الاتحاد الأوروبي… مواجهة التحديات باستقلالية عسكرية واقتصادية

أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، ضرورة مواجهة التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي من طريق الدفع باتجاه تعزيز القطاع الصناعي وعدم الاعتماد على الدول الأخرى، إضافة إلى العمل على تنسيق المواقف بين دول الاتحاد والدفع نحو المزيد من التعاون الدفاعي.


وتظهر كلمة رئيسة المفوضية أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، رغبة الأوروبيين في الخروج من حالة الضعف، مستعرضة أبرز الحوادث التي تدل على ضعف الاتحاد الأوروبي في التعامل معها، وأبرزها كان ضعف المؤسسات الأوروبية في التعامل مع نقص الإنتاج الدوائي والوقائي في دول القارة، واعتمادها الواضح على توريدات آسيوية بدل التصنيع المحلي.


وأكدت أن الأوروبيين “تعلّموا من هذه التجربة من خلال استحداث دائرة للتنسيق الأوسع في المستقبل لمواجهة أي جائحة جديدة”.


وأكدت أيضاً أنّ الصناعة الأوروبية تواجه تهديدات جدية، من بينها نقص الشرائح الإلكترونية التي تستخدم في شتّى الصناعات، من الحواسيب إلى السيارات والتقنيات الحديثة كافة في أوروبا، حيث اضطرت شركات كبرى، مثل “فولكسفاغن” و”سكانيا” إلى مطالبة آلاف العمال بالبقاء في منازلهم وعدم التوجه إلى المصانع بسبب النقص في هذه الشرائح.


نقص الشرائح تنظر إليه أوروبا كمسبب لحالة شلل في الصناعات والخدمات الأساسية كإدارة المدن والمستشفيات وعموم البنى التحتية، إذ أشارت رئيسة المفوضية إلى أن ذلك النقص يثير قلق القارة، باعتبار أنه “يمكن اختراق كل شيء تقني عندما يكون مرتبطاً بها”.


وحذرت فون دير لاين، في خطابها، من “مستقبل قاتم” إذا لم تسارع أوروبا إلى تقليل اعتمادهم على الصناعات الخارجية والتوريد الأجنبي، باعتبار أنّ التهديد لأوروبا يتعلق أيضاً بالحروب السيبرانية والاختراقات عبر شبكة الإنترنت، إذ “لم يعد يُعتمد على الجيوش والصواريخ، بل بإحداث شلل للشركات الصناعية ويمكن فعل ذلك من خلال هاتف ذكي واتصال بالإنترنت”. 


وشددت رئيسة المفوضية الأوروبية على أنّ سلسلة التهديدات الحالية تختلف عمّا كان سائداً في الحرب الباردة، حيث كان الخوف منصباً على “زحف الجنود السوفييت نحو غرب أوروبا ومن صواريخ موجهة من الشرق إلى الغرب”.




وطرحت فون دير لاين، في كلمتها أمام مشرعي القارة، ضرورة السعي إلى “تقليل الاعتماد على العالم الخارجي”، وبالأخص الشركات الآسيوية والأميركية في مجال الشرائح الالكترونية، مع التشديد على أن يكون لدول القارة إنتاجها الخاص منها، لتستطيع الاستمرار في ريادتها الصناعية.


واستذكرت تجربة الأوروبيين قبل عقدين لتطوير نظام ملاحة مشترك (جي بي أس) عبر الأقمار الصناعية، وخصوصاً عبر نظام “غاليليو” الذي هدف بالأساس إلى تقليل الاعتماد على الأقمار الصناعية الأميركية، داعية إلى ضرورة إعادة إنتاج تجربة جديدة في صناعة الشرائح الإلكترونية.


وتتلخص أهمية التوجه الجديد لأوروبا في صناعة الشرائح الإلكترونية، بالمساهمة في وضع خطط طموحة لاستبدال سيارات البنزين والديزل بالسيارات العاملة بالطاقة الكهربائية، وهي قضية باتت على طاولة القادة الأوروبيين للنظر فيها وحلها خلال الأسابيع القادمة، إذ يعني استمرار غياب صناعة الشرائح الالكترونية ذاتياً، مواصلة المفوضية الأوروبية الاعتماد على التوريدات الآسيوية، وخاصة من الصين وتايوان.




ودعت فون دير لاين قادة النادي الأوروبي إلى مساعدة الشركات مالياً وضريبياً، بما فيها شركات الدواء والشرائح الإلكترونية الدقيقة من أجل ضمان عودتها إلى دول “الأوروبي” بعد مغادرتها بحثاً عن دول توفر لها أقل تكلفة إنتاجية، وذلك من خلال وضع حوافز حكومية وفرض رسوم جمركية على السلع الآسيوية.


المزيد من التعاون الدفاعي

إذا كانت المخاوف الصناعية بالنسبة إلى الأوروبيين لا تنفصل عن المصالح الاستراتيجية لتكتلهم، فإنّ بداية نشوء ما يشبه اتحاد دفاع أوروبي في 2018، بات برأيهم أمراً يحتاج لمزيد من العمل والتسريع من خلال اقتراح يقضي بأن يشمل “صندوق الدفاع” دعم تطوير التكنولوجيا الأوروبية، وبحث التعاون بين الدول والشركات في مشاريع الدفاع والمشتريات المشتركة، مع تأكيد أهمية قوات الطوارئ المشتركة ووضع خطط لإنجاحها، كما أشارت فون دير لاين. 


وبحسب رئيسة المفوضية الأوروبية، فإنّ الحروب والتهديدات الهجينة تستدعي تعاوناً أكبر بين الدول الأعضاء من أجل التصدي لها، حيث تثير الهجمات الإلكترونية والقرصنة قلقاً خاصاً في أوروبا بعد سلسلة أحداث شهدتها بعض الدول، و”هذا يعتبر التهديد الأكبر، لأننا نرى قوى ومجموعات أجنبية تنشر معلومات مضللة وتحاول اختراق أنظمة رئيسة”.


من جهتها، أكدت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية مارغريتا فيستآيا، في كلمتها، أنّ ما تعرّض له النظام الصحي الأيرلندي صيف العام الحالي “يؤكد الحاجة إلى تعاون وثيق أكثر مما نفعل اليوم”، معربة عن أملها في إنشاء “وحدة إلكترونية مشتركة لجمع مزيد من المعلومات الاستخبارية، وتنسيق المعلومات بين الدول بشكل أفضل”.


واتفقت فون دير لاين مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الدعوة إلى “اجتماع دفاعي”، لتأكيد بعض الاستقلالية الدفاعية الأوروبية، مشيرة إلى أنّ ذلك ليس بالضرورة أن يكون تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (ناتو). 


وكان الانسحاب الأميركي من أفغانستان قد أعاد طرح الأوروبيين لأسئلة المستقبل، وبالأخص مع انتقال تركيز القوى العظمى على بعضها، وعن مكانتهم في السياسة الدولية. فيما تتشكل بين مختلف التيارات السياسية الأوروبية وفي البرلمان الأوروبي، أغلبية لجعل معسكرهم بـ”مخالب” أكثر من مجرد الجمع بين عضوية (ناتو) والنادي (السياسي-الاقتصادي) في عاصمة العمل الأوروبي في بروكسل. 




من جهته، أكد مسؤول مجموعة أحزاب المحافظين في البرلمان الأوروبي مانفريد فيبر، أنّ أوروبا تحتاج إلى تحويل اليوروبول (الشرطة الأوروبية) إلى ما يشبه “إف بي آي” عند الأميركيين، بما يعزز الاستخبارات والأمن الأوروبي، وهو ما يتفق معه كذلك مسؤول مجموعة “الخضر” فيليب لامبرتس، الذي أكد ضرورة زيادة التعاون الأوروبي والدفع بالاستقلالية عن القوى العالمية الأخرى، “من أجل أداء دور جيوسياسي أكبر”.


السعي الأوروبي لتنسيق دفاعي أكثر، كما شددت كلمة فون دير لاين وعدد من المشرعين الأوروبيين بعد كلمتها، يراه متخصصون ومشرعون أوروبيون أنه يُعَدّ كـ”مسار تشكيل جيش أوروبي” بغضّ النظر عن التسمية، وهو ما يتطلب تبني سياسة خارجية موحدة بدل الانقسامات الأوروبية، بحسب ما قال عضو البرلمان الأوروبي بيتر كوفود.


وأكد عضو المجموعة الليبرالية في البرلمان الأوروبي ميشيل شيمكارولي، أنّ فكرة “تقوية الدفاع الأوروبي تتطلب أيضاً إلزام الدول الأعضاء بمعايير النادي الديمقراطي الأوروبي”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً