"الخوف من عدد سكّان العالم": حين أصبح السؤال وجيهاً

“هل ينبغي الخوف من عدد سكّان العالم” سؤالٌ لم يكن من الممكن طرحه لولا الفرضيات التي قُدّم الكثير منها مع حلول جائحة كورونا، حيث اعتُبرت حرباً بيولوجية ضدّ الصين وإيران، ثم ضدّ أميركا، لإضعاف هذا الطرف أو ذاك في حرب اقتصادية قادمة، أو تلك القراءات التي صاحبت تأخّر فرض الحجر الصحي في بلدان مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة على خلفية أن الفيروس يضرب أساساً فئة غير منتجة اقتصادياً.

هذه الفرضيات جعلت السؤال مشروعاً، بل أكثر من ذلك ظهر كعنوان كتاب نشرته منذ أيام مؤسسة “سوي” لعالِم الديمغرافيا الفرنسي جاك فيرون (1950)، وهو بذلك يُدلي بدلوه في نقاشات محتدمة اليوم، تصدّرها بالأساس عدد قليل من “نجوم” الفكر الفرنسي مثل إدغار موران وأندريه كونت سبونفيل وميشال أونفري.

“هل ينبغي الخوف من عدد سكّان العالم” كتاب لا يكتفي بالديمغرافيا وذلك غير ممكن أصلاً، حيث أنها مجرّد مؤشر تتداخل فيه العديد من المجالات مثل السياسة الدولية والإيكولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع، وهو ما يرصده فيرون مشيراً إلى أن نزع الديمغرافيا عن هذه الحقول المعرفية يعني اختصارها في مجموعة من الأعداد والجداول لا يمكن الخروج منها بأي معنى.

الأعداد بالنسبة للباحث الفرنسي هي نتاج متغيرات كثيرة، فكما أن فيروساً لم يتوقعه أحد في بداية 2020 قد غيّر كلّ جداول الديمغرافيا، فإن عناصر أخرى يمكنها أن تفعل ذلك مثل الكوارث الطبيعية أو التوجّهات السياسية والاقتصادية. مثلاً يمكن لبناء ملعب أو مشروع صناعي أن ينقل نسبة من السكان من مناطق أخرى ليزرعها في مكان جديد.

يعود فيرون إلى تاريخ سؤال “هل ينبغي الخوف من عدد سكّان العالم”، والذي يمكن تتبّع أثره من قرون بعيدة حيث أن الحكّام منذ تأسيس المدن كانت سياساتهم متجهة إلى تحديد عدد سكّان مدنهم الأساسية، مشيراً إلى أن الأسوار لم تكن تلعب دوراًَ عسكرياً فحسب، فالحروب تقع على سلّم كبير يُحسب بالسنوات، في حين أن الخِشية من تضخّم أعداد الوافدين إلى المدينة هو تحدّ يوميّ للمدن.

يرى فيرون أن هذا الفكر السياسي كان منحصراً في عدد قليل من النقاط في العالم باعتبار أن قدرات الغزو – وهي مرتبطة بالتقدم التكنولوجي المنعكس مباشرة في التفوق العسكري من عدمه – لم تسمح برؤية شاملة للعالم، وبالتالي لا معنى حتى القرن السادس عشر لمفهوم عدد سكّان العالم.

لم تدخل إشكالية عدد سكّان العالم إلى دائرة الضوء العلمية إلا مع العالم البريطاني توماس مالتوس في القرن الثامن عشر، وهي لحظة وعي يربطها فيرون بالامتداد الجغرافي الذي عرفته بريطانيا بوصولها إلى كامل أصقاع الأرض، وبالتالي فإن فكرة عدد سكّان العالم باتت مهمة للعقل السياسي ومن ورائه العقل العلمي.

حين وضع مالتوس الموارد الاقتصادية وعدد السكّان ضمن معادلة واحدة اعتبرها أبرز إشكاليات التاريخ البشري، سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، حيث أن نمو عدد السكّان أسرع من نمو الموارد الاقتصادية، وهو ما يجعل من الحرب أداة تعديل ضرورية تساعد أداة التعديل الطبيعية المتمثلة في الأمراض والكوارث الطبيعية.

سيقوم الفكر الديمغرافي لاحقاً على توفير أرضية للسياسة والاقتصاد تساير التناقض الذي أشار إليه مالتوس، وهنا يلتقي فيرون بإشكاليات الحاضر سواء ما تعلّق بالوباء الأخير أو بموجة الاحتجاجات التي يشهدها العالم في السنين الأخيرة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً