع استخدام الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، أو وضعها في مدار الأرض أو على القمر، أو في أي مكان آخر في الفضاء. كذلك، نصّت على أنه لا يحق لأي بلد ادعاء مُلكيته أو فرض سيادته على أي جزء من القمر أو أي جسم آخر في الفضاء. في عام 2008، انضمت نحو مائة دولة أخرى إلى معاهدة الفضاء الخارجي. هذه المعاهدة غير كافية لتنظيم النشاطات الجديدة التي تطرحها اليوم العديد من الدول والشركات الخاصة في الفضاء، مثل نشاطات التعدين أو استخلاص الموارد من القمر والكويكبات. المدير الـ13 لناسا، جيمس بريدينستاين، قال في حديث له مع “مؤسسة العالم الآمن” (Secure World Foundation) إن ناسا تحترم “معاهدة الفضاء الخارجي” وإن نيتها استخلاص الموارد من القمر أو الفضاء بشكل عام، لا تتعارض مع بنود المعاهدة التي تمنع الدول من فرض سيادتها الوطنية على الأجسام الفضائية. ولكي يوضح وجهة نظر الوكالة، يقول: “نحن نؤمن بأنه بإمكاننا استخلاص الموارد من القمر والاستفادة منها، بنفس الطريقة التي نستخلص فيها سمك التونا من المحيط، نحن لا نملك المحيط، لكن من خلال العمل الجاد والاستثمار في استخراج التونا من المحيط، تصبح التونا ملكًا لنا. هذه موارد قيمة للبشرية”.





Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً