الدراما السورية… ابتعاد عن جحيم الواقع

يحضر الموسم الرمضاني لعام 2021 حاملاً عودة أكثر غزارة على صعيد الإنتاج السوري. ورغم حضور معظم النجوم في الأعمال الدرامية، والمشاركة في مسلسلات أُنجزت في لبنان والإمارات ومصر والأردن والعراق، لكنّ التوليفة الدرامية السورية التي يبحث عنها الجمهور ما زالت غائبة عن الشارع وتساؤلاته، وإن حضرت هذا العام جزئياً أكثر من قبل.

يرتقب الجمهور عرض مجموعة من المسلسلات الاجتماعية والكوميدية في ظل غياب المشهد التاريخي وهيمنة البيئة الشامية في إنتاجات ضخمة وأخرى أقل ميزانية، فلم تتمرد الكاميرات خارج نطاق الحارة الشامية التقليدية، بل توغلت أكثر في تفاصيل الحقبة الزمنية الممتدة بين الاحتلالين العثماني والفرنسي، وجاءت مواربة لزمن يحمل الكثير من الإسقاطات السياسية في مسلسل “خريف العشاق”.

فما الذي يحمله موسم رمضان 2021 من اختلافات للدراما السورية؟

وجد الممثل السوري في الغياب عن الدراما ضريبة أكثر من الحضور، فالمشهد الدرامي لم يتبدل والصناعة لا تبحث عن مشاريع مستقلة تحمل اسم نجم كما كان يحدث مع الفنانين الكبار، مثل سامية الجزائري، وأيمن زيدان، وأمل عرفة وغيرهم، لذا وجد النجوم أنّ التأخر في الحضور لعام آخر قد يؤثر سلباً على الصعيد الفني والاقتصادي، ليشهد موسم 2021 عودة ياسر العظمة ضمن مسلسل “السنونو” مع المخرج المصري خيري بشارة، وعودة سامية الجزائري بمشاركة أيمن زيدان بطولة النصّ الأول للفنان حسام تحسين بيك ويحمل اسم “الكندوش“. 



كما يحضر عباس النوري مرة جديدة في البيئة الشامية بعد دور “أبو عصام” الشهير في “باب الحارة” وذلك ضمن مسلسل “حارة القبة” بدور “أبو العز”.

في المقابل، علمت النجمات السوريات أنّ الحضور في الدراما المشتركة لن يمكّنهن من الظهور المطلوب في موسم رمضان، لذا يشهد الموسم الحالي عودة بامتداد واسع للنجمات السوريات ضمن إطار الأعمال الدرامية، ولا سيما الشامية، إذ تتابع الفنانة كاريس بشار بطولة ثاني مواسم مسلسل “سوق الحرير“، وتشاركها البطولة الفنانتان نادين تحسين بيك وقمر خلف. كما تحضر الفنانة سلافة معمار في بطولة مسلسل “حارة القبة”، وتشارك الفنانة سلاف فواخرجي في بطولة مسلسل “الكندوش” بمشاركة الفنانة شكران مرتجى.



بدورها، تطّل الفنانة نسرين طافش ضمن مسلسل “المداح” في مصر، إلى جانب الفنان حمادة هلال، بعدما كان من المقرر أن تحضر في الموسم الرمضاني الحالي بالدراما السورية، بحسب تصريح سابق لها. وتغيب، في المقابل، الفنانات سوزان نجم الدين، وأمل عرفة، ورنا شميس عن البطولة، في حين تحجز صفاء سلطان مقعداً في البطولة ضمن مسلسل “خريف العشاق” إلى جوار حلا رجب، وتحضر كندة حنا في “الكندوش”، ونظلي الرواس في “على صفيح ساخن” بحضور الفنانة الجزائرية أمل بوشوشة.

وفي حين يترسخ غياب نجوم الصف الأول عن الدراما السورية المحلية، نشاهد الفنان قصي خولي في ثنائية مع الفنانة اللبنانية نادين نسيب نجيم في مسلسل “2020“، ويطلّ باسل خياط إلى جانب الفنانة يسرا في مسلسل “حرب أهلية“، ويحضر قيس الشيخ نجيب كضيف شرف في المسلسل المصري “هجمة مرتدة“، في حين يغيب مكسيم خليل عن الموسم.


إعادة تعريف مفهوم نجم الصف الأول في الدراما السورية بنطاقها المحلي المتدهور وحضورها العربي غير المتوازن


كل ذلك دفع بنجوم الصف الثاني للحضور في بطولة أعمال محلية ومشتركة، ما يعيد تعريف مفهوم نجم الصف الأول في الدراما السورية بنطاقها المحلي المتدهور وحضورها العربي غير المتوازن، فنشاهد خالد القيش ومحمد الأحمد في بطولة المسلسل المشترك “للموت“، كما نشاهد عبد المنعم عمايري وسامر إسماعيل في بطولة مسلسل “داون تاون“.


أما داخل سورية، فيحضر الشقيقان محمد وأحمد الأحمد لأول مرة في بطولة مسلسل واحد هو “خريف العشاق”، ويشاركهم البطولة الفنان الشاب لجين إسماعيل، كما يحضر خالد القيش في بطولة “حارة القبة” إلى جانب فادي صبيح، الذي يطلّ أيضاً في بطولة مسلسل “الكندوش”، في حين يحقق الفنان محمد حداقي حضوراً في بطولة العملين السابقين معاً.


الجمهور المحلي الذي سئم حالة الاستنزاف في طرح البيئة الشامية درامياً، وجد نفسه أمام إنتاجات ضخمة بحضور نجوم الصف الأول وضمن نطاق الحارات الدمشقية، فلم يجد بداً من انتظار هذه النوعية من الأعمال، والتفاؤل الحذر بأنّها ستكون أفضل حالاً إنتاجياً ودرامياً من الأعمال المستنزفة حتى الرمق الأخير، وبأجزاء عدة وميزانية ضعيفة.


يشهد الموسم الحالي عودة المخرجين المثنى صبح، ورشا شربتجي لنطاق الدراما الشامية


لذا، يشهد الموسم الحالي عودة المخرجين المثنى صبح، ورشا شربتجي لنطاق الدراما الشامية، فيسعى صبح لإنقاذ الجزء الثاني من مسلسل “سوق الحرير” بعد الأخطاء التي اعترضت سير الأول، ويجمع لذلك كوكبة من النجوم ضمن محاولة بصرية ودرامية لعرض دمشق من منظور جديد في خمسينيات القرن الفائت.

في حين تراهن رشا شربتجي على قوة مشروع “حارة القبة” من ناحية تقسيم الحكاية زمنياً بشكل متوازن يسمح للقصة بالامتداد لخمسة أجزاء، مع رسم متقن للشخصيات وتوثيق مرحلة “سفر برلك” التاريخية بشكل اجتماعي من دون إسقاطات سياسية.

وهكذا، يحافظ بالمقابل المنتج محمد قبنض على ذهنيته في استنساخ الأجزاء الدرامية ويقدم الجزء الثاني من مسلسل “بروكار” والجزء الحادي عشر من مسلسل “باب الحارة”، وكلاهما بتوقيع المخرج محمد زهير رجب.

الالتفاف نحو الثمانينيات


كيف للدراما السورية أن تملك الجرأة في طرح فترة الثمانينيات بتعقيداتها السياسية وحضور السلطة بشكل عنيف إبان أحداث حماة؟ هذا كان خيار الكاتبة ديانا جبور، التي قدمت نصاً يحمل اسم “إخوة أعداء” للرقابة السورية في عام 2020 وقوبل بالرفض، لتعود وتجري تعديلات عليه ليصبح متماشياً مع رؤية النظام في تحويل الدراما لخدمة أهدافه، وتكليف المخرج جود سعيد من قبل السلطة بإنجاز المسلسل الذي يروي سيرة ثلاثة شبان يختارون الزواج من طوائف مختلفة وتتعقد حكاياتهم على مدى ثلاث مراحل زمنية.

العمل الذي أنهى تصوير مشاهده الأخيرة في حماة، يطرح تساؤلاً عن حساسية طرح تلك المرحلة بلا تشويه وتغيير دور المجرم والضحية، في قالب درامي يثقله حضور الكاميرا السينمائية للمخرج جود سعيد، بعد إخفاقه في إنجاز مسلسل “أحمر” من قبل.




الكوميديا من دون إبهار

رغم وجود مجموعة من الأعمال المحلية منخفضة الكلفة الإنتاجية في إطار الكوميديا، لم يصنع ذلك حالة ترقب لدى الجمهور الذي يرفض التعامل مع الكوميديا باستسهال رغم وجود ممثلين سوريين قادرين على صناعة الضحكة بأدائهم وواقع مزر يمكن صياغة كوميديا سوداء منه. لكنّ غياب مشروع “بقعة ضوء” ومنع النظام الكتّاب من تقديم نصوص نقدية لاذعة حوّل الكوميديا إلى تهريج، سواء في نطاقها المحلي أو التجارب التي تنطلق من سورية لتشمل دولاً أخرى، في حين يعوّل الجمهور جزئياً على مسلسل “السنونو”، والذي يعدّ المسلسل الأول لياسر العظمة بعد سلسلة “مرايا” الممتدة لأكثر من ثلاثين عاماً. وهذا ما يجعل الرهان كبيراً على العظمة في صناعة كوميديا هادفة قادرة على التأثير من دون إسفاف، وتتزامن مع روح المجتمع في 2021 وطبيعة مشاكله.

دراما التسعينيات

رغم توفر ميزانية متوسطة من قبل سلطات النظام ممنوحة لمديرية الإنتاج التلفزيوني، ما زالت المؤسسة الحكومية تعمل بعقلية التسعينيات من ناحية الإنتاج الدرامي والتعامل مع المسلسل، ليحضر في موسم 2021 الإنتاج الحكومي بعملين، أحدهما مؤجل من الموسم الفائت ويحمل اسم “بعد عدة سنوات”، ويجمع في بطولته ديمة قندلفت، وسعد مينة، ومحمد حداقي، وعلي كريم، وروبين عيسى، ومسلسل أنتج هذا العام، ويحمل اسم “ضيوف على الحب”، ويجمع كلاً من فادي صبيح، وشكران مرتجى، وزهير رمضان، ورنا كرم، وبلال مارتيني في البطولة.

ورغم الدفء التي تحمله المشاهد المنشورة من العملين، فإنّ ذلك لا يخرج من إطار الصورة المحدودة للدراما غير الإشكالية التي تهادن السلطة، وتعرض نموذج العائلة السورية قبل الحرب، وهي الصورة التي يحاول النظام العمل على ترسيخها لبثّ حالة الندم لدى الجمهور باللعب على نوستالجيا المشاعر. بذلك، يحضر الموسم بالكمّ لا بالنوع، فلا رصد لجغرافيا الواقع السوري من الشارع مع غياب النصوص الإشكالية والمشاريع المتكاملة بين الكاتب والمخرج، من دون الوعي بحال الدراما التي باتت ملتصقة عربياً بصورة الحارة الدمشقية، وحالة الاغتراب لنجوم الدراما خارج حدود دمشق.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً