الجزائر: حديث "مؤامرة" وتمرد في الحزب الحاكم

تتحدث الحكومة في الجزائر عن مؤامرة تتعرّض لها البلاد ومحاولات “لاختراق الجدار الوطني”، على خلفية التظاهرات التي تعمّ الجزائر منذ إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ترشحه لولاية رئاسية خامسة في انتخابات 18 إبريل/ نيسان المقبل، والتي كانت الكبرى فيها تظاهرات يوم الجمعة الماضي. في المقابل، برز أمس دخول فرنسي على الخط، مع دعوة باريس إلى “الشفافية الكاملة” في الانتخابات الجزائرية المقبلة. وقال المتحدث باسم الحكومة الفرنسية بنجامين غريفو “تابعنا قرار بوتفليقة الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 18 إبريل. نريد إجراء هذه الانتخابات في أفضل ظروف ممكنة وبشفافية كاملة في الحملات الانتخابية”.

جاء ذلك فيما كان وزير العدل الجزائري الطيب لوح، يقول في تصريح أمس الأربعاء في عنابة شرقي العاصمة، إن “السلطة الجزائرية متفطّنة وواعية لأهداف محاولات اختراق الجدار الوطني”، في إشارة منه إلى الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر الرافض للعهدة الخامسة. واعتبر لوح أن “هناك مؤامرات تحاك ضد الجزائر توجب على الجميع الحيطة والحذر لتفادي الانزلاق إلى ما لا تحمد عقباه”، مشيراً إلى أن “هذه المحاولات تهدف لاختراق الجدار الوطني، والجزائريون متفطّنون وواعون لها، الشباب الجزائري واعٍ ويحسن التفرقة بين الأمر الأصيل والمفتعل، لا سيما أنه يدرك كل ما مصدره مريب”، داعياً الجزائريين للاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

لكن تصريحات كهذه لا تُقنع الشارع، كما المعارضة السياسية، إذ انتقل الحراك السياسي من الشارع إلى البرلمان، تزامناً مع مناقشة بيان السياسة العامة للحكومة. وشهد البرلمان الجزائري مناوشات حادة ومشادات كلامية بين نواب المعارضة والموالاة، بسبب مواقف وعبارات متشنجة تتعلق بفشل سياسات بوتفليقة، ومغالطات تضمنها التقرير الذي طرحه رئيس الحكومة أحمد أويحيى، ومحاولة نواب الموالاة الدفاع عن ترشح بوتفليقة لولاية خامسة في الانتخابات المقبلة.
واحتجّ نواب من المعارضة على محاولات مستمرة لرئيس البرلمان، معاذ بوشارب، تعطيل تدخّلات نواب المعارضة وسحب الكلمة منهم، بسبب انتقادهم لبوتفليقة ورئيس الحكومة. وتشنّج الموقف بين النائب سعيد زوار من كتلة المعارضة ورئيس البرلمان بسبب تحذيرات من الأخير بعدم التعرض لرئيس الجمهورية، قائلاً له “لا تتكلم على رئيس الجمهورية كشخص، هو رمز محمي بنص الدستور والقانون”. لكن النائب زوار واصل انتقاده لبوتفليقة، وقال إن “الشعب هو من خرج ورفض العهدة الخامسة، الطلبة خرجوا وأيضاً المحامون، أنا ضد العهدة الخامسة وسأكمل حديثي”، قبل أن تتدخل نائب آخر لتطالب رئيس البرلمان باحترام حرية الرأي قائلة “نحن في الديمقراطية”.

في غضون ذلك، يتواصل التصدع في جبهة الموالاة وداخل الحزب الحاكم “جبهة التحرير الوطني”، إذ أعلنت مجموعة من كوادر الحزب التمرد على قيادته، واعتبرت أن المنسق العام معاذ بوشارب، وهو رئيس البرلمان الذي عيّن بطريقة غامضة قبل شهرين على رأس الحزب، لا يتمتع بأية شرعية تمثيلية ولم يُنتخب من قِبل قيادات وهيئات الحزب.


ميدانياً، تواصلت الاحتجاجات الشعبية أمس، وأخذت شكل احتجاجات قطاعية، إذ احتج عشرات المحامين وسط مدينة عنابة تزامناً مع الزيارة التي قام وزير العدل الطيب لوح، ورفعوا شعارات مناوئة لترشح بوتفليقة لولاية خامسة، فيما قامت قوات الشرطة باعتقال بعض المحامين ونشرت تعزيزات أمنية كبيرة في محيط محكمة عناية، لمنع المحتجين من الخروج في تظاهرة إلى الشارع.
وللمرة الأولى في تاريخ الجزائر، يشهد التلفزيون الحكومي حالة تمرد من قبل الصحافيين العاملين فيه، إذ وقّع 200 صحافي لائحة تطالب برفع الإكراهات السياسية والقيود على قاعة تحرير الأخبار في التلفزيون، واحترام مبدأ الخدمة العامة. وأكد بيان لصحافيي التلفزيون الجزائري أن “الحراك الشعبي الذي تشهده بلادنا منذ يوم الجمعة 22 فبراير، وما تبعه من تطورات ميدانية متسارعة، يضع المؤسسة العمومية للتلفزيون الجزائري في قلب الرهان الشعبي على تحمّلها مسؤولية نقل هذه التطورات، مهما كانت طبيعتها، للجمهور، وبموضوعية تسمح للمشاهدين بالاطمئنان على أنّ المؤسسة التي واجهت العنف والإرهاب، ووقفت إلى جانب الشعب في مأساته في التسعينيات، هي نفسها المؤسسة الإعلامية التي يجب أن تقف اليوم إلى جانبه وهو يتطلّع إلى تحقيق مطالب واضحة لا يمكن لأيّ صحيفة أو قناة، حتى وإن كانت عمومية، أن تتفادى الحديث عنها، أو اختزالها في مطالب اجتماعية”. وطالب البيان بضرورة احترام “قاعدة الخدمة العمومية وحقّ المواطن في الإعلام، من دون تعتيم على المعلومة، وهي ممارسات لا نجني من ورائها سوى التذمّر الشعبي، وملاحقتنا بأصابع الاتهام باللامسؤولية، واللامهنية والتخوين”.

في سياق آخر، تسعى السلطات الجزائرية إلى اتخاذ تدابير استباقية لإحباط المسيرات المقررة غداً الجمعة وتقليص عدد المشاركين المحتملين فيها، إذ وجّهت تعليمات إلى حكام الولايات لتنظيم رحلات للعمال والموظفين وعائلاتهم بهدف تحييدهم عن المشاركة في مسيرات الجمعة التي تجرى استعدادات لتنظيمها بشكل يحسم الموقف ويدفع السلطة إلى سحب ترشح بوتفليقة، والعدول عن إيداع ملفه لدى المجلس الدستوري. وقال الناشط عبد الوكيل بلام، لـ”العربي الجديد”، إن “مسيرات الجمعة ستكون مليونية، وسيسمع المسؤولون ورجالات السلطة أن المطلب المركزي لا يتعلق بإصلاحات سياسية مثلما قال رئيس الحكومة ومسؤولو أحزاب الموالاة، وإنما برفض ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة في انتخابات إبريل المقبل”.

في غضون ذلك، رفضت السلطات الجزائرية السماح لأحزاب معارضة بتنظيم تجمّعات شعبية، كما رفضت السماح لحزب “طلائع الحريات” الذي يقوده رئيس الحكومة السابق علي بن فليس بعقد دورة للجنة المركزية كان من المزمع تنظيمها اليوم الخميس. ودان بيان للحزب “منع حزب معتمد من تنظيم اجتماع نظامي، وبهذا التجاوز يضع الحزب الرأي العام كشاهد عن هذا التعسف الصارخ في استعمال السلطة، واحتقار تجاه الأحزاب السياسية للمعارضة، وهو ما يتحمّل مسؤوليته وزير الداخلية الذي يكون بتصرفه قد تخلّى عن صفته كوزير للبلاد والذي يفرض عليه الحياد، ويضع نفسه في خدمة مرشح وأحزاب التحالف الرئاسي وحدهم”. كذلك منعت السطات حزب إخوان الجزائر “مجتمع السلم” من تنظيم تجمع شعبي في القاعة البيضاوية في أعالي العاصمة الجزائرية، وهي القاعة التي أعلنت منها أحزاب الموالاة في التاسع من فبراير/ شباط الحالي ترشحيها لبوتفليقة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً