الاقتصاد والحروب

تعتبر الحروب تهديداً لمصالح الدول الصناعية والعالم النامي، كما أنّها تشكِّل كارثة إنسانية تتحمَّل الدول الصناعية المتقدمة والمنظمات الدولية مسؤولية أخلاقية في معالجتها، وهذا يعطي جميع أعضاء المجتمع الدولي مصلحة في منع الحروب قبل أن تتوسَّع، ولا يعد استخدام القوة سبيلاً عملياً لوقف الحروب والنزاعات، وهذا ما نراه بشكل جليّ في الوضع السوري.
إضافة إلى ذلك، فإنّ جمهور أقوى بلد في العالم معروف بتدخلاته العسكرية، وهو الولايات المتحدة الأميركية، أصبح بجزء منه يمقت وبشكل كبير دعم العمليات العسكرية الأميركية في الخارج، التي تودي بأرواح آلاف الجنود وتلتهم جزءاً معتبراً من الميزانية الشعب الأميركي أولى به. لذلك كان من الضروري إيجاد بدائل للقوة، والسياسات الاقتصادية هي البديل الأكثر معقولية.

يمكن للاقتصاد أن يؤدي دور أداة فاعلة في الحفاظ على السلام، كما يمكن للدول استخدام السياسات الاقتصادية لتجنُّب خوض الحروب. فقد انخفض معدل حدوث الحروب بين الدول في الفترة الممتدة ما بين 1950-2000 بعشرة أضعاف تقريباً مقارنة بالفترة الممتدة ما بين 1850-1949، ومن المثير للاهتمام معرفة أنّ شبكات التجارة الدولية قد ازدادت بمقدار أربعة أضعاف تقريباً منذ سنة 1950.
وقد يتم اللُّجوء إلى تطبيق أدوات اقتصادية ضدّ دول أخرى تتصرَّف بشكل خطير، وتهدِّد زعزعة استقرار منطقة ما دون الاضطرار إلى استخدام التكتيكات العسكرية كخطوة أولى والإرسال الفوري للقوات، وتتمثل تلك الأدوات في فرض عقوبات اقتصادية كالحظر التجاري، الحواجز التجارية، تعريفات أو رسوم أعلى. وأكبر مثال على ذلك الحرب التجارية الطاحنة من غير نار بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، وفرض قيود على المعاملات المالية.

وهناك أيضاً تجميد الأصول وقطع المساعدات. فمثلاً قد تقطع المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي المساعدات الاقتصادية والمالية عن دول ما، حتى تستوفي معايير وشروطاً معينة.

كما يحتوي السجلّ التاريخي على أكثر من 125 استخداماً للعقوبات الاقتصادية، من قبل الدول والمنظمات الدولية منذ عام 1914، إذ يشهد البلد الذي يخضع للعقوبات الاقتصادية انخفاضاً في تجارته، الأمر الذي سيُؤثِّر سلباً على نموه وتطوره، وبناءً على ذلك قد يقرِّر ذلك البلد العدول عن سلوكه العدواني من أجل رفع العقوبات عليه، وكل ذلك سيتم دون المخاطرة بخسارة الأرواح البشرية أو الانخراط في العمليات العسكرية.

بحكم العولمة أصبحت الدول تعتمد على بعضها البعض أكثر فأكثر، كما أصبح للشركات المتعددة الجنسيات الضخمة مكاتب أو نقاط على طول سلسلة الإمداد الخاصة بها في العديد من البلدان المختلفة، وهذا ما يعني أنّ الحفاظ على علاقات جيدة مع دول أخرى تمرّ عبرها سلاسل الإمداد أمر في غاية الأهمية للعديد من القادة السياسيين والكثير من رجال الأعمال، طالما أنّه سيضمن استمرار رفاهيتهم وأعمالهم. فمثلاً الترابط الاقتصادي بشكل خاص في منطقة اليورو لم يعزِّز السلام وحسب، بل زاد أيضاً من حجم التبادل التجاري بين الدول وجعل تنقُّل العمالة في تلك المنطقة أكثر سلاسة.

فإذا كان بلد ما بحاجة إلى دعم بلد أخر، إمّا لشراء أو بيع السلع، فعندئذ سيكون مُحفَّزاً للحفاظ على علاقة إيجابية وسلمية مع البلد الآخر وإيجاد حلول للصراعات التي لا تشمل نشوب حرب. وقد أكَّد توماس فريدمان، أحد أهم كتّاب الرأي الأميركيين الذين لهم تأثير على المستوى الدولي، في كتابه “The World Is Flat” “العالم مُسطَّح”، أنّه لا توجد دولتان تمثلان جزءاً مهماً من سلسلة إمدادات عالمية كبرى، ستخوضان حرباً إحداهما بعضها الأخرى، وهو نفس الكاتب الذي لم يتردَّد في مهاجمة سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ونصحه بالعيش بتواضع أكبر وبيخوت أقلّ، وخاصّة بعد الحرب على اليمن والحصار الذي تمّ فرضه على قطر، الذي وصفه فريدمان بأنّه نوع من الغباء.

تجدر الإشارة إلى أنّ معظم الدول التي مزَّقتها الحروب في التاريخ الحديث، كانت تضمّ عدداً أقلّ من التحالفات التجارية مع دول أخرى.
على سبيل المثال، فإن حرب الكونغو الثانية من عام 1998 إلى عام 2003 وما بعده، التي أودت بحياة أكثر من أربعة ملايين شخص وهي أكثر الحروب دموية منذ الحرب العالمية الثانية، شملت ثماني دول أفريقية ذات علاقات تجارية قليلة نسبياً في ما بينها. فلو كانت هناك ارتباطات اقتصادية أكثر وتحالفات أعظم لما نشبت تلك الحرب، أو على الأقل لكانت أقل عنفاً ودماراً.

ولا يخلو العالم العربي من الأمثلة، فالغزو العراقي للكويت كان ليأخذ منحى آخر مغايراً تماماً لولا تدخُّل الولايات المتحدة الأميركية في حرب الخليج الأولى لحماية إمدادات النفط، وكانت هناك تسريبات تفيد بأنّ السعودية فكَّرت في إعادة نفس السيناريو مع قطر، ولكن العلاقات القطرية الاقتصادية المتينة مع عدّة دول حالت دون حدوث ذلك، ومن هنا نستخلص أنّ الفوائد والتحالفات الاقتصادية يمكن أن تشكل درعاً متينة ضدّ قيام الحروب.

لا يمكن أن ننكر أنّ اللُّجوء للعقوبات الاقتصادية لتفادي الحروب لا يمنع الدول من الاستعداد لحروب مفاجئة، من خلال زيادة تصنيع الأسلحة وتعزيز البنية التحتية وبناء الهياكل العسكرية والتسلُّح قدر الإمكان، كما هو ملاحظ في أميركا، الصين، كوريا الشمالية وحتى المملكة العربية السعودية.
ويمكن لعقوبة اقتصادية كالحصار مثلاً، أن تساعد في قطع الإمدادات إلى دولة ما، وأقرب مثال في العالم العربي هو الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، الذي جعل الوضع داخل غزة مروّعاً للغاية، فليس هناك مياه صالحة للشرب ولا طعام كاف ولا وقود ولا كهرباء، وفي هذه الحالة يصعب القول بأنّ العقوبات الاقتصادية تعتبر بمثابة بديل أكثر إنسانية للحرب، ولا سيَّما عندما تتسبَّب في مثل هذه المعاناة التي يَئِنّ تحت وطأتها الشعب الفلسطيني.

خلاصة القول، أنّه يمكن للمصالح الاقتصادية أن تجعل حقّاً منطقتنا أكثر سلاماً واستقراراً ممّا هي عليه الآن، ويعتبر دور الاقتصاد في منع نشوب الحروب والصراعات المميتة مهمّاً للغاية، ولكنه ينتهي عندما تصبح عواقب السياسات الاقتصادية وخيمة جدّاً، وبعيدة المدى وفي بعض الحالات غير مُتوقَّعة.
لذلك ينبغي عند اتخاذ إجراءات اقتصادية كحلّ أخير لعدم اللُّجوء إلى العمليات العسكرية، أخذ العديد من العوامل في الحسبان كالسياق التاريخي والتجارب السابقة، وإمكانات الاستجابة العسكرية، وكذا القدرة على التنبُّؤ بالتكاليف الاقتصادية الباهظة التي تعكس خيار الحرب.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً