استعمالات إسكندر بيك و"كنوزه": وثبٌ فوق الخيال التاريخي

في ثمانينيات القرن الماضي، برز في المشهد الثقافي السوري الأكاديميُّ طالب عمران (وُلد في طرطوس عام 1948) بعدّة روايات، ممثّلاً لما سُمّي “أدب الخيال العلمي“، بعدما عاد من “جامعة عليكرة” الهندية بدكتوراه في العلوم الرياضية – المنظومات التفاضلية، ليشتغل أستاذاً في كلية الهندسة بجامعة دمشق. لكن بعد أربعين سنة أصبح أغزر كاتب قصصي وروائي في العالم العربي في مجال “أدب الخيال العلمي”، بعد أن وصلَت مجموعاته القصصية ورواياته إلى سبعين؛ ابتداءً من “ضوء في الدائرة المعتمة” (اتحاد الكتاب العرب في دمشق 1980) وانتهاءً بـ”في البحث عن المدينة المفقودة” (وزارة الثقافة السورية 2021).


لكن، مع الوفرة الكمية التي بلغها عمران في هذا المجال، من دون الخوض في قيمتها الفنية، أصدر مؤخّراً رواية “كنوز إسكندر بيك” (دمشق 2021، لا تذكر الطبعة اسمَ الناشر)، التي انتقل فيها إلى مجال آخر لم يُوفَّق فيه لاعتبارات عديدة، فنّية وسياسية، لا تحتملها “رواية” من هذا النوع لتُغطّي على سبعين رواية ومجموعة قصصية له في مجال الخيال العلمي.


وفي الحقيقة، تنطلق هذه الرواية ممّا يفوق الخيال التاريخي (الموجود في الروايات الألبانية) لما جرى في ألبانيا في القرن الخامس عشر من قتال بين القائد الألباني العثماني المتمرّد على السلطان جورج كاستريوت، الذي اشتهر باسمه العثماني إسكندر بك بعد إسلامه، والحملات العثمانية عليه وصولاً إلى القتال الدائر في سورية خلال 2011 – 2018، وما حلّ بها من خراب بسبب “الإرهابيّين”، ليجعل بذلك أحداث الرواية تدور بين الماضي المفترَض والحاضر المشخّص ما بين ألبانيا وسورية، مع حرص واضح على أدلجة الماضي والحاضر هنا وهناك.


حرصٌ واضح على أدلجة الماضي والحاضر في سورية وألبانيا


وربما من المهم، هنا، ذكر أنَّ المؤلِّف قام بزيارة إلى ألبانيا قبل أسابيع لترويج كتابه هناك، واعترف لكاتب ألباني بأنّ كلّ ما كان يعرفه عن ألبانيا كان من قراءته لروايات اسماعيل كادريه المترجمة، وخاصّةً رواية “الحصن” التي تدور حول مقاومة إسكندر بك للحملات العثمانية التي أُرسلت لحصاره في حصنه بمدينة كرويا في وسط ألبانيا، وهو ما يذكره صراحة في روايته، مع استشهاده عدّة مرات بما ورد فيها. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما قام به كادريه من أدلجة في روايته لصالح النظام الشمولي الحاكم في ألبانيا آنذاك، نجد أنّ عمران سار على هذا النحو في الأدلجة في روايته، سواء فيما يتعلّق بألبانيا أو ما يتعلّق بما جرى في سورية بين 2011 و2018.



الخيال التاريخي وما فوق التاريخي


اختار طالب عمران موضوع روايته الجديدة من توليفة تجمع بين التاريخ الألباني في بداية الحكم العثماني وتاريخ سورية في نهاية حكم المماليك وبداية الحكم العثماني، وبين الحاضر سواء في ألبانيا المعاصرة التي “غزاها” بعض العرب بحجّة الدعوة للإسلام لأجل التمتّع بالزواج من فتياتها أو في سورية التي “غزاها” الغرباء من العرب وغير العرب لتدمير البلاد.




لكن لأجل حبكة كهذه، تجاوَز المؤلّف ما هو موجود ومستهلَك في الخيال التاريخي في الروايات الألبانية ليُبدع جديداً لم يسبقه إليه أحد من الكتّاب الألبان. وهكذا تقوم هذه الحبكة على وصية للقائد إسكندر بك قبل وفاته إلى أقاربه وأتباعه أن ينجوا بأنفسهم من العثمانيّين وأن يذهبوا إلى اليونان أو سورية التي كانت تحت الحكم المملوكي المعادي للعثمانيّين، إذ يمكن أن يلقوا هناك الأمان لهم. وكان من هؤلاء أحد أحفاد إسكندر بك الذي حمل معه “كنوزاً” من المخطوطات الألبانية التي تتضمّن ما كتبه المؤرّخ الألباني عبد اللطيف عن معارك إسكندر بك من داخل الحصن، وهي مخطوطاتٌ تختلف عن السردية العثمانية للمؤرّخ العثماني الذي كان يرافق الجيش العثماني. وتنتهي الرواية بعد مسلسل مطوّل على طريقة “الأبطال والحرامية” في دمشق القديمة وحاراتها وأنفاقها إلى العثور على هذه “الكنوز” من المخطوطات التي نُقلت إلى ألبانيا وأصبحت الآن “تُدرس بحرفية متقنة من قبل خبراء في الخط والآثار القديمة” حسب ما يرد في الصفحة الأخيرة للرواية (ص 276).


ما هو فوق الخيال التاريخي في هذه الحبكة هو أنّ الألبان كانوا يمرّون بحالة انتقالية في القرون الوسطى، وبالتالي لم يكن يوجد لديهم بعدُ لغة ألبانية مكتوبة في ذلك الوقت، ولا مخطوطات باللغة الألبانية، ولذلك ربما لاحظ المؤلّف خلال زيارته إلى ألبانيا بعد صدور روايته عدم وجد وثيقة واحدة بالألبانية في “متحف إسكندر بك” المهيب في حصن كرويا، الذي بُني خلال الحكم الشمولي، سواء بخطّه أو بخطّ أحد من كُتّاب الرسائل لديه.



شخصنة الرواية


مما يلفت النظر في هذه الرواية أنّ المؤلّف كسر الحاجز بين الواقع والإيهام بالواقع، سواء بالتصدير الذي كتبه كأكاديمي للرواية (ص 3)، والذي عبّر فيه عن إعجابه بالقائد إسكندر بك، أو باختياره لنفسه شخصية رئيسية (باسم تيسير) فيها. فمنذ الصفحة الأولى، لدينا إشارات كثيرة إلى نفسه وعمله في الجامعة والإعلام وشهرته ومعرفة ضبّاط وعناصر الحواجز في سورية له… وهكذا تبدأ الرواية في الصفحة الأولى (ص 5) من اتصال هاتفي يتلقّاه وهو “في مكتبه في الكلية” من زوجة زميله الذي راح ضحية “تفجير إرهابي”. وعندما قرّر السفر إلى ألبانيا وانطلق إلى المطار “كان يمر على الحواجز سريعاً، وغالبية من فيها يعرفونه من خلال اسمه المشهور” (ص15). وحتى عندما وصل إلى مطار بيروت “لم تكن إجراءات المطار معقّدة، وقد أبدوا له احتراماً لكونه أستاذاً في الجامعة” (ص 16)، وحتى عندما يجد من يعرفه في مطار إسطنبول يُعرّف بنفسه قائلاً: “أنا أكتب الرواية والقصة، وأغلبها عن الأزمان المقبلة” (ص 27)، وعندما وصل إلى مطار تيرانا والتقى بصحافي، عرّف نفسه: “أنا كاتب… أكتب عن المستقبل” (ص 30-31) وغير ذلك الكثير.


لكنّ المفاجأة تأتي في نهاية الرواية، حينما يكتشف بعد عودته إلى دمشق للبحث عن “الكنوز” التي جاءت مع حفيد إسكندر بك، أنّه من أصل ألباني، وأنّ “جدّه البعيد في القرن الخامس عشر” تزوج حفيدة إسكندر بك التي جاءت آنذاك إلى دمشق هرباً من العثمانيّين، وتنتهي بقصة حب مع ألبانية تعرّف عليها في ألبانيا (سالي) وعاد معها إلى ألبانيا بصحبة “الكنوز” التي عثرا عليها.



فوبيا الأتراك والعثمانيين


تكشف الرواية، منذ الصفحة الأولى، عن شخصنة أُخرى تُميّز كلّ العمل، ألا وهي الفوبيا من كلّ ما هو تركي وعثماني، والتي أصبحت تُعبّر عن المزاج الرسمي الجديد في سورية بعد “سنوات العسل” (2000 – 2011). ولا شكّ في أنّ اختيار شخصية إسكندر بك بعد أن تحوّل من قائد عسكري في الجيش العثماني إلى قائد معادٍ له خدم هذا المسار الروائي، إذ تعجّ الرواية بما قام به الجيش العثماني في القرى المجاورة للحصن خلال حصار إسكندر بك وبعد وفاته، ثم ما قام به العثمانيون بعد فتحهم لسورية من “مذابح وحشية في كلّ مكان” (ص 78). ويرتبط هذا الموقف بتركيا الأردوغانية التي سعت إلى إحياء التراث العثماني الذي لم يكن يلقى معارضة خلال تحسّن العلاقات بين البلدين، لكنّه تحوّل إلى فوبيا بعد 2011.


يقتصر ما يعرفه عن ألبانيا على ما قرأه من ترجمات لكادريه


لكنّ الموقف من العثمانيّين، الذي يرد عادةً بمقاربة الأسود والأبيض في المؤلّفات التاريخية والأدبية العربية المعاصرة، لا يفترض أن يقود بالضرورة إلى فوبيا أُخرى من الأتراك أو من كلّ ما هو تركي؛ فنظراً إلى أنّ خطّ سفر المؤلف – سعد في الرواية – إلى تيرانا يمرّ عبر مطار إسطنبول، يُصبح انتقاد ما هو تركي مباحاً حتى في الأمور التي لا يُتّفق عليها، ومن ذلك انتقاد رجال الشرطة في مطار إسطنبول لإهمالهم لما يحدث في المطار من خطف للشنط من السيّدات، وحتى انتقاد “فقر” الوجبات المقدَّمة على “الخطوط الجوّية التركية”!



اللون الواحد للإرهاب


على الرغم من العنوان وما يوحيه، يتشكّل انطباع لدى القارئ هو أنّ الهدف من هذه الرواية هو تسويق لسردية واحدة من السرديات الموجودة في سورية عما حدث خلال 2011 – 2018. فنظراً إلى مكانة المؤلّف في الإعلام السوري، نجد أنّ الرواية يسودها لون واحد للإرهاب، وهو الذي يسوّقه الإعلام الرسمي منذ 2011. فمنذ الصفحة الأولى، تبدأ الرواية باتصال هاتفي مع البطل – سعد في الرواية – من زوجة زميله في الجامعة (الدكتور صلاح) الذي “استشهد من جرّاء قذيفة هاون أصابت سيّارته وهو فيها داخل الحرم الجامعي” (ص 12- 13)، بينما تأتيه إلى مكتبه في الجامعة بعد دقائق طالبة تطلب مساعدته لنقلها من شعبة إلى أُخرى، وعندما يسألها عن ذلك تسترسل في خمس صفحات تسرد له معاناتها المؤثرة في طريق قدومها مع أختها من الرقّة إلى دمشق أمام “حاجز للغرباء” يحولون فيه ابتزاز النساء (ص 6- 12). 


ولأجل تعزيز هذه السردية الأحادية عن الإرهاب الذي دمّر سورية نجد أن المؤلف عرف كيف يحول القسم الثاني من الرواية، التي يقوم فيها مع طالبة الدكتوراة الألبانية التي تَعّرف عليها في تيرانا في البحث عن “كنوز إسكندر بك” في دمشق القديمة، إلى مسرح لاستعراض مدى انتشار “الجماعات الإرهابية” فوق الأرض وتحتها (في الأنفاق)، والتي كانت تعتقد أنّ “الكنوز” تشتمل على ذهب مخبوء. وهكذا يتعرّض أبطال الرواية (سعد وسالي وإدوارد) إلى خطف وتهديد وتعنيف من قبل هذه “الجماعات الإرهابية” التي تتميّز النساء فيها بملابس تدلّ على هوية نمطية، لكن ينتهي الأمر دوماً بتدخُّل الجيش ونجاحه في القضاء على هذه الجماعات، سواء في الشوارع أو في البيوت أو الأنفاق تحت الأرض.


بعد سبعين رواية ومجموعة قصصية من “الخيال العلمي”، تأتي رواية طالب عمران الجديدة مفاجأةً للقارئ؛ ابتداءً من شكل غلافها الذي يَصلح لكتاب آخر غير الرواية، وطباعتها الرديئة التي تخلو من اسم دار نشر أو مطبعة، ووصولاً إلى حبكتها المفتعلة التي تستلهم ما فوق الخيال التاريخي لتُحوّل الرواية إلى “لعبة أبطال وحرامية” في دمشق القديمة وضواحيها بين “حماة البلاد والإرهابيّين”.



* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري


 






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً