السعودية والإمارات … خلاف اقتصادي بطعم السياسة

ظهر الخلاف السعودي الإماراتي داخل تحالف أوبك+ علناً على السطح عندما دعا وزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان الإمارات يوم 04 يوليو/تموز 2021 إلى تقديم شيء من التنازل وقليل من العقلانية بغية التوصُّل إلى اتفاق بشأن زيادة الإنتاج المشروط بتمديد اتفاقية خفض سقف الإنتاج الحالية حتى ديسمبر/كانون الأول 2022 بدلاً من إبريل/نيسان 2022.


وكانت الإمارات مصرَّة على ضرورة الفصل بين قضيتي زيادة الإنتاج النفطي وتمديد الاتفاقية الحالية غير العادلة من وجهة نظرها، وتحديداً من ناحية نقطة الأساس المرجعية لحصص الإنتاج التي لا تُمكِّنها من استغلال سوى 30 في المائة من طاقتها الإنتاجية، ولا سيَّما بعد قيامها بالعديد من المشاريع الاستثمارية بمليارات الدولارات لزيادة طاقتها الإنتاجية من الذهب الأسود الذي سقطت بسببه الحكومات وشُرّدت على يديه العديد من الشعوب.


قبل أن تأتي جائحة كورونا على الأخضر واليابس، كانت حصة الإمارات من إنتاج النفط محددة بـ3.2 ملايين برميل يومياً وفقاً لنظام حصص “أوبك +”، ثم انكمشت حصتها إلى 600 ألف برميل فقط مباشرة بعد توصِّل أعضاء تحالف “أوبك +” إلى اتّفاق خفض إنتاج النفط بمقدار 9.7 ملايين برميل يومياً بداية من مايو/أيار 2020 حتى نهاية يوليو/تموز 2020، ثمّ تخفيف خفض الإنتاج إلى 7.7 ملايين برميل يومياً حتى نهاية 2020، وصولاً إلى التخفيض الحالي المُقدَّر بـ5.8 ملايين برميل يومياً والذي كان من المفترض أن ينتهي في إبريل/نيسان 2022.


انتهجت الإمارات سياسة التعنّت إزاء المقترح السعودي الروسي بشأن تمديد اتفاق إنتاج النفط بالرغم من غياب الحاجة المُلحّة والعاجلة لتعزيز الإنتاج من أجل تغذية شرايين الإنفاق الحكومي والصناعة والاستثمارات


وبعد الخلاف العلني بين السعودية وروسيا من ناحية والإمارات من ناحية أخرى تمخَّض اتِّفاق “أوبك+”، يوم الأحد 18 يوليو/تموز 2021، عن زيادة حصة الإمارات إلى 3.5 ملايين برميل يومياً، إضافة إلى زيادة حصة منتجين آخرين مثل العراق والسعودية وروسيا.


وقبل اتفاق الأحد انتهجت الإمارات سياسة التعنّت إزاء المقترح السعودي الروسي بشأن تمديد اتفاق إنتاج النفط بالرغم من غياب الحاجة المُلحّة والعاجلة لتعزيز الإنتاج من أجل تغذية شرايين الإنفاق الحكومي والصناعة والاستثمارات والعديد من المشاريع التنموية الأخرى مقارنة بأعضاء آخرين ضمن تحالف “أوبك+” كالجزائر، والعراق وإيران وليبيا.


ولكن عندما يتسرب الإنفاق الذي تفرضه السياسة والمصالح الجيوستراتيجية إلى طاولة النفط، تكون الأولوية من نصيب الخيارات التي تمليها الرؤية المستقبلية للدولة على حساب الاهتمام بأواصر الأخوّة والجوار والتلاحم.




لقد أنفقت الإمارات ملايين الدولارات لشركات العلاقات العامة وجماعات ضغط في الولايات المتحدة بهدف تجميل صورتها الخارجية التي شُوِّهت بفعل الانخراط في حرب اليمن، وتورُّط دبي في عمليات غسل الأموال وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية.


فحسب كتاب جماعي صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في 7 يوليو/تموز 2020 بعنوان “دور دبي في تسهيل الفساد والتدفُّقات المالية العالمية غير المشروعة” أنفقت الإمارات أكثر من 20 مليون دولار على جماعات الضغط الأميركية في عام 2018 في شكل 3168 نشاطا سياسيا والاتصال بـ200 من أعضاء الكونغرس و18 مركز أبحاث، والعديد من وسائل الإعلام الأميركية البارزة.


كما قامت بتحويل أكثر من 3 ملايين دولار في شكل تبرُّعات غير قانونية للحملات الانتخابية لمرشَّحي الرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون ودونالد ترامب في عام 2016.


وفي بداية رحلة تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، أعلنت الإمارات عن تأسيسها صندوق استثمار بقيمة 10 مليارات دولار بهدف دعم الاستثمارات في إسرائيل، ولا سيَّما في قطاعات الطاقة والفضاء والصحة والزراعة (علماً أنّ إدارة بايدن قد جمَّدت هذا الصندوق في الشهر الجاري)، وبطبيعة الحال يتطلَّب استمرار هذا السخاء المالي غطاءً مالياً يستطيع النفط أن يسدّ جزءًا معتبراً منه.


قسط كبير من الخلاف السعودي الإماراتي سببه الترسُّبات والتراكمات التي تشكَّلت نتيجة انسحاب الإمارات من اليمن، قطار التطبيع الإماراتي الإسرائيلي السريع، الملف اللبناني، وقمة “العلا”


قسط كبير من الخلاف السعودي الإماراتي سببه الترسُّبات والتراكمات التي تشكَّلت نتيجة انسحاب الإمارات من اليمن، قطار التطبيع الإماراتي الإسرائيلي السريع، الملف اللبناني، وقمة “العلا” التي تُوِّجت بإنهاء الحصار على قطر، فلا يخفى على أحد التناقض الصارخ بين مواقف الرياض وأبوظبي في العديد من الخيارات الاستراتيجية، إذ يحاول كل بلد سحب البساط من تحت أقدام الآخر في لعبة النفوذ السياسي والتنافس الاقتصادي.


في 5 يوليو/تموز 2021، جاءت الجريدة الرسمية السعودية “أم القرى” بأخبار غير سارَّة للإمارات من خلال منشور وزاري تضمَّن تعديلات تحرم من خلالها المملكة كل السلع المنتجة في المناطق الحرّة، وكذا تلك التي يتمّ إنتاجها باستخدام مكوِّنات إسرائيلية من الامتيازات الجمركية.


كما تضمَّن ذلك المنشور استبعاد المملكة لكل السلع التي يتمّ إنتاجها بعمالة تقلّ عن 25 بالمائة من العمالة الخليجية، أو تلك التي تقلّ نسبة القيمة المضافة فيها عن 40 بالمائة بعد عملية التصنيع من الاتِّفاق الجمركي لمجلس التعاون الخليجي، وهي خطوة سعودية جريئة وُصِفت بـ”ضرب الإمارات تحت الحزام”.


وجاءت لتكمل الخطوة السابقة التي اتَّخذتها المملكة في فبراير/شباط 2021 وأعلنت من خلالها حرمان الشركات متعدِّدة الجنسيات، التي لها مقرّات خارج السعودية، من الحصول على العقود الحكومية بحلول عام 2024.


ولم تُفوِّت المملكة الفرصة أيضاً لإسالة لعاب الشركات العالمية من خلال إغرائها بالحصول على إعفاء كامل من الضرائب لمدة 50 عاماً في حال أسَّست مقرّات لها بالرياض، وكلها خطوات هامة تخطوها المملكة في طريقها نحو تنحية الإمارات من مركزها الريادي كوجهة عالمية للأعمال والتجارة بالمنطقة العربية.




ترى السعودية أن كل الشركات الأجنبية والمستثمرين الأجانب بمثابة أحجار على رقعة الشطرنج ينبغي تحريكها بأسلوب يجعل من الرياض المحور الاستثماري والمالي والسياحي الرئيسي في المنطقة استعداداً لمرحلة ما بعد النفط.


لكن في الوقت الذي تتفوَّق فيه الإمارات على كافة الأصعدة لا سيَّما في البنية التحتية الإلكترونية والاستثمار السياحي والتكنولوجيا المالية لا تزال السعودية تخطو خطواتها الأولى نحو اللحاق بركب التقدُّم المدروس الذي حقَّقته أبوظبي التي وصلت حالياً إلى مفترق طرق حادّ، يتوقَّف مصيرها فيه على ما ستتّخذه من قرارات.


الصراع السعودي الإماراتي لا يزال في مقدّمته وأولى مراحله وسيصل إلى ذروة تهديد مستقبل مجلس التعاون الخليجي واحتمال التفكك حتى ولو بشكل غير علني


خلاصة القول، إنّ الصراع السعودي الإماراتي لا يزال في مقدّمته وأولى مراحله وسيصل إلى ذروة تهديد مستقبل مجلس التعاون الخليجي واحتمال التفكك حتى ولو بشكل غير علني، لأنّ الاندماج الذي حققته إسرائيل في الإمارات حتى الآن لن يؤدي إلا إلى تردي الأوضاع، ولن يسمح بحدوث تغيير إلا للأسوأ، وسيورط الإمارات في وحل من الصراعات الإقليمية حيث ستتعثَّر خطواتها وستتصلب أقدامها.


حتى سلوك الانفصام في السياسة الخارجية الذي تنتهجه الإمارات بين رفع راية التطبيع مع الكيان الصهيوني والتلويح لإيران بأعلام العلاقات الجيّدة لن يجديها نفعاً لأنّه أصبح خدعة مكشوفة لا تنطلي على أحد، لذلك فبقاؤها على عرش الريادة مرهون بالوصول إلى توازن جديد يضمن تقاطع المصالح وتشابك المنافع.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً