الأدب الكبير: "كتاب العزلة" للبُستي… الوحدة بوصفها فلسفة حياة

تُلقي زاوية “الأدب الكبير” الضوء على كتب وأسماء أساسية من التراث العربي والإسلامي انشغلت بالإنساني والكوني، ما يجعلها راهنة في أيّامنا هذه. هنا عودة إلى “كتاب العزلة” لأبي سليمان الخطابي البُستي، أحد كتب التراث النادرة التي ساءلت مفهوم الوحدة.


 


من المفاهيم التي نادراً ما تطرّق لها روّاد التراث العربي القديم، مفهوم الوحدة أو العزلة، خارج مقامها الصوفي ومعنى الخلوة للتعبّد والاعتكاف على العبادة كما وصفه أهل الطريق، وبعيداً عن مفهوم “الهيمان على الوجه” الذي جَسّدته بالدرجة الأولى شخصية مجنون ليلى، الذي سجّل التاريخ عنه أن العشق “أخرجه للوسواس والهيمان، وذهاب العقل، وهبوط الأودية، وصعود الجبال، والوطء على العَوْسجِ وحرارة الرّمال، والتفرّد بالصّحاري والاسْتيحاش من النّاس، والاستئناس بالوحش” (كتاب “الموشّى”، القرن الثالث الهجري). وهو ــ أي المجنون ــ الذي يقول قبل أن يعتزل النّاس: “وإنّي لأستغشي وما بي نَعسةٌ/ لعلَّ خيالاً منكِ يلقى خياليا/ وأخرجُ من بين الجلوس لعلّني/ أُحدِّث عنك النّفس بالسِرّ خاليا”.


وكَثُرَ الكلام في التراث القديم عن الإخوان والأصدقاء والسعي وراءهم، واكتساب أكبر عدد منهم للاعتداد بهم، والاستمتاع بأطراف الحديث معهم، حتى قال معاوية بن أبي سفيان لعمرو بن العاص: ما بقي ممّا تستلذّه؟ فأجاب: مجالسةُ الرجال.  والمجالس هي عماد هذه الحضارة ومكوّن أساسي لها. وليست فصول ذمِّ ما سمّوه بإخوان السوء، إلّا للحثّ على التزيّن بالصديق المُساعد. وبالمقابل، قلّ الحديث عن الخلوة والعُزلة، ولكنْ لم ينعدم.


وقد أفرد أبو سليمان الخطابي البُستي (توفي سنة 388 هجرية)، وهو من مدينة بُست بأفغانستان، كتاباً في ذلك لم يسبقه إليه أحد، وهو “كتاب العُزْلة”. وفيه يشرع ــ بالأسلوب المتدرّج الشائع الحذِر لدى الفقهاء والكتّاب القدماء ــ في تحديد ما يعنيه بالعزلة، نافياً عن نفسه تُهمة الضرر بالآخرين من سوء النصيحة، قبل حدوثها: “وأمّا عزلة الأبدان، ومفارقة الجماعة التي هي العوام، فإن من حُكمها أن تكون تابعة للحاجة وجارية مع المصلحة، وذلك أن عظم الفائدة في اجتماع الناس في المدن وتجاورهم في الأمصار إنما هو أن يتضافروا فيتعاونوا على المصالح ويتآزروا فيها، إذ كانت مصالحهم لا تكتمل إلّا به، ومعايشهم لا تزكوا إلا عليه. فعلى الإنسان أن يتأمّل حال نفسه فينظر في أية طبقة يقع منهم وفي أية جنبة ينحاز من جملتهم، فإن كانت أحواله تقتضيه المقام بين ظهراني العامّة لِما يلزمه من إصلاح المهنة التي لا غنية له عنها، ولا يجد بُدّاً من الاستعانة بهم فيها، ولا وجه لمفارقتهم في الدار، ومباعدتهم في السكن والجوار، فإنه إذا فعل ذلك تضرّر بوحدته، وأضرّ بمَن وراءه من أهله وأُسرته. وإن كانت نفسه بكُلّها مستقلة، وحاله في ذاته وذويه متماسكة، فالاختيار له في هذا الزمان اعتزالُ الناس ومفارقة عوامّهم، فإن السلامة في مجانبتهم والرّاحة في التّباعد منهم”.


تَوَحَّدْ ما أمكنك، فمن وطئته الأعين، وطئته الأرجل


وبعدما أبان على حُسن اختيار الوحدة، يواصل تدقيق المعنى المُراد والحال المُبْتَغى بالعزلة: “إنّما نريد بالعزلة ترك فضول الصُّحبة ونبذ الزيادة منها وحطّ العِلاوة التي لا حاجة بك إليها، فإن مَن جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم على ما يدعو إليه شغفُ النفوس وإلف العادات وترك الاقتصاد فيها، كان جديراً ألّا يُحمد غِبّه وأن تُستوخم عاقبتُه، وكان سبيلُه في ذلك سبيلَ مَن يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته، فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مُدنفة، وأسقام مُتلفة، وليس مَن عَلِم كمَن جهل، ولا من جّرب وامتحن كمن ماد وخاطر”.


ويستمرّ في شرح العزوف عن وحدة الأبدان، ليقرنها بخلوّ الأذهان من كفاية الفكرة والتأمّل: “قال بعض الحكماء: إنما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته وعدم الفضيلة من نفسه، فيتكثّر حينئذ بملاقاة الناس، فإذا كانت ذاته فاضلة، طلب الوحدة ليستعين على الفكرة ويتفرّغ لاستخراج الحكمة”. ويروي البستي عن علي بن سهل بن المغيرة عن أبيه: رأيتُ شريكاً (بن عبد الله مات سنة 144 هجرية) وقد خرج من دار المهدي، فاحتَوَشَه (أي أحاطوا به) أصحاب الحديث، فتقدّمتُ إليه وقلت له: اطردهم عنك يا أبا عبد الله، قال: وانْطَرِدْ معهم! ويكتب أبو سليمان البستي: “ويقال إن الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس”، ويضيف: “ورأيت أن خير هذه الأجزاء عزلة الناس”، وللعزلة شرطٌ تلخّصه كلمتان: “تفَقّه ثم اعتزل”.




وبعد طرح ضرورة الوحدة كأبلغ وجوه الحكمة، يشمل الخاصّة في كلامه بعدما استقصد العامّة فقط، ويكون قد بلغ بالعزلة أعلى مقاماتها: “ومن قول بعضهم، وقد كان لزم المقابر فكان يغدو إليها ويروح ومعه دفتر، فقيل له في ذلك، فقال: لم أرَ أسلم من وحدة، ولا أوعظ من قبر، ولا جليسا أمتع من دفتر”. وللجاحظ نصوص شهيرة تحتفي بالكتاب كخير جليس ومؤنس. وللمتنبي في نفس المعنى بيته الشهير: “أجَلُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ/ وخيرُ جليسٍ في الزَّمان كِتابُ”.


ولم يَفُت أبا سليمان التطّرقُ لمزيّةٍ للعزلة تحدّثتْ عنها جلُّ كتب العصور الأولى، وأثارت الأحاديث والنُّتف ودخلت في باب السخرية والمزح: “في العزلة السلامة من صحبة الثقيل ومؤنة النظر إليه، فإن ذلك هو العمى الأصغر! ومن ذلك أيضاً، قيل للأعمش: مِمَّ عمِشت عيناك؟ قال: من النظر إلى الثقلاء. وقال الأعمش، قال جالينوس: لكلّ شيء حُمّى، وحمّى الرّوح النظر إلى الثقيل”.


وفي رسالة “الشِّهاب الثّاقب في ذمّ الخليل والصّاحب” يقول السيوطي (القرن التاسع الهجري): “ومنهم مَن اعتبر أن الوحدة مرآة العقل”. وهذا من أدِلّة البستي على ضرورة العزلة وتفوُّقها كصيغة للعيش، حيث يورد أبياتاً له: “إذا خَلوْت صفا ذهني وعارضني/ خواطر كطِراز البَرْق في الظُّلَمِ/ وإن توالى صياحُ النّاعِقين على/ أُذْني، عَرَتني مِنْه لكنة العجمِ”.


ويشرح البُستي هذه الحال بدقّة في قوله: “وفي العزلة أنها مُعينةٌ لمَن أراد نظراً في عِلم، أو إثارة لدفين رأي، أو استنباطاً لحكمة، لأنّ شيئاً منها لا يجيء إلّا مع خلاء الذرع، وفراغ القلب”. وللإمام الشافعي في ذلك: “احْفل لنفسك في تفريدها أبداً”. ويستطرد: “كتبَ رجلٌ من أهل الموصل إلى بِشر بن الحارث يستأذنه أن يلقاه، فقال بِشر: “أحبُّ إخواني إليّ من لا يراني ولا أراه”. وينظم في هذا المعنى (الاكتفاء من الصديق بغيابه): “وإنما منهم صديقي/ من لا يراني ولا أراه”.


يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته وعدم الفضيلة من نفسه


ومنهم مَن ذهب إلى الغلو في طلب الوحدة حتّى تمنّى المرض والعماء، بل الموت، كيلا يرى الناس. وقد خصّص البستي في “كتاب العزلة” باباً في الموضوع. وللاحتراز من خيانة المقرّبين، اختار الكثير نهج طريق الوحدة. ومن ذلك جواب أبي العتاهية وهو على سرير الموت لشخص سأله: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن يكون زَلزل (المغنّي الشهير) عن يميني، ومُخارق (المغني الشهير أيضاً) عن يساري، في حِجْر كلّ واحد منهما عود، يدخلان في وتر واحد، ويغنّياني بهذا البيت: سيُعرَض عن ذِكري وتُنسى مودّتي/ ويَحدث بعدي للخليل خليلُ”.


وفي نفس السياق، يورد البستي بصيغة أكثر جزماً وأشدّ وأجمل: “تَوَحَّدْ ما أمكنك، فمن وطئته الأعين، وطئته الأرجل”. صيغةٌ تدعو إلى الطلب الحثيث للوحدة والاكتفاء بالنَّفْس كجليس وأنيس ومُخالِل. “قال محمد بن العباس النحوي (المبّرد): كتب إليّ بن لمجة يستزيرُني، فكتبت إليه: أنَسَتْ نفسي بنفسي/ فهي في الوحدة أُنسي/ وإذا آنسَتْ غيري/ فأحقُّ الناس نَفْسي”.


ومن ميّزات العزلة لدى البستي أنها خالعةٌ لربقةِ ذلّ الآمال، وقاطعةٌ رقّ الأطماع، ومعيدة عزّ اليأس من الناس. لأن اعتماد الناس عبودية، والاختلاط بهم يحرّك غريزة الطمع فيما يملكونه، والرغبة في الوصول إلى مراتبهم أو ما نسميه على أيامنا ركوب “المصعد الاجتماعي”، وربط العلاقات “المفيدة” مهنياً أو اجتماعياً أو ما نسميه “الريزو”، أو شبكة العلاقات، أو الرِّق الحديث.


كما يطمح البستي إلى تجديد مفهوم “اليأس” وطرحه كخُلُق ومنهج راقٍ للحياة، وفي نفس الوقت يسلّم أنه مذهبٌ متروك في عصره، على ألّا يكاد يخلو كتاب أدب قديم من مقولة: “في اليأس راحة”، والتي تؤسّس للوحدة كفلسفة حياة محضة، منفصلة عن أي اعتبار ديني أو سياسي، مع وجود مبرّرات دينية وسياسية طرحها البستي في بداية مؤلفه، حتى لا يلومه لائم، أو يُنقصَ من دينه. فعلى نحو مؤلّفي العصور الأولى للإسلام، يقوم البستي بذكر جُلّ الآيات والأحاديث التي تدعو للاختلاط والائتلاف والتشابك، ثم يعرض من الآيات والأحاديث ما يدحض أو يلغي الأولى، ويتّخذها حججاً تفتح أبواباً ممكنة في سلوك اجتماعي مختلف، ويكون اختيار الوحدة غير مخالف لدين أو لرأي.



* شاعرة وروائية مغربية مقيمة في باريس






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً