"الذهب المعرفي" ودوره في حماية الاقتصاد والثروة

شُغلت وسائل الإعلام والمعنيون بالشأن الاقتصادي، خلال الفترة الماضية، بأسعار الذهب (المعدن الأصفر)، بعدما تجاوزت أسعاره سقف 2000 دولار للأونصة، وكان لأزمة الحرب الروسية على أوكرانيا دور كبير، فوجدنا الأفراد يتجهون لشراء الذهب، إما للمضاربة أو للحفاظ على مدخراتهم.


وكان الدافع للاستحواذ على الذهب خلال الفترة الماضية، من قبل البنوك المركزية، هو خشية المستقبل الغامض للدولار كعملة رئيسة في محافظ الاحتياطيات الدولية للبنوك المركزية، وكذلك فعل الأفراد، فالبعض فضل المعدن الأصفر لاحتمالات استقراره، بل وارتفاع ثمنه خلال المرحلة المقبلة.


ولكن قرار المجلس الفيدرالي الأميركي بزيادة سعر الفائدة بنحو 0.5% أربك سوق الذهب، وأخذ بيد المضاربين في السوق الدولية للانسحاب من أسواق الأموال الساخنة في الدول الصاعدة، وكذلك من أسواق المضاربة على الذهب، ليتخذوا من أسواق أميركا المالية قبلة لهم، طمعًا في أسعار الفائدة المرتفعة، والتي تنتظر المزيد خلال عام 2022.


وجدنا الكثير من الكتابات ترصد أداء إنتاج الذهب في دول العالم المختلفة، وتحدد كميات الإنتاج الأكبر على مستوى العالم، وكذلك حائزي الأرصدة الذهبية، وذهب البعض إلى دور أكبر للذهب في مستقبل النظام النقدي العالمي، بل توقع بعضهم أن يزيح الذهب الدولار عن عرش التسويات المالية والنقدية الدولية، وأن العالم بصدد عودة قوية لقاعدة الذهب لتحديد قيمة العملات المختلفة.


وكثير من هذه الكتابات تحركها العاطفة، أو تصرف لحظي، مثل اتجاه روسيا في ظل أزمتها في حربها على أوكرانيا بالتوجه لتحصين احتياطياتها في البنك المركزي بإضافة المزيد من الذهب، والانصراف عن الدولار، ونسي هؤلاء الكرام أن الفعل الروسي يأتي في إطار المقولة العربية “مكره أخاك لا بطل”، فهدف روسيا محاولة تفريغ قرارات العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من مضمونها، وهو هدف لم يُظهر بعد نجاعة في مواجهة العقوبات الأميركية والأوروبية.




ماهية “الذهب المعرفي”


اعتدنا أن نطلق مجازًا اسم الذهب على بعض المواد الأولية الاستراتيجية، كما هو الحال في النفط بتسميته “الذهب الأسود” أو في حالة القطن “الذهب الأبيض”، وفي هذا الإطار تأتي تسمية “الذهب المعرفي” والمقصود به المعرفة أو التكنولوجيا.


إن القيمة المضافة لخام الذهب، من حيث استخدامه في بعض الصناعات التكنولوجية الحديثة، أو المصوغات وخلافها، إنما يرجع تحقيقها من خلال المعرفة، فطن الذهب الخام يكون ثمنه محدودًا في الأسواق، ولكن قيمته تزداد عند استخدامه مكوناً في الأجهزة التكنولوجيا الخاصة بالاتصالات.


وكذلك كثير من السلع المتطورة إنما تزداد قيمتها من قدر المعرفة الذي احتوته، وكثير ممن يتابعون التطور الحضاري على مدار العقود الثلاثة الماضية، يجدون بالفعل ثورة في الاتصالات والمعلومات، ألقت بظلالها الإيجابية على مختلف جوانب الحياة، في التعليم والصحة والاتصالات والمواصلات والطب والهندسة… إلخ. بل وجدنا، خلال جائحة كورونا، كيف تغيرت نظرة العالم للتعليم عن بعد، والعمل عن بعد.


مناجم “الذهب المعرفي”


الذهب الأصفر يستخرج من باطن الأرض، وكذلك الذهب الأسود، وهو من الصناعات الاستخراجية، والتي عادة ما تكون قيمة منتجاتها محدودة مهما غلى سعرها، ما لم تطور من خلال القيمة المضافة عبر القنوات الصناعية المختلفة.


لكن “الذهب المعرفي” له مكامن أخرى، حيث تحتويه العقول، ويتم استفراغه من خلال التعليم بمراحله المختلفة، وإن كانت الجامعات ومراكز البحوث هي المصافي النهائية، أو شبه النهائية، لإنتاج “الذهب المعرفي”. لقد وجدنا الآثار المباشرة لامتلاك “الذهب المعرفي” في حالة الصراع التكنولوجي بين أميركا والصين في حربهما التجارية، وكيف استطاعت أميركا أن تجعل الصين تصرخ من خلال التهديد بعدم تصدير التكنولوجيا الخاصة بالشرائح التكنولوجية.




وهو ما جعل الصين تعي الدرس منذ فترة، وتدفع بنحو 950 ألف باحث من أبنائها للدراسة في الجامعات الأميركية، بل وتدفع مبالغ طائلة تصل إلى 40 مليار دولار لبعض المؤسسات في بريطانيا لتطوير أعمالها الخاصة بأشباه المواصلات، التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية الخاصة بالموبايل وأجهزة الحاسوب المحمولة.


بين الذهبين 


ثمة تساؤلات ملحة تطرحها وسائل الإعلام، ويهتم بها الكثير من الفاعلين في النشاط الاقتصادي، حول مستقبل الذهب في الحياة الاقتصادية، للدول والأفراد، يمكن القول بأنه في الأجل القصير، ولمن لا يهتمون بالمستقبل، أن تنصرف اهتماماتهم إلى الاستحواذ على الذهب الأصفر، سواء للحفاظ على القوة الشرائية لمدخرات الأفراد، أو لبناء محافظ شبه آمنة لمكونات سلة عملات الاحتياطيات الدولية في البنوك المركزية.


ولكن الأداء الاقتصادي العالمي يرصد أن ذلك السلوك مجرد مخاطرة، فتغير السياسات المالية والنقدية من شأنه أن يربك ويهدر خطط الراغبين والحريصين على الاستحواذ على الذهب الأصفر، وهو ما وجدناه عقب الأزمة المالية عام 2008، حيث اتجهت العديد من البنوك المركزية لبيع بعض ما لديها من الذهب رغبة في الحصول على سيولة لتمويل الأنشطة الاقتصادية والخروج من حالة الركود.


بل ذهب صندوق النقد الدولي إلى السياسة نفسها، فقرر عام 2009 بيع نحو 403 أطنان من الذهب للبنوك المركزية والمؤسسات المالية الأخرى، رغبة في الحصول على سيولة لتمويل برامجه لإقراض الدول التي كانت تفتقد السيولة بسبب الأزمة المالية العالمية لعام 2008.


ولكن “الذهب المعرفي” دومًا في حالة من الإضافة، فكلما مرت المنتجات المعرفية بما يسمى بـ”التقادم التكنولوجي”، أتت مراكز البحوث والجامعات بمنتجات معرفية جديدة تزيد من قيمة الوقت والموارد الاقتصادية، بل وتساعد بشكل كبير على تضخيم الثروة.




لذلك، فامتلاك “الذهب المعرفي” أهم وأجدى من اكتشاف أو الاستحواذ على الذهب الأصفر أو الأسود، وكل أنواع الذهب الأخرى، بل يمكن القول إن “الذهب المعرفي” هو ما يستطيع هدم مخططات السياسات النقدية والمالية للدول الاستعمارية، التي تستنزف ثروات الشعوب منذ ما يزيد على 7 عقود.


لقد وجدنا أن كافة تجارب التنمية، في الدول المتقدمة والصاعدة على السواء، كانت تعتمد على التعليم والنهوض به، وكذلك خطوات السعي لتوطين وامتلاك التكنولوجيا، ثم إنتاجها وتطويرها.


مطلب عربي وإسلامي


مما يؤسف له أن العديد من الدول العربية والإسلامية امتلكت –ولا تزال– العديد من السلع الاستراتيجية، التي أطلق عليها مجازًا مسمى الذهب، ومن أبرزها النفط “الذهب الأسود”، ولكن ذلك لم يضع دولة عربية أو إسلامية واحدة في مصاف الدول المتقدمة، وإن كانت بعض الدول الإسلامية صنفت دولاً صاعدة (إندونسيا، وماليزيا، وتركيا).


والطريق لا يزال مفتوحًا أمام تلك الدول للسير قدمًا في مسيرة الاستحواذ على “الذهب المعرفي”، ولكن بعيدًا عن مهاترات الساسة، ويتطلب الأمر إعادة تخصيص الموارد الاقتصادية لتلك الدول للوصول إلى مرتبة إنتاج “الذهب المعرفي”.




من السهل جدًا التنقيب عن معدن الذهب الأصفر في المساحات المختلفة من أراضي تلك الدول، وإذا تعذر ذلك، فيمكنها شراء ما تريد من السوق الدولية وفق آليات العرض والطلب. ولكن هذه الثروة من معدن الذهب الأصفر من السهل أن تعصف بها عوامل عدة.


أما “الذهب المعرفي” فجذوره ثابتة، وقابلة للزيادة بشكل مضطرد، بل وتتجذر عبر الأجيال المتعاقبة، ويكون “الذهب المعرفي” خير ما تورثه الأجيال الحالية للأجيال القادمة، وشأن كثير من الأوضاع الخاصة بدولنا العربية والإسلامية، تبقى الإرادة السياسية والمجتمعية، ويبقى الاحتياج لنظرة عميقة طويلة الأجل، تهون دونها العديد من الاهتمامات الزائلة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً