الأردن: بحث عن قانون انتخابي مفقود منذ 30 عاماً

يتجدد اليوم في الأردن البحث عن قانون انتخاب مفقود يعيد الحياة الديمقراطية إلى مسارها الصحيح، فبعد 4 سنوات من انتخاب برلمان 1989، توقّفت عربة الإصلاح السياسي، فيما يستمر الجدل حول قانون الانتخاب المطلوب لتنمية الحياة السياسية وتطوير أداء البرلمان، وسط اتهامات للسلطة التنفيذية بصناعة قوانين انتخاب تُحكِم من خلالها سيطرتها على السلطة التشريعية. وتطالب مختلف الأطياف السياسية اليوم بقانون انتخاب قادر على تطوير الحياة السياسية والحزبية في الأردن، والعمل على تغيير الثقافة المجتمعية في ما يخص الترشح والتصويت في الانتخابات النيابية، والتفكير بحلول أخرى خارج إطار النظام الانتخابي الحالي، خصوصاً بعد دعوة العاهل الأردني عبد الله الثاني، في مقابلة مع وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا) نُشرت في 10 يناير/كانون الثاني الماضي، إلى ضرورة إعادة النظر في قوانين الانتخاب والأحزاب والإدارة المحلية، بهدف تعزيز المشاركة السياسية للأحزاب وللشباب.


وإلى حين حسم الجدل الوطني حول قانون الانتخاب المرتقب، يحضر في النقاش الوطني الإرث الطويل من قوانين الانتخاب وتجارب الانتخابات النيابية التي جرت وفقها، بعضها كان مؤقتاً وأخرى جاءت دائمة، ليستند كل طرف إليها في الدفاع عن رؤيته ومطالبه من القانون الذي يريد. ويذكر الأردنيون في نقاشاتهم ومجالسهم السياسية محاسن مجلس نواب 1989، والقانون الذي انتُخب على أساسه والذي اعتمد على القوائم المفتوحة مع حق الناخب بالتنقل بين كافة القوائم في الدائرة الانتخابية الواحدة، واختيار من يشاء من المرشحين فيعطيه صوته، من دون أن يكون ملزماً بقائمة واحدة.


ومن ثم جاء نظام الصوت الواحد في الانتخابات، منذ 1993 وحتى 2007. ويقوم الناخب في ظل هذا النظام بالاقتراع لصالح مرشح واحد فقط في دائرته، ويتم ذلك في دوائر متعددة التمثيل، ويفوز أكثر من ممثل واحد عن كل دائرة انتخابية. وكان واضحاً أن هذا التعديل قد استهدف الحد من نفوذ القوى السياسية المنظَّمة، وفي مقدمتها جماعة “الإخوان المسلمين”.


يكشف التغيير المستمر لقوانين الانتخاب، تخوّف السلطات من سيطرة حزب معين على القرار الحكومي


بعد ذلك جاء نظام “الدوائر الوهمية”، وهو مصطلح أطلقه سياسيون على هذا النظام لعدم وجودها على أرض الواقع، وأجريت بناء عليه انتخابات 2010 وأوجدت في كل دائرة مقعداً لدوائر “فرعية” أو “وهمية”. بعد ذلك جاء قانون الانتخاب لسنة 2012، وبموجبه ارتفع عدد مقاعد مجلس النواب إلى 150، خصص 15 منها للكوتا النسائية و27 للقائمة الوطنية، كما تم منح كل ناخب صوتين (صوت للقائمة المغلقة وصوت لمرشح الدائرة). وأخيراً جاء القانون رقم 6 لسنة 2016، ووفقه أصبح عدد أعضاء البرلمان 130 عضواً، مع اعتماد الدوائر الانتخابية السابقة، واشتراط أن يتم الترشح عن طريق القائمة النسبية المفتوحة.


ويكشف التغيير المستمر والدائم بقوانين الانتخاب، التخوّف الأمني للسلطات الأردنية من سيطرة حزب معين على القرار الحكومي، لكن هناك من يرى أن الخسائر كانت كبيرة بسبب إضعاف الأحزاب الأردنية والتشتت السياسي، ما فتح المجال أمام المحسوبية والفساد للسيطرة على القرار الحكومي. كما تم وضع الكيان السياسي والاقتصادي للدولة رهينة لدى القوى السياسية الإقليمية والعالمية، وأسيراً لمؤسسات الإقراض الدولي.


رؤية غير واضحة

وأعلن وزير الشؤون السياسية والبرلمانية موسى المعايطة، في تصريحات صحافية أخيراً، أن قانون الانتخاب الحالي لم يؤدِ النتائج المرجوة خلال الدورتين الماضيتين وعليه ملاحظات عدة، وأن القانون الجديد سيكون لتأطير الحياة السياسية، وأن تكون الانتخاب على أساس برامجي وحزبي، والوصول إلى حكومة برلمانية. ويقول مصدر حكومي مطلع لـ”العربي الجديد”، إن الرؤيا غير واضحة حتى اللحظة بشأن التعديلات التي ستجرى على قانون الانتخاب، مشيراً إلى أن الحكومة ستبدأ حواراً لمعرفة التعديلات المقترحة مع القوى السياسية في البلاد. إلا أن النائب الأسبق من التيار المدني”معا”، خالد رمضان، ينظر إلى القانون بشكل مختلف، ويقول لـ”العربي الجديد”: “نحن نقرأ القانون كقرار سياسي وليس قراراً فنياً”، مضيفاً أن “الانتخابات التي جرت عام 1989، كانت وفق قانون المغالبة، ثم انتقلنا إلى قانون الصوت الواحد عام 1993 حتى عام 2013، وبعد ذلك اللجوء إلى صيغ ملتبسة منها الدوائر الوهمية، ومن ثم تمثيل نسبي قائم على قائمة مفتوحة”.


ويضيف رمضان أن مقدمات اختيار قانون مناسب تتطلب بيئة إيجابية بمنطق الثلاثة أركان بما تمثله “معا”، وهي الذهاب باتجاه مفاهيم المواطنة والعدالة والأمان، وقانون يحمل في طياته الطريق نحو الإصلاح الاجتماعي والثقافي، والتصدي للمشكلة الاقتصادية. ويرى أن أي قانون يكون منقوصاً إذا لم ينخرط المواطنون عبره في إدارة أنفسهم وشؤونهم اليومية، ولذلك يتطلب القانون التوافقي أن تترك الجهات المتنفذة في الدولة منطق قمع الحريات، ومفهوم حالة الإنكار، للوصول إلى مساحة متوسطة بين النخب والتيارات والأفكار، مع التسليم بمفهوم سيادة القانون، وبخلاف ذلك لا إصلاح.


ووفق وجهة نظره، من الممكن الاعتماد على أي خبير ليضع قانون انتخاب، لكن أي حوار معزول عن الناس لن يكون منتجاً، فالمواطنون عازفون عن كل ما يتعلق بالعملية السياسية بعد أن تم الإمعان في التعامل معهم كرعايا، وهذا يترافق مع تفكير الدولة بأنها تملك القرار، متسائلاً “كيف يُصدر القضاء قراراً بإلغاء قانون نقابة المعلمين؟ هذا يعني أن هناك إشكالاً في دور السلطات واستقلاليتها”. وعن الحديث الدائر حالياً حول تحويل الكتل البرلمانية إلى أحزاب، يفضّل رمضان أن يعاد النظر في هذه الفكرة، معتبراً أن “الإشكالية لا تُختصر بقانون الانتخاب، فواقع الحال يشي بأن هناك حاجة إلى إعادة تعريف المواطنة ومنح الناس الحق بالتعبير، وبعد ذلك يمكن سؤال المواطنين عن قانون الانتخاب المطلوب، خصوصاً أن المنظومة السياسية تتعامل مع المواطن أحياناً بدرجة من المهانة وعدم احترام قراراته”.




من جهته، يرى الأمين العام لحزب “جبهة العمل الإسلامي” (الذراع السياسية لحركة الإخوان المسلمين)، مراد العضايلة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الأهم في صناعة الحياة السياسية هو البيئة التي يعمل فيها السياسيون، معتبراً أن البيئة الحالية غير مناسبة في ظل حجم الاعتداءات على الحريات العامة، مشيراً إلى أن عام 2020 من أسوأ الأعوام التي شهدتها البلاد في مجال الحريات منذ عودة الحياة السياسية عام 1989، فالوضع أقرب إلى الأحكام العرفية.


العضايلة: البيئة الحالية للعمل السياسي غير مناسبة في ظل حجم الاعتداءات على الحريات العامة


ويفضّل العضايلة خيار قانون الأكثرية الذي جرت على أساسه انتخابات 1989، معلناً أيضاً عدم الاعتراض على قانون القوائم النسبية على مستوى الوطن (دائرة واحدة وقائمة وطنية)، مضيفاً أنه في حال كان ذلك متعذراً، من الممكن تقسيم انتخاب أعضاء المجلس مناصفة، 50 في المائة وفق قائمة نسبية وطنية، و50 في المائة انتخاب بشكل فردي، ما يؤدي إلى حكومات برلمانية، وتمثيل حقيقي للمواطنين في الحكومة والبرلمان.


وكانت اللجنة الملكية للأجندة الوطنية قد أوصت قبل نحو 16 عاماً باعتماد نظام انتخاب تمثيلي مختلط، يجمع بين الانتخاب الفردي وبين القائمة النسبية، من خلال منح الناخب صوتين، أحدهما للقائمة النسبية والآخر للدائرة الانتخابية، وهو ما أشار إليه العضايلة، مع تشديده على أهمية أن تأتي أي خيارات مستقبلية كنتاج لحوار وتوافق وطني على القانون، وأن تكون في ظل ظروف مناسبة للعمل السياسي، من دون تدخلات، بالاعتماد على اختيار المواطنين لنوابهم وفق إرادة حقيقية حرة. ووفق العضايلة، بقيت الحكومات المتعاقبة وفية منذ عام 1993 لإعادة إنتاج الصوت الواحد، بأشكال مختلفة، واصفاً قانون القوائم النسبية بأنه أحد مخرجات الصوت الواحد، ومخالف لكل نظم القوائم النسبية في العالم، في طريقة الاحتساب والعتبة، لتخرج القائمة بمقعد واحد، وفق ما هو مخطط له.


متطلبات للإصلاح

يشير الأمين العام للحزب “الوطني الدستوري” أحمد الشناق، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى وجود متطلبات خارجية للإصلاح السياسي، لافتاً إلى تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان وغيره من الجهات الرقابية حول الانتخابات الأخيرة، ووفق ما خلص إليه فإن الكل مجمع “داخلياً وخارجياً” على ضرورة التطوير والاعتماد على القوائم الوطنية التي تشكّلها الأحزاب، ومغادرة مربع النائب الفردي والتمثيل الضيق والهويات الفرعية، عبر وصفة شاملة للإصلاح السياسي. ويتفق الشناق مع الآخرين على ضرورة تطوير قانون الانتخاب الحالي، بعد أن ثبت أنه لا يفرز إلا النائب الفردي، جازماً بأن تطوير القانون يرتبط باعتماد القوائم الحزبية. ويوضح أنه في كتاب التكليف للحكومة السابقة برئاسة عمر الرزاز، تحدث العاهل الأردني عبدالله الثاني عن مراجعة القوانين الناظمة للحياة السياسية، الأحزاب والانتخاب والإدارة المحلية، وتمكين الأحزاب من الوصول إلى البرلمان، معتبراً أن هذا يعني تعديل قانون الانتخاب باعتماد القائمة الوطنية التي تمكّن الأحزاب من الوصول إلى البرلمان.


ويرى الأمين العام للحزب “الوطني الدستوري” أن قانون الانتخاب قانون دولة، وبالتالي لا بد من الاستجابة للإصلاح، مشيراً إلى أن قانون الانتخاب تدخل فيه أكثر من معادلة ولكل جهة موقف ورأي، مضيفاً أن الملك رأس الدولة وهو دعا إلى النظر بالقوانين القائمة، متابعاً: “آن الأوان أن يترجم ذلك في الإصلاح السياسي على أرض الواقع، عبر قانون انتخاب يمكّن الأحزاب من الوصول إلى البرلمان، والانتقال من مفهوم الدولة الجغرافية، إلى مفهوم الدولة الوطنية السياسية”. ويشير إلى أن القانون الحالي لا يسمح للقائمة سوى بفرز نائب واحد، وكذلك لم يعد الفساد في العملية الانتخابية مقتصراً على العامل الرسمي، بل أصبحت القائمة الانتخابية تُشكّل من نائب أساسي والبقية “حشوات” وتكملة عدد، فيما يلعب المال السياسي دوراً حاسماً في تشكيل القوائم.


وعلى الرغم من أن هناك من يرى أن أي مقترح لتعديل قانون الانتخاب في ظل الوضع القائم لن يحقق أي فائدة تذكر، خصوصاً أن العديد من الأنظمة الانتخابية قد سبق وأن تمت تجربتها خلال المجالس السابقة، ولم تعطِ النتائج المتوقعة منها شعبياً وسياسياً، يقول الأمين العام للحزب “الديمقراطي الاجتماعي” الأردني، النائب السابق جميل النمري، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، إن نتائج الانتخابات النيابية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أعطت خلاصة بوجوب إعادة النظر بقانون الانتخاب، مشيراً إلى أن القانون المطلوب هو الذي يؤمن منافسة بين قوائم وطنية (كتل) على جميع مقاعد مجلس النواب كخلاصة وبشكل مختصر.


التحوّل للمنافسة الوطنية حول جميع المقاعد، سيجبر المجتمع على تغيير حقيقي


ويعتقد أن التحوّل للمنافسة الوطنية حول جميع المقاعد، سيجبر المجتمع على تغيير حقيقي، ويدفع الطامحين بالوصول إلى المجلس للبحث عن ائتلافات تتوافق مع برامجهم وأفكارهم لتشكيل قوائم موحدة، لافتاً إلى أنه يمكن للقانون الجديد أن يراعي التمثيل الجغرافي، من خلال اشتراط وجود مرشحين ممثلين لمختلف محافظات المملكة بعدد معيّن في إطار القوائم الوطنية، وربما كوتا سيدات وغيرها، وهذه القوائم يمكن أن تضم الأحزاب، وربما بناء تحالفات عشائرية، لكن في إطار القائمة الوطنية. ويستدرك “يجب أن لا نشترط أن تكون هذه القوائم حزبية، فحتى الآن ليس الجميع منتمياً لأحزاب، ولذلك فهي لا تمثل الجميع، وعلى هذه الائتلافات خلق حالة سياسية حقيقية وتحالفات ذات مواقف وبرامج سياسية واقتصادية موحدة”.


ويتفق الكاتب والصحافي الأردني محمد سويدان، في حديث مع “العربي الجديد”، مع نظرة التيارات السياسية لقانون الانتخاب المقبل، والمرحلة الماضية في الواقع السياسي الأردني، موضحاً أن “الحديث يتم دائماً عن تعديل قانون الانتخاب، ومنذ عام 1993 أجريت العديد من التعديلات على القانون، بعد أن كان هناك قانون جيد عام 1989، ليأتي قانون الصوت الواحد الذي دمر الحياة السياسية والبرلمانية والحزبية، وعزز الأطر الضيقة كالعشائرية والمناطقية ودور المال الأسود، وأفرز مجالس نواب ضعيفة، كما قسّم الناس حتى العائلات الصغيرة، وفتح المجال لأصحاب الوجاهة الاجتماعية ورأس المال للوصول إلى البرلمان، ليؤرخ لمرحلة عقيمة”.


ويشدد سويدان على الحاجة لإلغاء قانون الصوت الواحد، فعلياً وعملياً، وليس شكلياً، لافتاً إلى أنه “كلما جرى الحديث عن قانون انتخاب عادل تمت إعاقته وخرج من يقول إننا في مرحلة سياسية صعبة، ليعطّل التعديلات، بحجة الوطن البديل المتعلق بتمثيل ذوي الأصول الفلسطينية، أو سيطرة المعارضة على المجلس”. ويضيف: “نحن الآن بأمسّ الحاجة لقانون انتخاب جديد، فالقانون الحالي يجعل من النواب ظواهر صوتية، من دون تغيير حقيقي على أرض الواقع، ونحن نتراجع على الصعيد الديمقراطي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، فالحكومات تتغوّل والفساد يزيد في ظل عدم وجود برلمان قوي”، معتبراً أن الديمقراطية هي الوصفة الحقيقية لعلاج جميع المشاكل التي تواجهها الدولة. ويلفت إلى أن المركز الوطني لحقوق الإنسان، وهو شبه رسمي، يرى أن القانون الحالي سيئ، مضيفاً “لا يمكن تعيين الناس وإجراء انتخابات شكلية والحديث عن تمثيل المواطنين بلا ديمقراطية حقيقية يختار فيها الناخبون ممثليهم”، منوهاً إلى تراجع الأردن على مستوى تصنيف الحرية والديمقراطية في العالم بشكل غير مرضٍ خلال العام الأخير.


اليوم وعند الحديث عن ضرورة التوجّه للحكومات البرلمانية، تعود النخب السياسية والحزبية بذاكرتها إلى محطة تشكيل أول وآخر حكومة حزبية في الأردن، عام 1956، وهي حكومة سليمان النابلسي، التي لم تدم طويلاً، ويستذكرون كم ضاع من عمر البلاد بلا ديمقراطية، وسط تضاؤل الأمل بالمستقبل حتى مع الوعود الجديدة، بعد أن سقطت عشرات الوعود بالإصلاح السياسي سابقاً وتلاشت مع الزمن، ولم تكن سوى حبر على ورق.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً