"الاختلاط 1963"… الفتيان والفتيات يقتحمون "فولتير"

يستعيد مسلسل “الاختلاط 1963” (Mixte 1963) الفرنسي الصادر في يونيو/حزيران الماضي بداية المرحلة التي تم فيها تحول النظام التعليمي من مدارس تفرّق بين الذكور والإناث إلى مدارس مختلطة. يدور العمل حول مدرسة فولتير للبنين، حيث جرى استقبال عدد من الفتيات للمرة الأولى في التاريخ التعليمي في فرنسا. ورغم قلة عدد الفتيات، يكفي هذا الحدث لتنقلب الأمور رأساً على عقب بالنسبة للطلاب والمعلمين، على حد سواء.


سوقت منصة “أمازون برايم” لهذا العمل كونه إنتاجاً فرنسياً أصيلاً. العمل من ابتكار ماري روسين، ويضم فريقاً لامعاً من النجوم الشباب، هم ليوني سوشود، ولولا كوتون – فرابير، وأنوك فيلمين، وناثان بارون، وبابتيست ماسلاين، وغاسبار. يعتمد المسلسل صيغة المواقف الطريفة، ليستعيد فترة تاريخية كان يصعب فيها على المجتمع إمكانية تخيل الجمع بين الذكور والإناث في المدارس. وما يعزز من حيوية العمل، مزيج الموسيقى التصويرية المفعمة بالحياة، ومنها موسيقى الروك التي تحاكي روح الستينيات. كما تضفي أزياء ذلك العقد نفحة من الجمال والمصداقية المغرقة في التفاصيل لأزياء تلك المرحلة. وتتجلى الروح الفرنسية في النص مع تقديم شخصيات نمطية فرنسية، مثل أستاذ اللغة اللاتينية والطالب المتميز المتكبر، والطالب الذي يبلغ عن زملائه، وغيرها من الشخصيات النمطية المقدمة بطابع كوميدي.



تدور أحداث العمل بين مدرسة فولتير والمحيط الاجتماعي الذي تنعكس عليه الأحداث التي تقع في المدرسة بين الطلاب والمعلمين. ويبرر فريق العمل أسباب الجمع بين الجنسين بعدم اتساع مدارس البنات لهن، وبالتالي بات هناك احتياج لإيجاد حلول لهذه المعضلة. يقع هذا الحدث في فترة ما بعد الحرب، في الفترة المدعوة بـ”طفرة المواليد”، وهو جيل يمتد بين عامي 1946 و1964، عندما باتت أعداد المواليد في ازدياد، وحين أدخلت العديد من الإصلاحات في الأنظمة التعليمية. وقد شهد هذا الجيل فترة رفاه مادي واجتماعي لم تكن للأجيال السابقة التي قاست حربين عالميتين إمكانية التمتع بها.


يتكون فريق المدرسة من مدرسين وبعض المدرسات اللواتي لا يبرر الفريق وجودهن في فضاء مخصص للذكور. وعلى العكس من هذا، وفي المشهد التي تظهر فيه أولى الفتيات لبدء نهارهن في المدرسة، يصاب حشد الطلاب المجتمعين بالاندهاش، ويبدأون بالتغامز حول الفتيات. ومنذ تلك اللحظة، لا يمر اليوم الدراسي من دون تعديات من الذكور على الفتيات اللواتي يتعرضن لتنمر كبير. تركز القصة على ميشيل، الأخت الصغرى لجان بيير، واللذين يعمل والدهما في ملحمة. تعكس تفاصيل قصتهما تمييز الأهل في المعاملة بين الفتاة والشاب. هذا التمييز الأسري لا يختلف عما تلاقيه ميشيل من قبل معلميها الذين يتجاهلون إنجازاتها، ولا من زملائها الذين يتسبب اعتداء أحدهم عليها بخلاف كبير بين الأخير وبين الأخ الأكبر لميشيل. كما يقدم العمل نموذج الطالبة المثابرة أنيك ساباني التي تنجح رغم ظروفها الاجتماعية بأن تثبت ذاتها وذكاءها في عالم الذكور.


لا تتوقف المعاملة المسيئة من المجتمع على الفتيات الشابات، بل تطاول جميع النساء، فنرى الممرضة جان تعاني في سبيل حريتها الاجتماعية وجنسانيتها، وهي تختبئ في ظل زواج وهمي لتحمي نفسها. وكما تظهر معاناة مدام كورية، مدرسة اللغة الإنكليزية المطلقة التي لا يحترم الآخرون رغبتها بالاستقلال والاعتماد على ذاتها.




وعلى خلفية الفصل بين الرجال والنساء في الفضاء العام، يقدم العمل شخصية السيد بيلانجر، الموجه العام في المدرسة الذي يعاني من شعور بالعجز والكبت الجنسي، في حضور النساء اللواتي يشعر بالرغبة تجاههن. هذه العقدة النفسية هي إشارة رمزية لشعور الرهبة والخوف من النساء الذي يخالط الذكور ويتجسد بعنف تجاههن، وبرغبة بالسيطرة من خلال عزلهن وتهميشهن في الفضاء العام.


ولا يلغي تسليط المسلسل الضوء على الماضي ارتباطه بالحاضر، وما يعانيه الشباب، خاصة النساء، من تمييز تغيرت صيغته، لكن أثره لا يزال مستمراً على الجيل الحديث. ينفتح المسلسل على السؤال الذي يُظهر أن ما كان من غير الممكن في الأمس هو العرف في الحاضر، وما هو عرف اليوم يمكن تغييره للأفضل مع الإرادة والإصرار.


فعند اختبار مسلمات اليوم بعيون الماضي، يتضح الجهد والتضحيات التي قدمت لتخطي العقبات لتحقيق التغيير. وفي الانتظار، يعد الفريق المتابعين بجزء ثان من العمل. وعلى خلفية صدى إيجابي كبير للعمل فرنسا، يبقى السؤال عما إذا كان سيستطيع “الاختلاط 1963” تحقيق العالمية التي تمكّن مسلسل “اتصل بمدير أعمالي!” الفرنسي تحقيقها؟




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً