الأدب الألباني بالحروف العربية: "يا ربي، لا تتركني دون قهوة"!

مع توسُّع الدولة العثمانية في البلقان وتحوّلها إلى إمبراطورية تحكم عدّة شعوب أوروبية، أخذت اللغة/ الثقافة العثمانية الجديدة تنتشر، مع الإشارة إلى أن هذه اللغة الجديدة (التي أصبحت خليطاً يضمُّ التركية والعربية والفارسية) كانت تُكتب بالحروف العربية مع تعديلات أو إضافات على بعض الحروف حتى تعبّر عن بعض الأصوات التركية غير الموجودة في العربية. ومع انتشار الإسلام بين الشعوب الأوروبية في البلقان (وخاصة في البوسنة وألبانيا وبلغاريا)، برز توجُّه جديد بين المثقّفين المسلمين لكتابة اللغات البلقانية بحروف عربية، وهو ما أنتج أدباً جديداً يعبّر عن تأثر كبير بالثقافة العثمانية والعربية الإسلامية بشكل أوسع.


وفي ما يتعلّق بالألبان، الذين أصبحوا تحت الحكم العثماني منذ القرن الخامس عشر، فقد كانوا قد انقسموا قبل ذلك، مع انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية، إلى شمال كاثوليكي تحت تأثير الثقافة اللاتينية وجنوب أرثوذكسي تحت تأثير الثقافة اليونانية، حيث اعتمد المثقّفون في الشمال الحروف اللاتينية للغتهم الألبانية، بينما اعتمد المثقّفون في الجنوب الحروف اليونانية للكتابة بلغتهم الألبانية. ومع انتشار الإسلام بين الألبان الذي شمل غالبيهم حتى القرن الثامن عشر، توجّه المثقفون تحت تأثير الثقافة العثمانية إلى الكتابة في الألبانية بالحروف العربية، مع تعديلات على بعضها لكي تعبّر عن الأصوات غير الموجودة في العربية.



القهوة والمقاهي والشعر


وهكذا، مع متغيّرات العهد العثماني التي شملت انتشار القهوة والمقاهي، لاحظ الرحالة العثماني أوليا جلبي، خلال تجواله في جنوب ألبانيا عام 1670، كيف أن المقاهي في مدينة بيرات Berat كانت ملتقى للمثقّفين الذين كانوا يتناقشون ويستعرضون آخر قصائدهم، كما أصبح الشعر مجالاً واسعاً لا يشمل الغزل الصوفي والعشق الإنساني فحسب، وإنما يوجّه أيضاً سهام النقد للأوضاع السائدة، ممّا أدّى إلى سجن أهمّ شاعر في ذلك الوقت: إبراهيم بيراتي (1685 – 1760).


كانت الكتابة بالعربية مظهراً من مظاهر تأثير الثقافة العثمانية


ولكن من الملاحظ أنه مع عدم وجود مركز ثقافي/ سياسي واحد للألبان خلال الحكم العثماني بل بقوا متوزّعين على أربع ولايات واسعة تتحكّم بها أهواء حكّامها، لم يتم اعتماد أبجدية واحدة للغة الألبانية بالحروف العربية، بل قام الجيل الأول والثاني والثالث باعتماد أكثر من اجتهاد لابتكار حروف مميّزة تُعبّر عن النظام الصوتي للغة الألبانية الذي يختلف عن العربية. ونظراً إلى عدم انتشار الطباعة في الدولة العثمانية عند المسلمين حتى أواخر القرن الثامن عشر، في الوقت الذي كان فيه الألبان المسيحيون يحظون بحق طبع الكتب، فقد بقي التراث الأدبي الألباني الجديد للغالبية المسلمة مخطوطاً، وقد ضاع معظمه بسبب حروب المنطقة، بينما لم تبدأ طباعة هذا النتاج إلّا في النصف الثاني للقرن التاسع عشر.


وفي هذا السياق، وإلى أن يتم العثور على جديد، فإنّ أقدم نص أدبي مكتوب بالحروف العربية يعود إلى 1724، وهو قصيدة بعنوان “يا ربي، لا تتركني دون قهوة” للشاعر موتشي زاده. ومن عنوان هذه القصيدة يمكن التعرّف على مضمون هذا النتاج الأدبي الجديد للشعراء الألبان المسلمين الذين كانوا، بسبب معرفتهم بالعثمانية والعربية والفارسية، على إطلاع على تراث شعري غنيّ في الشرق، وتناولوا فوراً موضوعات جديدة عاطفية واجتماعية وحياتية لم تكن معروفة في الشعر الألباني المكتوب بالحروف اللاتينية في الشمال، أو في الشعر المكتوب بالحروف اليونانية في الجنوب الذي كان تحت تأثير الكنيسة هنا وهناك.




وبعد عدّة سنوات برز شاعر شاب في مدينة بيرات التي تغنّى بها الرحالة أوليا جلبي اسمه ابراهيم (1865 – 1760) جاء من قرية مجاورة للدراسة في هذه المدينة، حيث تعلّم اللغات العثمانية والعربية والفارسية واتّخذ مخلّصاً له (ناظم) بعد أن كتب أول قصيدة في 1731. ولكن سرعان ما انتشرت أشعاره بسبب الموضوعات التي تناولها وأصبح بحق أهم شاعر لهذا الأدب الألباني الجديد بالحروف العربية. وما إن جاءت سنة 1736 حتى كان قد أعدّ أول ديوان شعر في الألبانية ثم آخر في العثمانية والفارسية ليُثبت شاعريته ليس في اللغة الألبانية وحسب. وحتى في اللغة الألبانية كان الشاعر إبراهيم يفتخر في ديوانه بأنه صاحب أول “ديوان” divan في الألبانية، تماشياً مع مدرسة الديوان في الأدب العثماني.



نقد للحياة اليومية لا تتحمّله السلطة


ولكن إبراهيم بيراتي Ibrahim Berati (المنسوب إلى مدينة بيرات) اشتهر أيضاً بمساجلاته الشعرية مع شعراء المدينة، وكان من بينهم مفتيها الملا علي. ويبدو أن إبراهيم أفحم المفتي في مساجلاته، ولذلك أصدر شيخ الإسلام أمراً بعزل المفتي. ولكن النقد الموجّه في قصائده الأُخرى للحالة الراهنة لم تتحمّله السلطة العثمانية فاعتقلته وأرسلته إلى السجن في إسطنبول، حيث توفي نتيجة لانتشار الكوليرا في 1760.


ومع بروز الحركة القومية الألبانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع الشعور المتزايد بالتهديد الوجودي من المشاريع القومية المجاورة، كان ما يميّز هذه الحركة وعيها إلى خلق هوية قومية جديدة تقوم على ما هو مشترك بين الألبان (اللغة والثقافة) وليس على ما يفرّق الألبان (الدين والثقافة الملحقة به)، ولذلك سعت النخبة القومية إلى وضع أبجدية واحدة للألبان بالاعتماد على الحروف اللاتينية تكون أكثر مناسبة للنظام الصوتي للغة الألبانية. وقد اتّسمت الحركة القومية الألبانية بحسم خيارها الثقافي بكونها جزءا من الثقافة الأوروبية لتأمين دولة معترف بها بعد أن بدت السفينة العثمانية آيلة للغرق.


بقي الحرف العربي في كوسوفو حتى منتصف القرن العشرين


وهكذا مع إعلان الاستقلال عن الدولة العثمانية في أواخر 1912 واعتراف الدول الأوروبية الرئيسية به في صيف 1913، واستقرار هذه الدولة في 1920 بانضمامها لعصبة الأمم، حُسم موضوع الأبجدية الألبانية نهائياً لصالح الحروف اللاتينية الحالية. ولكن اعتراف الدول الأوروبية ترك النصف الآخر للألبان (ولاية كوسوفو) خارج ألبانيا، تحت حكم صربيا والجبل الأسود ثم يوغسلافيا، حيث بقي الشعراء الألبان هناك يستخدمون الألبانية بالحروف العربية حتى منتصف القرن العشرين.



بين الازدراء المسيَّس والاهتمام العلمي


كان هذا الأدب الممثِّل للغالبية المسلمة يمثّل ريادة شعرية بحكم اطلاع أصحابه على التجارب الشعرية الغنية للشعراء العرب والفرس والأتراك من الحب الصوفي إلى الحب المكشوف ومن مدح الحكّام إلى هجاء السلطة القائمة. ونظراً إلى أنّ هذا الأدب استمر حوالي قرنين وبرز فيه عشرات الشعراء الذين أبدعوا أيضاً أولى الملاحم الشعرية في الألبانية، فقد كان من الطبيعي في ألبانيا الملكية بعد أن استقرّت الدولة ونشأت المؤسّسات والحركة الثقافية الجديدة أن يتمّ تعريف الجيل الجديد من الألبان، الذي لم يعد في وسعه قراءة ذلك الأدب بالحروف العربية، بذلك التراث الأدبي وأعلامه، حتى مع التوجّه المعلن للملك أحمد زوغو للاندماج في الغرب وثقافته.


ومع سيطرة الحزب الشيوعي على السلطة في ألبانيا عام 1945، تميَّز العهد الأول (1945 – 1967) بالحفاظ على الحد الأدنى من الحريات الدينية والأكاديمية، وهو ما سمح لعالم متخصص مثل O.Myderzi عثمان مدرّسي (1891 – 1973) أن ينشر عدّة دراسات مرجعية حول هذا التراث الأدبي، التي أسّست قاعدة مرجعية للجيل اللاحق من الباحثين. ولكن بعد “الثورة الثقافية” التي أوصلت إلى إعلان ألبانيا “أول دولة إلحادية في التاريخ” في 1967 تبدّل الحال إلى نقد وازدراء كل ما هو “شرقي” في التراث الألباني، وهو ما انعكس أيضاً في النتاج الجديد للكتّاب (وخصوصاً إسماعيل كاداريه) الذي أصبح يقدّم صورة سلبية للشرق سواء العربي أو العثماني.


ولكن في الطرف الألباني الآخر (كوسوفو)، افتُتح أوّل قسم للدراسات الشرقية في “جامعة بريشتينا” عام 1973، والذي تصادف أن يكون مؤسّسه حسن كلشي من المعنيين بهذا الأدب الألباني المكتوب بالحروف العربية ليتخرّج على يديه باحثون متخصّصون في هذا المجال. وقد قام هذا الجيل (نهاد كراسنيتش، وعيسى مميشي، ويحيى هندوسي وغيرهم) بدراسة هذا الأدب وإعادة نشر أعمال أبرز روّاده في الأبجدية اللاتينية لكي تكون في متناول الأجيال التي وُلدت خلال القرن العشرين. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى قيام هندوسي في 2004 بإعادة ديوان الشاعر Hilmi Maliqi حلمي ماليتشي (1865 – 1928)، الذي يعتبر أهم شاعر كوسوفي في هذا المجال.




ومع أنّ كاداريه كان يتبوّأ أعلى المناصب في النظام الشيوعي حينما كتب ما كتبه (عضو “مجلس الشعب” ثم نائب رئيس “الجبهة الديموقراطية” الواجهة الشكلية للنظام الشيوعي الحاكم)، إلّا أنه بعد سقوط النظام الشيوعي بقي على حساسيته ممّا بقي للألبان من صلات بالشرق وقال في لحظة حماس أنّ قدر الألبان أن يعودوا إلى ثقافتهم المسيحية الأولى وأن يندمجوا في أوروبا تماماً. وقد عبّر عن ذلك في كتابه “الهوية الأوروبية للألبان” الصادر في 2006، والذي أثار سجالاً بينه وبين أبرز مثقّف ألباني في كوسوفو R.Qosja رجب تشوسيا (1936).


كان هذا الموقف المفاجئ لمثقّف يعيش في باريس آنذاك يعبّر عن تناقض، لأنّ الدارسين الألبانيين المتخصّصين في هذا الأدب الألباني المكتوب بالحروف العربية قد كشفوا عمّا فيه من ريادة بالتعبير عن هموم فردية ومشاعر عاطفية وموضوعات اجتماعية لم تكن معروفة في الشعر الألباني حتى القرن الثامن عشر، بينما اكتفى كاداريه لازدراء هذا الأدب بالتركيز فقط على تناوله لموضوعات “غير أخلاقية” (وجود بعض القصائد التي تلمّح إلى جمال الصبيان الشائع في الآداب الشرقية).


ولكن محاولة كاداريه هذه، التي أراد فيها استفزاز النزعة الشرقية المحافظة في البلقان ضدّ المثلية، لم تعد تفيد بل ارتدّت عليه مع تعاظم الحركات المطالبة بالحرية الجنسية بعد صدور الكتاب، حتى لم يعد بوسع كاتب أو سياسي أن يعارض مثل هذه النزعة. وفي الوقت نفسه قد يبدو من الصدفة أن يقوم باحثان معروفان في بريشتينا وتيرانا بإعادة نشر “ديوان” إبراهيم بيراتي في الأبجدية اللاتينية: عبد الله حميدي في بريشتينا عام 2008، وغنسيانا أباظي- أرغيو في تيرانا عام 2009.



* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً