الانتخابات الجزائرية: نهاية حملة دعائية فاترة

دخلت الانتخابات البرلمانية المبكرة المقررة في الجزائر، بعد غد السبت، مرحلة العد العكسي مع بدء الصمت الانتخابي منذ ليل الثلاثاء ـ الأربعاء، بعدما أنهت الأحزاب حملاتها الدعائية، وشرعت في المقابل بتشكيل غرف عملياتها الانتخابية وتركيز المراقبين استعداداً ليوم الانتخاب، وسط بدء السلطات تنفيذ خطة التأمين منعاً لأي تشويش أو تخريب محتمل للاستحقاق الانتخابي. واستغلت معظم الأحزاب يوم أمس الأربعاء، لإجراء عملية تقييم سريعة لمجريات 19 يوماً من الحملة الانتخابية، المرفقة بسلسلة طويلة من التجمّعات الشعبية لإقناع الناخبين بالبرامج والمرشحين. ولم تسجّل خلال الحملة أية حوادث أو أي عمليات إخلال بالأنشطة الانتخابية، ولم يتعرض ناشطو الحراك الشعبي في غالبية المدن والبلدات الجزائرية لأي من قادة الأحزاب السياسية أو المرشحين. واختفت مظاهر التشنج وملاحقة الناشطين في الحراك للمرشحين وقادة الأحزاب السياسية، التي كانت قد شهدت آخر استحقاقين انتخابيين: الانتخابات الرئاسية في 12 ديسمبر/كانون الأول 2019، والاستفتاء على الدستور في 1 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.


وأدت حملة الاعتقالات والتشدد الأمني والتدابير الردعية التي اتخذتها السلطات ضد الحراك الشعبي، والتهديد بعقوبة سجنية تصل إلى عشرين سنة، ضد كل من يتعرض للعملية الانتخابية، دوراً في اختفاء هذه المشاهد. لكن مدن وبلدات منطقة القبائل (وغالبيتها من الأمازيغ) لم تأبه، بل غابت المظاهر الانتخابية عن معظمها بسبب رفض سكان المنطقة للانتخابات، واستمرار تظاهرات الحراك كل يوم جمعة فيها، على الرغم من منع السلطات التظاهرات في العاصمة وجميع المدن الجزائرية.



لم تسجّل خلال الحملة أية حوادث أو أي عمليات إخلال بالأنشطة الانتخابية


وإضافة إلى الهدوء الذي ساد الحملة الانتخابية على الصعيد الميداني، لم تسجل خلال الحملة الانتخابية التي دامت 19 يوماً سجالات بين الأحزاب والقوى السياسية، ولم تشهد استقطاباً سياسياً بين كوادر التيارات المتنافسة في هذه الانتخابات، عدا سجال طفيف حدث بشكل عابر بين رئيس “حركة البناء الوطني” عبد القادر بن قرينة والأمين العام لـ”جبهة التحرير الوطني” أبو الفضل بعجي. ولم تبرز في هذه المرة الخطابات الأيديولوجية والمرجعيات الفكرية للأحزاب السياسية، وهو ما يفسر على أن المجتمع السياسي في الجزائر دخل مرحلة تجاوز الإشكالات المرتبطة بالمرجعيات السياسية والنقاش حول قضايا، كانت تشكل محور خلاف حاد بين القوى الفاعلة في المشهد الجزائري.


وحول ذلك يطرح المحلل عمار سيغة، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، عاملاً آخر أدى دوراً في غياب السجال والاستقطاب السياسي، وهو عدم مشاركة أحزاب التيار الديمقراطي، كجبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال. وهي أحزاب تقدمية، شريكة في الغالب، في كل جدل سياسي حول قضايا الهوية والدين واللغة والمرجعيات والخيارات الاستراتيجية للبلاد. وتعتمد خطاباً نقدياً حاداً، خصوصاً في المناسبات الانتخابية سابقاً، ضد أحزاب الموالاة وقوى التيار الوطني والإسلامي على حد سواء، ويبدو أن مقاطعتها لهذه الانتخابات ساهمت في خفض حدة الاستقطاب بشكل لافت.


ويشير سيغة إلى أن “التزام قادة الأحزاب والقوائم المستقلة بخطاب هادئ بعيد عن الاستقطاب، ليس أهم ملاحظة على الحملة الانتخابية. الأهم هذه المرة هو انسحاب المؤسسة الرسمية من إدارة الحملة الانتخابية لصالح الأحزاب القديمة الموالية للسلطة، كما كان يحدث في السابق”. ويرى أن “هذه الأحزاب وجدت نفسها تصارع نخباً شابة من أحزاب فاعلة وكفاءات، انخرطت في القوائم المستقلة. وهذا في حد ذاته مؤشر على نوايا السلطة لضمان شفافية أكبر للانتخابات، وأيضاً في حال تقييم الحملة الانتخابية، يمكن الإشارة إلى حالة ذهول سياسي من الخطاب الضعيف لهذه الأحزاب، التي ينشط بعضها في تجمّعات شبه فارغة حتى من مناضليها”.


ومع بدء مرحلة الصمت الانتخابي بات ممنوعاً على المرشحين والأحزاب السياسية القيام بأية أنشطة دعائية لصالحهم، أو تعليق الملصقات أو نشر وبث أية مواد دعائية على مواقع التواصل الاجتماعي. ويتوجب على القنوات التلفزيونية الامتناع عن استقبال وتمكين المرشحين ومسؤولي الأحزاب من الدعاية. ويمكن أن يعرّض القيام بهذا النوع من الحملات في فترة الصمت الانتخابي، الأحزاب والقوائم المرشحة لعقوبات من قبل اللجنة المستقلة للانتخابات، التي تبدأ رصد هذا النوع من المخالفات، والتدخل عند تلقي أي إشعار بأي مخالفات.



يبدأ الاقتراع في الخارج اليوم الخميس ويشمل مليون ناخب


ومن المقرر أن تبدأ اليوم الخميس، عمليات التصويت على المقاعد الثمانية المخصصة للجالية الجزائرية في الخارج. ويحقّ لمليون جزائري في الخارج الاقتراع، وهم موزّعون وفق الخارطة الانتخابية على أربع مناطق، وتحوز كل منطقة على مقعدين، أما فرنسا فتستأثر بأربعة مقاعد من المقاعد الثمانية، بسبب العدد الكبير للجالية الجزائرية في هذا البلد. وتضم المنطقة الأولى باريس وشمال فرنسا، فيما تضم المنطقة الثانية مارسيليا ومدن الجنوب الفرنسي. وتضم المنطقة الثالثة كامل المنطقة العربية ودول آسيا وأفريقيا وأستراليا. وتضم المنطقة الرابعة أوروبا والولايات المتحدة. ومن المفترض أن يستمر التصويت حتى بعد غد السبت، للسماح لأفراد الجالية المقيمين بعيداً عن مقار القنصليات، بالوصول إليها والتصويت.


وبدأت أمس عمليات التصويت في المكاتب الانتخابية المتنقلة الموجهة لصالح البدو الرحل، وسكان المناطق النائية أقصى جنوبي الجزائر وشرقيها، على غرار ولاية تندوف، أقصى جنوبي الجزائر، التي تضم تسعة مكاتب انتقلت إلى أماكن انتشار البدو في عمق الصحراء لتمكينهم من التصويت. ويبلغ عددهم في هذه الولاية أكثر من 12 ألف ناخب. كما بدأ تصويت البدو في ولاية ورقلة، عاصمة النفط، خصوصاً في منطقة البرمة الحدودية القريبة على الحدود الجزائرية التونسية، التي خصصت ستة مكاتب تصويت لصالح أكثر من عشرة آلاف ناخب.


ويسمح القانون الانتخابي بأن تبدأ عمليات التصويت عبر هذه المكاتب المتنقلة، قبل ثلاثة أيام من يوم الاقتراع. ويتم السماح للمراقبين التابعين للأحزاب السياسية والقوائم المستقلة بمرافقة مواكب هذه المكاتب المتنقلة، إضفاءً للشفافية ومتابعة العملية الانتخابية منذ بدايتها، وإلى غاية عملية الفرز. ويتم تخصيص سيارات رباعية الدفع لنقل مكاتب الاقتراع إلى هذه المناطق، بسبب صعوبة المسالك الصحراوية، وتتولى وحدات من الجيش الجزائري تأمين عملية التنقل، تحديداً في الصحراء القريبة من منطقة الساحل وشمالي مالي والنيجر وليبيا، حيث ما زالت تنشط مجموعات مسلحة تتبع “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وتنظيمات مختلفة.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً