"الخزف الإسلامي": منذ العصر الأموي

الخزف في الفترة الإسلامية الأولى”، عنوان الندوة التي عُقدت أول أمس، الثلاثاء، ضمن فعاليات “سنة الثقافة التونسية المصرية”، بتنظيم من “المعهد الوطني للتراث” بتونس، وبمشاركة الباحثين محمود إبراهيم حسين، وشكري الطويهري، ومحمد أحمد عبد السلام.


أشار أستاذ الفن الإسلامي محمود إبراهيم حسين إلى أن بدايات الخزف في الحضارة الإسلامية تعود إلى العصر الأموي، الذي شهد ثورة فنية وعمرانية كبيرة، خاصة في عهد عبد الملك ابن مروان، الذي تنبّه مبكراً إلى ضرورة تعزيز الانتصار العسكري على الدولتين الساسانية والبيزنطية، بازدهار حضاري، وأدرك مبكراً تلك المفارقة التي عاشتها الدولة الإسلامية آنذاك حين ظلّت تستخدم عملة وعمارة وفنون الإمبراطورية التي هزمتها، وتلك التي كانت تنافسها.


وأوضح أن مصر طوّرت أسلوباً خاصاً في زخرفة الخزف وآلية صناعته منذ العصر البيزنطي، حيث تعمّد الخزّاف الاختلاف والمغايرة في صناعة الفخّار والنسيج عبر استخدام المواد المحلية وعدم المبالغة في التزويق والبهرجة اللذين ميّزا الفنون البيزنطية. ومع وصول الأمويين، بدأ الخزّافون بإدخال كتابات عربية مقروءة، من بسملة وأدعية ومأثورات، وغير مقروءة، في صناعاتهم، بطلب من الخلفاء والولاة خلال تلك الفترة، ثم بدأوا برسم زخارف محايدة، من نقوش نباتية وحيوانية بعيدة عن أيّ رمزية كانت مستخدمة قبل الإسلام.


تطوّرت الصناعات الخزفية في العصر العباسي مع استخدام معادن لم تستخدم من قبل


وتطرّق حسين إلى تعريب الفنون الذي قام به عبد الملك حين أضيفت الحروفيات العربية إلى النسيج والخزف اللذين صدّرهما المسلمون إلى دول الجوار، مبيناً أنه يمكن تقسيم الفترة الأولى إلى ثلاث مراحل أساسية، إذ بقي الفنانون والحرفيون ينتجون قطعاً فنية تحوي ملامح من الحضارات السابقة مع تحويرات في الرموز لإبعادها عن دلالات تتصل بالمعتقدات المسيحية والزرداشتية، في المرحلة الأولى التي تسّمى “التلقّي”، ثم مرحلة “التجاور” التي تجاورت خلالها عناصر زخرفية ساسانية وبيزنطية مجتمعة على الخزف، وصولاً إلى مرحلة “الانصهار” التي انصهرت فيها جميع العناصر الزخرفية والتقنيات المصنعية في العمارة والنسيح والخزف وأوجدت في النهاية منتجاً إسلامياً مختلفاً عن جذوره التي تأثّر بها، فظهر الأرابيسك وعناصر معمارية جديدة.


ولفت إلى أن الخزف تطوّر في العصر العباسي مع استخدام معادن لم تستخدم من قبل، حيث كانت الخزفيات قبل ذلك ذهبية وفضية فقط، وبرزت الخزفيات المعدنية في جميع الحواضر الإسلامية، من قرطبة غرباً مروراً بشمال أفريقيا ومصر وانتهاء بالشرق، وبدأ عصر جديد من الإبداع.


أما الباحث في الآثار شكري الطويهري، فنبّه إلى عدم وجود معرفة دقيقة بالخزف الذي استخدم في الفترة الإسلامية الأولى في شمال أفريقيا، مقابل وجود تسلسل زمني واضح لتغيّر المسكوكات النقدية في الفترة نفسها، مشيراً إلى تمازج الخزفيات بعد ذلك بين الفن الإسلامي ومؤثرات محلية تعود إلى زخارف أمازيغية، وظهور الكتابات العربية عليها، خلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين.


واستعرض نماذج للعديد من المكتشفات التي ترجع معظمها إلى العهد الفاطمي، والتي تميّزت بالنقوش النباتية والحيوانية والآدمية، حيث تمّ تجسيد الفرسان ومعاركهم القتالية على الأواني والصحون والأدوات المنزلية، مؤكداً ضرورة دراسة فنون الخزف في مصر وشمال أفريقيا خلال الفترة الفاطمية لإبراز التشابه والاختلاف في صناعته وزخارفه.


بدوره، تناول محمد أحمد عبد السلام الابتكارات والتطورات في الخزف الإسلامي خلال القرن التاسع الميلادي، وكيف عكست أنماطاً من الحياة اليومية والتعاملات التجارية وركوب البحر عند المسلمين في الخزف ذي البريق المعدني، كما احتوت مظاهر الحياة في قصور الخلفاء، وكذلك ظهرت رموز متعدّدة في إشارة إلى التسامح الديني، حيث عادت الأيقونات المسيحية إلى الخزف الإسلامي.

 






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً