الدعوة الروسية لقمة خماسية: ثرثرة لتبرير حلم التوسع

من البوابة الإسرائيلية، والتركيز على دور الجيش الأحمر في وضع حدّ للنازية وإنقاذ ملايين اليهود من المحرقة، يسعى الكرملين إلى العودة بقوة كلاعب أساسي في رسم المشهد العالمي بعد 75 عاماً على الانتصار في الحرب العالمية الثانية (1939 ــ 1945). وفي محاولة لتثبيت صعود روسيا في السنوات الأخيرة ودورها المؤثر في عدد من القضايا الإقليمية والدولية بعد عقود على “نهاية التاريخ” بسقوط الاتحاد السوفييتي (1991) وانتهاء الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى عقد قمة لأعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين (روسيا، الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا والصين)، بهدف “الدفاع عن السلام” و”الحضارة” في مواجهة انعدام الاستقرار في العالم. طبعا هو كلام جميل يتم تكذيبه يومياً بفعل السياسات الروسية الاستعمارية والحروب التي ترعاها موسكو من أوكرانيا إلى سورية وليبيا، لتثبت روسيا أن أحلام التوسع السوفييتي على حساب الشعوب، لا تزال تحكم نظرتها إلى نفسها وإلى العالم، ليبقى الكلام عن السلام والحضارة والمساواة مخصصاً للاستهلاك الإعلامي الذي لا قيمة له.

ورحبت الأمم المتحدة بمبادرة بوتين لعقد القمة، وقال نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق: “نرحب بالحوار بين الدول الأعضاء في المنظمة. نرحب بكل مقترحات تخص الحوار بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي”. كما رحب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في وقت سابق من يوم الخميس الماضي، بمبادرة نظيره الروسي قائلاً: “صديقي العزيز، الرئيس بوتين، أنا معكم في أن الدول الخمس المؤسسة للأمم المتحدة تتحمل مسؤولية خاصة، وينبغي علينا أن نجتمع مجدداً”. وأضاف أن “واجبنا هو ضمان استقرار النظام العالمي، الذي يستند إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهذا ما علينا الدفاع عنه”.

من جهتها، دعمت الصين حليفة روسيا المبادرة، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشونينغ، إن “الجانب الصيني يؤيد اقتراح روسيا لعقد القمة ومستعد للاتصال وتنسيق هذه المسألة مع الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن ومع الجانب الروسي”. في حين أكدت وزارة الخارجية البريطانية، أن سلطات لندن بانتظار تفاصيل إضافية من موسكو بخصوص مبادرة الرئيس الروسي، بحسب ما نقلت عنها وكالة “تاس” الروسية. وانتهز الرئيس الروسي الفرصة من أجل تثبيت الرواية الروسية لأحداث الحرب العالمية الثانية ورواية المحرقة، ومع إشارته إلى أن الاتحاد السوفييتي فَقَد 27 مليون شخص من أجل إنقاذ أوروبا من النازية، ذكر بوتين أنه “كان هناك أيضاً تعاون مع النازيين أثناء المحرقة. مساعدو النازيين كانوا في الغالب أكثر وحشية من النازيين أنفسهم. لم يقتصر الأمر على النازيين فحسب، بل على من خدمهم ومن ساعدهم من دول أخرى في أوروبا في مصانع الموت ومعسكرات الاعتقال” في إشارة واضحة إلى بولندا التي هاجمها بوتين كثيراً في الأشهر الأخيرة، وبلدان البلطيق (لاتفيا، ليتوانيا، إستونيا).

وقال بوتين إن قمة الدول التي ساهمت بشكل رئيسي في هزيمة المعتدي، وإنشاء نظام عالمي لما بعد الحرب، سوف تلعب “دوراً كبيراً في البحث عن إجابات جماعية للتحديات والتهديدات الحديثة، وسيظهر بالطبع إخلاصنا المشترك لروح التحالف والذاكرة التاريخية والمثل والقيم العليا، التي حارب من أجلها أجدادنا وآباؤنا كتفاً إلى كتف”. وأبدى الرئيس الروسي استعداده إلى عقد هذه القمة في أي مكان يوافق الزعماء الآخرين، لافتاً إلى أن “عقد مثل هذا الاجتماع في هذه السنة بالذات، 2020، أمر مهم ورمزي. بعد كل شيء، نحتفل بالذكرى الخامسة والسبعين لنهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة”.

وتعليقاً على ذلك، قال أستاذ العلوم السياسية رولاند بيجاموف إن بوتين كان موفقاً في اختيار مكان وزمان دعوته، وقال في اتصال مع “العربي الجديد” إن “بوتين بتوجيهه هذه الدعوة، المدعمة بخلفية تاريخية قوية، قدم عرضاً يصعب رفضه”، موضحا أن الرئيس الروسي خطا “خطوة قوية ومربحة، تسمح لروسيا ليس فقط بالتصرف بصفتها صاحبة هذه المبادرة الدولية، ولكن أيضاً لتعزيز دورها الوسيط في الشؤون العالمية بشكل كبير”. ولفت بيجاموف إلى أن “بوتين لم يقترح مجرد فكرة متعلقة بالأجندة العالمية، بل اقترح على الفور قضية محددة للمناقشة هي الوضع في ليبيا، إذ من الممكن تركيز الانتباه على الأزمة واستخدامها كبالون اختبار تجريبي حول القدرة على تبني آليات حل المشاكل الملتهبة في إطار مجموعة الدول الخمس”.

واضح أن دعوة بوتين لاجتماع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التي تتزامن من تصاعد دور روسيا في عدد من القضايا والأزمات الدولية من كوريا الشمالية إلى أميركا اللاتينية مروراً بالشرق الأوسط، تهدف إلى البحث جدياً في إعادة صياغة نظام العلاقات الدولية، ووضع قواعد جديدة للعبة الجيواستراتيجية في العالم بشكل يضمن لموسكو مكاناً قيادياً على طاولة الكبار بعد عقود من إهمال الغرب الذي خرج منتصراً في بداية تسعينات القرن الماضي مع انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية.

واللافت أن دعوة بوتين لبناء نظام عالمي جديد، لم تتطرق إلى ضرورة إشراك القوى العالمية الجديدة التي برزت بعد 75 عاماً على النظام الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية، ما يكشف أن الكرملين يسعى لفك عزلته وتثبيت دوره عبر صفقات مع باقي القوى العظمى تتضمن تجديد الاعتراف بأن روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي لم تعد قوة إقليمية بل قوة عظمى على قدم المساواة مع الجميع. ولعل الأهم أن روسيا لا تطرح فكرة العالم متعدد الأقطاب في مواجهة التفرد الأميركي مع كل القوى الصاعدة بل من أجل ضبط الخلافات وعدم السماح لأي طرف باستغلال التنافس الجيوسياسي بين الكبار في أي منطقة للبروز، خصوصاً في ظل تراجع دور وأهمية جميع القوى العظمى في النظام الدولي بعد تمكّن الكثير من اللاعبين الإقليميين من بناء قدرات عسكرية، كانت في الماضي حكراً على كبار اللاعبين حصرياً، بالإضافة إلى زيادة كبيرة في حساسية القوى العالمية للخسائر البشرية، وتراجع أهمية الاقتصادية والتوجه المتزايد نحو أولوية السياسة الداخلية، تحديداً الاجتماعية والاقتصادية، على حساب السياسة الخارجية.

مؤكد أن دعوة بوتين تحتاج إلى موقف أميركي واضح حول المبادرة، ويبدو أن طرح القمة الخماسية جاء بعد سنوات من رفض واشنطن “رقصة التانغو” الثنائية الأكثر تفضيلاً لصنّاع السياسة الروسية والأكثر قدرة على إقناع المواطنين بأن روسيا واحدة من قوتين عظميين تديران العالم. وتبقى الكلمة الأخيرة في إمكانية عقد هذه القمة عند إدارة دونالد ترامب الغارقة في مشاكل داخلية تحاول الهروب منها بالتقرب إلى إسرائيل.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً