الاحتجاجات الاجتماعية في تونس: مغامرة اليسار وارتباك الإسلاميين

كانت الأيام الماضية صعبة على التونسيين. فالاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها البلاد، والتي انطلقت منذ بداية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وعمت معظم الولايات كانت متوقعة، لكنها اتخذت خلال الأيام الماضية منعرجاً مختلفاً. فبعد أن كانت الاحتجاجات تتم في وضح النهار، تحول موعدها فجأة إلى تحركات ليلية. وبعد أن كانت سلمية أصبحت عنيفة. وبعد أن كانت تستهدف السلطة ومؤسسات الدولة، وتتخذ من التظاهر والاعتصام الشكل الأفضل للتعبير عن غضبها ومطالبها، إذ بها تنزلق نحو استهداف الممتلكات الخاصة والعامة، وتعتمد على الخلع والسرقة، وأحياناً إشعال النار في بعض المباني.

اتساع رقعة هذه الأحداث، وتواليها وتصاعدها وضع الطبقة السياسية والرأي العام أمام أسئلة خطيرة، وفتح الباب أمام سيناريوهات مثيرة للقلق. فالبرلمان لم يتمكن من اتخاذ موقف مما يحدث بسبب اختلاف الأحزاب حول طبيعة هذه الاحتجاجات ومن يقف وراءها، ما جعل النواب يتبادلون الاتهامات.


البرلمان لم يتخذ أي موقف بسبب اختلاف الأحزاب حول طبيعة الاحتجاجات


أما رئيس الدولة قيس سعيد فقد اختار أن يتحرك بطريقته، وذلك بعد أن تعددت النداءات التي طالبته بضرورة القيام بخطوة من أجل إعادة الهدوء، فتوجه إلى الحي الذي كان يسكنه قبل انتقاله إلى القصر الجمهوري، حيث دعا الشباب إلى ممارسة حقهم في الاحتجاج، على أن يكون ذلك بوسائل سلمية، وأن يتولوا حماية الممتلكات العامة والخاصة ويمنعو الاعتداء عليها. بعده مباشرة توجه رئيس الحكومة هشام المشيشي بكلمة متلفزة إلى المحتجين، دعاهم فيها بدوره إلى تجنب العنف، وأقر بشرعية مطالبهم. لكن كلمتي رأسي السلطة التنفيذية خلت تماماً من إجراءات ملموسة لصالح المحتجين، ولم يكن لهما تأثير ملموس عليهم.




وفي الوقت الذي تمسكت فيه منظمات حقوقية وأحزاب بأن هذه الأحداث كانت عفوية، وبدون تخطيط مسبق، رأى آخرون، مثل سعيد والمشيشي، وجود أطراف عملت على تغذية هذه الاحتجاجات، واستعمال هؤلاء الشباب لتحقيق أهداف أخرى، لكن من دون تقديم دليل قطعي للتدليل على ذلك، أو تحديد هوية هذه الأطراف، التي تحركت وحرضت من وراء ستار. المؤكد أن تنظيمات سياسية ومنظمات مجتمع مدني أدرجت هذا الاحتجاج العنيف ضمن سياق سياسي واجتماعي موضوعي، وحاولت بشكل ما تبريره. ومن بين هذه الأطراف أحزاب ومجموعات يسارية أكدت انخراطها المطلق في “نضالات أبناء الشعب”، واعتبرت أن “الاحتجاج هو السبيل الوحيد لافتكاك الحرية والمساواة”. وحذرت، في بيان مشترك، مما وصفته بـ”عمليات الاختراق والاحتواء والإفشال التي يحاول الائتلاف الحاكم القيام بها عبر التشويه والصد”. ودعت “عموم الشعب إلى مواصلة الاحتجاج بمختلف الوسائل المتاحة حتى ترحل المنظومة برمتها”. وبدا واضحاً أن هذه المجموعات، التي تريد استغلال الحدث لترميم صفوفها، يقودها تصور قائم على الاعتقاد بأن منظومة الحكم برمتها أصبحت غير صالحة، ولم يستفد منها إلا “خصوم الثورة”. وبما أن الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة قد أسفرت عن انهيار مدوٍ لمختلف قوى اليسار، وهو ما جعلها في موقع ضعيف جداً بحكم وجودها خارج المؤسسات، فما كان منها إلا أن تراجعت عن رهاناتها السابقة، وأصبحت تسعى نحو إسقاط المنظومة برمتها.


رأى سعيد والمشيشي أن أطرافاً تعمل على تغذية الاحتجاجات

 


في مقابل ذلك، خافت “حركة النهضة” من احتمال ما تسميه “الانقلاب على الدولة”، وقررت التصدي لمن يريدون تحويل وجهة الاحتجاجات القائمة، من مجرد حركة مطلبية للضغط على الحكومة إلى مسار آخر سماه حمة الهمامي، الناطق السابق باسم “الجبهة الشعبية” المنحلة “ثورة ثانية”. في هذا السياق أعلن رئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني أن “أبناء النهضة سيكونون في الميدان لحماية أمن التونسيين وممتلكاتهم الخاصة والعامة وحقوقهم، ومعالجة المطالب المشروعة ومساندة القوات الأمنية في التصدّي للمخربين”. وكان لهذا التصريح وقع سيئ في الأوساط السياسية والإعلامية، وفسره الكثير منهم بأن “النهضة” تسعى نحو تحويل شبابها إلى “تنظيم مليشياوي” لمواجهة المحتجين والتدخل في شؤون الأمنيين والمؤسسة العسكرية. ونظراً لخطورة هذا التصريح وتداعياته السلبية، فقد سارعت كوادر من داخل “النهضة”، مثل وزير الصحة السابق عبد اللطيف المكي، نحو تصويب الاتجاه، بالتأكيد على أن “التواجد في الميدان لن يكون إلا لأجهزة الدولة”. وأضاف أن الحركة “تعترف بحق التظاهر والاحتجاج السلمي”.

أمام هذا الوضع المشحون، يعمل رئيس الحكومة على تمرير التعديل الوزاري الذي أجراه أخيراً، مستعيناً في ذلك بحزامه البرلماني المهدد بخلافات بين الأحزاب المكونة له. وحتى يضمن هذا الدعم، قبل بتعيين وزيرين ينتميان إلى كل من “قلب تونس” و”حركة النهضة”. ورغم أن هذا التعيين يتعارض مع تأكيد المشيشي على أن حكومته تضم تكنوقراطيين فقط، إلا أن الإشكال الأكثر أهمية هو ما أثاره البعض حول “وجود شبهة فساد أو تضارب مصالح لدى بعض الوزراء الجدد”. أما الجهة التي ستتوجه لها الأنظار خلال الأيام المقبلة فهي القيادة النقابية، التي تجد نفسها تحاول إنقاذ المبادرة الخاصة بالحوار الوطني. وهي المبادرة، التي رغم أن سعيد، قبلها شكلاً، إلا أن رئاسة الجمهورية لم تشرع بعد في دعوة الأطراف إلى الاستعداد للمشاركة فيها، وذلك بالرغم من تصاعد الأزمة السياسية والاقتصادية واقتراب البلاد من حالة الانفجار والفوضى.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً