الإعلام في السودان… انتهاكات الانقلاب متواصلة

تتفاقم في السودان المضايقات على الصحافيين، أثناء تغطيتهم للاحتجاجات الشعبية ضد الانقلاب العسكري، والتي وصلت إلى حد منعهم من العمل أو مداهمة مقارهم واعتقالهم. كان آخر تجليات تلك المضايقات سحب الترخيص الخاص بعمل قناة “الجزيرة مباشر” بخطاب رسمي صادر من وكيل وزارة الثقافة والإعلام، زعم فيه أن القناة تتناول الشأن السوداني الراهن بطريقة “غير مهنية، تضرب النسيج الاجتماعي بالبلاد وتبث محتوى إعلامياً مخالفاً لسلوكيات وأعراف وأخلاقيات المهنة وأدبيات الشعب السوداني”، عدا الزعم بأن بث “الجزيرة مباشر” رافقه بث ألفاظ بذيئة ومقاطع فيديو غير لائقة ومشاهد قديمة، ما يعني مخالفة من القناة لشروط الترخيص، وإضرارا بالمصالح العليا للبلاد.


وأكدت “شبكة الصحافيين السودانيين” في بيان لها، أنّ إغلاق مكتب “الجزيرة مباشر” والتضييق المستمر ضد الصحافيين والإعلاميين، يؤكد سعي أركان النظام الانقلابي لتحويل السودان لنقطة مُعتمة، تمهيداً لارتكاب مجازر وحشية ضد بنات وأبناء الشعب بعيداً عن أنظار العالم. فيما ذكرت “اللجنة التمهيدية لاستعادة نقابة الصحافيين” في بيان آخر، أن القرار هو “امتداد لاستهداف حرية الصحافة والإعلام والصحافيين السودانيين ومراسلي ومنتجي ومصوري القنوات الإخبارية أثناء أداء عملهم وواجباتهم المهنية”.


وبيّنت اللجنة التمهيدية أنّ “القرار مخالف لقانون الصحافة والمطبوعات الصحافية لسنة 2009، حيث إن المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية هو المُختص بالترخيص والتنظيم والإشراف على عمل مكاتب الوكالات الأجنبية ومكاتب القنوات الإخبارية المُرخص لها وفقاً للقانون، وإن وزارة الثقافة والإعلام ليس لديها أي سلطات أو ما يخولها إغلاق مكاتب القنوات الإخبارية وسحب تراخيص مراسليها، وهو ما يمنح القناة حق تقديم طعن إداري في القرار لعدم قانونيته وعدم اختصاص الوزارة”.  


وسبق قرار سحب عمل مكتب “الجزيرة مباشر” اقتحام السلطات الأمنية لمكتب شبكة التلفزيون “العربي”، يوم الخميس الماضي، واعتقال 4 من العاملين به، على رأسهم مراسل القناة وائل محمد الحسن، وتعرضوا خلال فترة الاعتقال التي امتدت لساعات لاعتداءات جسدية ولفظية قبل أن يطلق سراحهم، طبقاً لإفادتهم.


كما اعتدت قوات أمنية على الصحافية والكاتبة شمائل النور أثناء تغطيتها لـ”مليونية 13 يناير”، الخميس الماضي، وحاولت سيارة عسكرية دهس الصحافيين عثمان فضل الله وبكري خليفة. وقبل يوم واحد من ذلك الحدث، اعتقلت السلطات مصور وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) محمد خضر ومساعده مجدي عبد الله، فيما لا يزال الصحافي في “وكالة السودان للأنباء” عبد الله محمد بابكر يتلقى العلاج بأحد مشافي العاصمة الخرطوم بعد تعرضه لعنف وحشي ونهب لمقتنياته الشخصية أثناء أداء مهمته بتغطية مليونية 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي.


سلطات الانقلاب العسكري تسعى جاهدة منذ 25 أكتوبر إلى حجب المعلومات عن الرأي العام وذلك بقطع خدمات الإنترنت ووقف الإذاعات وقنوات التلفزة الخاصة واقتحام مكاتب القنوات الأجنبية والاعتداء على الصحافيين


ويوم الأحد 16 يناير/كانون الثاني، أعلنت صحيفة “الحداثة” الورقية، تعليق صدورها نهائياً احتجاجاً على القمع ضد وسائل الإعلام. و”الحداثة” هي واحدة من الصحف التي صدرت بعد سقوط نظام عمر البشير، تماشياً مع مناخ الحريات العامة في البلاد خلال السنوات الماضية التي أعقبت الثورة الشعبية في البلاد. وعلّقت الصحيفة صدورها مؤقتاً بعد الانقلاب مباشرة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لكنها وجدت نفسها مضطرة للتوقف الكامل، لاستمرار الانقلاب واستمرار انتهاكاته ضد الصحافة ووسائل الإعلام.


وذكرت إدارة الصحيفة في بيان لها، أنّها “ظلت تراقب تطورات الأمور واتجاهاتها في الأيام التي تلت 25 أكتوبر، لاتخاذ قرار بشأن الموقف النهائي من الصدور، وتابعت بقلق بالغ التردي اليومي لأوضاع الحريات الصحافية والإعلامية في ظل الانقلاب، ورصدت التهجم بالتشكيلات العسكرية المدججة بالأسلحة على دور الصحف والمؤسسات الإعلامية والاعتداء المتواصل وتسبيب الأذى الجسيم للصحافيين ومراسلي القنوات الإعلامية ونهب ممتلكاتهم واعتقالهم وترويعهم، وصولاً إلى سحب التراخيص والإيقاف”. وأضافت الإدارة أنّ “الانقلاب وضع نهاية لمناخات الحريات الصحافية والإعلامية التي جاءت بها ثورة ديسمبر/كانون الأول المجيدة، وفتح الباب لدورة جديدة من تقليص مساحات العمل العام لم تقف عند مصادرة حريات الصحافة ومطاردة الصحافيين بل وصلت إلى قتل المحتجين والمتظاهرين السلميين”، لذا توصلت  إلى أن “أجواء القمع والاستبداد ومصادرة الحقوق والحريات والتي تزداد وتيرتها يوماً بعد يوم، تنذر، حال استمر الانقلاب، بتحول البلاد إلى محرقة كبيرة، لا تسمح للصحيفة بالوفاء بواجبها المهني تجاه الشعب، ولا القيام بمسؤوليتها تجاه ثورة ديسمبر”. وأكدت أنّ “أجواء التضييق لا تسمح بمتابعة السياسة التحريرية القائمة على معالجة القضايا الانتقالية، ولن تكون ممكنة ملاحقة قضايا الفساد. وإزاء تلك الأوضاع قررت إدارة الصحيفة توفيق أوضاع الصحافيين والعاملين بالصحيفة والتوقف النهائي عن الصدور”. 




ومنذ الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تخرج في أكثر من مرة خلال الأسبوع الواحد، مواكب احتجاجية في عدد كبير من المدن السودانية للمطالبة بإسقاط الانقلاب وتنحي العسكر عن السلطة وعودة الحكم المدني للبلاد. وتدور أغلب المواجهات بين الشرطة والمحتجين بالخرطوم بالقرب من مجمع أبراج النيلين، وفيه توجد عدد من مقرات القنوات الفضائية، ما يعرضها للاقتحام والقذف بعبوات الغاز المسيل للدموع والنهب كما حدث لمكتب تلفزيون “العربي” قبل الحادثة الأخيرة، ولمكتب قناتي “العربية” و”الحدث”، وفيه تم تكسير بعض المعدات ونهب بعض المقتنيات وضرب العاملين بالمكتب، بعد رصد القوات الأمنية تصوير القناة لحوادث اعتداء على المتظاهرين. وعلى الرغم من اعتذار السلطات السودانية لـ”العربية” و”الحدث” وتعهدها بالتحقيق، لم يطرأ جديد حتى الآن.


وداخل التلفزيون الحكومي، تفرض السلطات الانقلابية رقابة تامة على المحتوى، حتى بعد إعادة المدير السابق للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون لقمان أحمد لمنصبه بقرار من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قبل أيام من استقالة الأخير. والأسبوع الماضي، وصلت الرقابة إلى حد منع مذيع بالتلفزيون من قراءة نشرة الأخبار بقرار من ضابط برتبة عميد في الجيش السوداني، وذلك “عقاباً له على غيابه عن العمل في الأيام الأولى من الانقلاب”، اعتقاداً من الضابط أن المذيع قد أضرب عن العمل.


داخل التلفزيون الحكومي تفرض السلطات الانقلابية رقابة تامة على المحتوى، حتى بعد إعادة المدير السابق للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون لقمان أحمد لمنصبه


ورفضت أحزاب سياسية الانتهاكات ضد الصحافيين. ودان “حزب الأمة القومي” في بيان له الانتهاكات الأخيرة بما فيها إغلاق مكتب قناة الجزيرة مباشر. وذكر أنّ تلك القرارات تؤكد بوضوح مضي سلطات الانقلاب في مسيرة كبت الحريات الإعلامية على نهج النظام البائد. كما طالب بإلغاء القرارات ضد الإعلام، والسماح لكافة الأجهزة الإعلامية بممارسة عملها المهني دون تعسف والعمل على حماية الحريات الصحافية، مشيراً إلى أنّ مسيرة التحول المدني الديمقراطي لا يمكن أن تكتمل في عهدٍ تكمم فيه الحريات الإعلامية.


يقول مدير مركز الخرطوم للخدمات الصحافية، الصحافي أحمد الشيخ، إنّ “سلطات الانقلاب العسكري تسعى جاهدة منذ 25 أكتوبر إلى حجب المعلومات عن الرأي العام وذلك بقطع خدمات الإنترنت ووقف الإذاعات وقنوات التلفزة الخاصة واقتحام مكاتب القنوات الأجنبية والاعتداء على الصحافيين أثناء تغطيتهم”، مشيرًا إلى أنّ “إغلاق مكتب “الجزيرة مباشر” جاء نتيجة لتوثيق القناة مباشرةً للانتهاكات ضد المتظاهرين السلميين، ما يزيد من احتمال رغبة الانقلابيين في المزيد من العنف بعيداً عن أعين الإعلام”. ويضيف الشيخ لـ”العربي الجديد” أنّ “المستقبل أمام الإعلام السوداني بات مظلماً فكثير من الصحف الورقية لا تصدر في عدد من أيام الأسبوع، إما لقطع خدمة الإنترنت، أو لإغلاق الطرق والجسور وغيرها من الظروف الأمنية. كما أنّ الإعلام الحكومي واقع تماماً تحت السيطرة الانقلابية”، مبدياً أسفه لعدم وجود بدائل واضحة حالياً للتغطية، خصوصاً في أيام أو ساعات قطع خدمة الإنترنت والاتصالات الهاتفية.


يستطرد الشيخ أنّ وحدة الصحافيين السودانيين أضحت مطلوبة أكثر من أي وقت مضى ضماناً لحماية أنفسهم أولاً، وحماية المتظاهرين من العنف. كما لفت الانتباه لأهمية تدريب الصحافيين على تغطية التظاهرات ومناطق النزاع بما يضمن عدم تعرضهم لمخاطر الاعتداء والاعتقال.


أما الصحافي أيمن سنجراب، فيقول من جهته، إنّ الصحافيين والإعلاميين واجهوا تحديات كبيرة في سبيل تغطية الاحتجاجات الرافضة للانقلاب العسكري والمطالبة بالحكم المدني لتحقيق التحول الديمقراطي، وإنّ السلطات ترتكب انتهاكات متعددة في مواجهتهم تشمل محاصرة مواقع العمل واقتحامها والضرب ونهب الممتلكات وأدوات العمل، وكلها تهدف لمنع الصحافيين والإعلاميين من ممارسة عملهم في تغطية الأحداث خلال المواكب وغيرها من الأنشطة الاحتجاجية، “ولكن تلك الانتهاكات لم تثن الصحافيين عن القيام بواجبهم المهني لإيمانهم العميق بدورهم في عملية التحول الديمقراطي وأن غيابهم يزيد الانتهاكات التي تمارس في مواجهة المشاركات والمشاركين في المواكب والأعمال الاحتجاجية لأن مرتكبي الانتهاكات يفضلون ارتكاب الجرائم في الظلام وبعيداً عن أجهزة الإعلام”.


من أكبر التحديات التي تواجه الصحافة حالياً هو الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة في مواجهة الصحافيين والإعلاميين، وتحول الحصانات دون الوصول لأجهزة العدالة


ويضيف سنجراب أنّ الانتهاكات تزيد على الصحافيين والإعلاميين، وعندما يعلم النظاميون وغيرهم بهوية الصحافي والإعلامي يتضاعف الانتهاك باعتبار أنّ الصحافة عدوة لهم. ويشدّد على أهمية رصد وتوثيق تلك الانتهاكات والالتفاف حول الأجسام الصحافية التي تقوم بهذه المهام وتقويتها، وعلى رأسها “شبكة الصحافيين السودانيين” التي تعمل على رصد وتوثيق الانتهاكات ولها خبرة في هذه الأعمال. كما يقترح القيام بحملات إعلامية وأنشطة احتجاجية لمقاومة هذه الانتهاكات والعمل على وقفها بالضغط على المنتهكين والتواصل مع المؤسسات العالمية العاملة في مجال حقوق الإنسان لتكون إحدى أدوات الضغط.


ويعيد سنجراب التعهد بعدم توقف الإعلاميين السودانيين عن أداء واجبهم لأن لديهم تجربة طويلة في مواجهة الأنظمة الشمولية، خاصة في مواجهة النظام المخلوع، نظام الرئيس عمر البشير الذي سيطر على الحكم ثلاثين عاماً. ويضيف: “لكن الواقع الحالي يتطلب المزيد من الالتفاف، بالإضافة إلى مناصرة من ارتكبت في مواجهتهم انتهاكات ودعمهم لتمكينهم من مواصلة المشوار”. ويوضح أنّ من أكبر التحديات التي تواجه الصحافة حالياً هو الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة في مواجهة الصحافيين والإعلاميين، وتحول الحصانات دون الوصول لأجهزة العدالة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً