"الجنّة تحت أقدامي": توثيقُ حكاياتٍ تعجز السينما عن تخيّلها

يوثِّق “الجنّة تحت أقدامي” (2020، 90 دقيقة)، للفلسطينية ــ الأردنية ساندرا ماضي، حكاية واحدة بألسنة 3 شخصيات نسائية أساسية. حكاية ظلمٍ يُصيب أمّاً مُطلّقة، تُمنع من حضانة ابنها بعد طلاقها. قوانين دينية لدى الطائفة الشيعية في لبنان غير معنيّة بأمٍ وابنها، فالأحكام تصدر لصالح الأب. تحديد الطائفة الشيعية يَرِدُ في تقديم الوثائقي الجديد هذا، إذْ تقول الراوية إنّ النساء المختارات ينتمين إلى هذه الطائفة “التي تكثر الشكاوى من محاكمها الدينية، ويرتفع صوت النساء من أروقة هذه المحاكم عالياً”، مع تنبيهها إلى أنّ الصوت يعلو، لكنْ “من دون جدوى في التغيير”.


قبل هذا، تصف الراوية لبنان بـ”البلد العربي ذي الطبيعة الخلابة”. تقول إنّه “صغيرٌ بمساحته الجغرافية، وكبير بتناقضاته الاجتماعية والسياسية”. تُضيف أنّه يُفاخر دائماً بكونه “رائداً في الانفتاح، وسبّاقاً في صون وحماية الحريات، مقارنةً بالدول العربية الأخرى”. ورغم هذا، تكشف “نظرة فاحصة إلى واقع المرأة اللبنانية في قوانين الأحوال الشخصية واقعاً مُظلماً، مليئاً بالقصص المروِّعة”.


القصص تُختزل بمسألة منع المرأة من حضانة ابنها. المعاناة التي تعيشها النساء، بسبب هذه المسألة، متشابهة، لكنّ أحداثاً وتفاصيل ومسالك تشي باختلافٍ، يتّضح في كيفية تعامل المرأة مع المسألة: السفر إلى ألمانيا (منطقة “بومهولدر”) لفضح تزويرٍ يُجريه طليقها ليتمكّن من إدخال ابنهما إلى ذاك البلد بعيداً عن أمّه؛ إصرارٌ على عدم تنفيذ المفروض عليها، للاحتفاظ بابنها رغم إدخالها السجن؛ عجزٌ (وقهرٌ وألم وتمزّق) عن تنفيذ قرار قضائي بإتاحة وقتٍ للأمّ للقاء ابنها.


تُغادر لينا عرار بلدها إلى تلك المدينة الألمانية طالبةً اللجوء فيها، لعلّها تتمكّن من ترتيب علاقتها بابنها، الذي يرفضها لكثرة ما قيل من سوء عنها أمامه. فاطمة حمزة (الضاحية الجنوبية لبيروت) تُسجن “تنفيذاً لقرار قضائي، بعد رفضها التنازل عن حضانة ابنها، وتسليمه إلى أبيه بعد بلوغه السنتين”، وفعلها هذا يُصبح لاحقاً “قضية رأي عام”. زينب زعيتر (قرية “إيعات” ـ بعلبك) تُحاول، منذ أعوام، تنفيذ قرارات قضائية تُجيز لها “رؤية” ابنها، لكنْ من دون جدوى، “فالجهات الأمنية المختصّة بتنفيذ القرارات” غير مهتمّة البتّة بقضايا كهذه.


هذا يُشكِّل نواة درامية لـ”الجنّة تحت أقدامي”. تحمل ساندرا ماضي، رفقة صديقتها عبير هاشم (منتجة الفيلم عبر “سولو للأفلام”)، كاميرا وأسئلة وهواجس، وإنْ تصمت غالباً أمام تصرّفات النساء الثلاث، وأقوالهنّ وتعابيرهنّ ودموعهنّ واختناقهنّ وحيويتهنّ، وبلوغهنّ حدّ الجنون أحياناً، المنبثق من قهرٍ ومهانة. صلابة فاطمة وتماسكها الخارجيان يُخفيان هشاشةً وقلقاً وخوفاً فيها. صراخ لينا في غرفتها الألمانية تعبيرٌ عن بطش الظلامة وقسوتها، من دون التغاضي عن غضبها من بلدٍ يستضيفها، لكنّه غير متمكّن من إنصافها. ملامح زينب توهم بصرامةٍ، تفقد تماسكها سريعاً إزاء تسلّط العجز عن تحقيق نَزرٍ يسيرٍ من حقّها.


 




 


لعبير هاشم حكايةٌ أيضاً، ترويها في بداية الفيلم. نزاعٌ مع زوجٍ وطلاق بعد 12 عاماً. تقف أمام قبر خالتها، وتقول إنّ للخالة عذاباً كبيراً بسبب منع الحضانة عنها، لأعوامٍ عدّة تنتهي بموتٍ ودفنٍ وقبرٍ. ترى هاشم أنّ مسائل كهذه تحتاج إلى مال وجهدٍ ووقتٍ، وإلا فالقضاء يحكم سريعاً لصالح الرجل، والنهاية “موتٌ وقبرٌ” للمرأة. قسوة التعبير تُشبه قسوة المعاناة. يصعب الإحساس بالقسوة، فالمرأة/ الأم أكثر ارتباطاً بأبنائها وبناتها، وأكثر التصاقاً بهم، وأقدر على تنشئتهم.


لا جديد في البناء الوثائقي لـ”الجنّة تحت أقدامي”. ليس فيه اشتغال صادم ومختلف. الحكايات أهمّ من الصور السينمائية. الجرح أعمق وأخطر من أنْ يتفنّن الوثائقي في ابتكار لقطاتٍ ومشاهد. الوقائع أقسى من التخيّل. لذا، تكتفي ساندرا ماضي (كتابةً وإخراجاً وتصويراً وصوتاً) بالمُصوَّر، قبل توليف المختار منه (عماد ماهر)، والمختار دقيقٌ وصائبٌ في إظهار متن الحكايات وهوامشها، بما فيها من نبضٍ وألمٍ وخيباتٍ ومواجهات وتحدّيات. التوغّل في تأثيرات محكمةٍ شيعية لن يحول دون تنبّهٍ موارِب إلى محاكم وطوائف أخرى، لها مع أبنائها وبناتها قضايا مشابهة. ماضي تُتيح للنساء الثلاث مساحةً واسعةً لكلامٍ نابعٍ من قلبٍ وعقلٍ وتفكير وانفعالٍ، والمختار منه كافٍ لإثارة إضافية لمسألةٍ، تناضل نساء لبنانيات كثيرات لبلوغ حلٍّ جذريّ لها.


التقنيات المستخدمة عادية. القطع بين لقطاتٍ ومَشاهد، بأسود يحتلّ الشاشة لثوانٍ قليلة، غير مُريح. لكنّ المعاناة، المروية على ألسنة لينا وفاطمة وزينب، قاسية، والتنفّس مطلوبٌ أحياناً لراحةٍ معلّقة. الكاميرا غير راغبةٍ في تجريب سينمائيّ، وهذا مفهوم فالمسألة تحتاج إلى انتباهٍ ومتابعة، وإنْ يعرف عديدون أشياء كثيرة منها. التوثيق، بكاميرا ساندرا ماضي، إضافة ضرورية، والنساء الثلاث يحتجن إلى كلّ مساحة للقول والتعبير.


لينا تفضح تزويراً على شاشات تلفزيونية. فاطمة تكتب في صفحتها الـ”فيسبوكية”. ساندرا ماضي تذهب إليهما وإلى زينب لمزيدٍ من تعبيرٍ، وإنْ يكن مضمونه مُكرّراً.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً