السياسة الإيرانية والرغبة الأميركية

جرَّت الولايات المتحدة الأميركية الاتحاد السوفييتي إلى سباق تسلح كبير، ما جعله يضع ثقله كله في جانبين؛ الأول تضخيم بنيته العسكرية وتطويرها، والثاني الدخول في حرب باردة مع أميركا، عنوانها الرئيس التنافس على المواقع والساحات على مستوى العالم. وكانت للسياسة هذه آثار كارثية عديدة على الاتحاد السوفييتي، منها تضخّمه قوة عسكرية، وحضوره الكثيف في مناطق مختلفة من العالم، وتعميم نموذجه في الحكم، في أوروبا الشرقية وبلدان العالم الثالث، ومساعدة الأنظمة الحاكمة فيها. وكان هذا كله على حساب الجوانب الأخرى، خصوصًا الاقتصاد والتنمية، والحريات الديمقراطية وتطوير نظام الحكم، ما أدّى، في الحصيلة، إلى انهياره في عام 1991. 
كان في إمكان الولايات المتحدة أن تتدخل أكثر في لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي، فتُمعن في تقسيمه وشرذمته وتقويضه، لكنها لم تفعل، ورأت ضرورة بقاء مركزه، روسيا، فاعلًا وقويًا، ليقوم بضبط مواقعه وآثاره السابقة ولملمتهما، خصوصًا ما يتعلق بالسلاح النووي ونظم الحكم التي أوجدها أو دعمها في العالم، ما يعني أن أميركا كانت مع إضعاف الاتحاد السوفييتي والحدّ من أذرعه وتأثيراته في العالم، لكنها لم تكن في الحصيلة مع قتله.
بالطبع، على الرغم من الفوارق العديدة بين الاتحاد السوفييتي وإيران، خصوصًا من حيث حجم القوة العسكرية والامتداد والتأثير في العالم، إلا أن هناك تشابهاتٍ من حيث الآلية العامة لنظامي الحكم فيهما، على الرغم من اختلافهما أيديولوجيًا، وتشابهات أيضًا من حيث طبيعة السياسة الأميركية وأهدافها تجاه الطرفين.
ترتكز السياسة الخارجية الإيرانية على دعامتين، هما الأيديولوجية الشيعية والمصالح القومية،

 وكل منهما تخدم الأخرى، تمامًا كما كانت الأيديولوجية الشيوعية تخدم المصالح القومية السوفييتية، مع رجحان كفة المصالح على الأيديولوجية في اللحظات المفصلية. ولعل أهم مصالح إيران الحيوية اليوم هو الحفاظ على ممرٍّ برّي يربطها بالبحر المتوسط مرورًا بالعراق وسورية ولبنان، يفيدها في نقل الأسلحة والتواصل بين مليشياتها، فضلًا عن كونه ممرًا تجاريًا لتصدير النفط والغاز إلى أوروبا.
عوامل انهيار نظام الحكم في إيران موجودة في بنيتها الداخلية وسياستها الخارجية، تمامًا كما كانت عوامل انهيار الاتحاد السوفييتي موجودةً في بنيته وسياساته في العالم. ومن ثمّ تتحدَّد المصلحة الأميركية بالضغط على إيران وحصارها بهدف منع تطورها في المجال النووي، والحدّ من تهديدها طرق النفط، ومن أذرعها في المناطق القريبة من إسرائيل، لكن أميركا لا تذهب بعيدًا في اتجاه انهيارها كليًا أو حتى إسقاط نظام الملالي؛ فوجود إيران بقوة محدودة وقابلة للتحكّم مفيد من حيث استمرار حاجة دول الخليج إلى الحماية الأميركية تجاهها، مع ما يدرّه ذلك من مال وطلبات التسليح من جهة أولى. ومن جهة ثانية، لقدرة إيران على التحكّم في المليشيات التي أوجدتها في المنطقة، خصوصا أن الإسلام الشيعي بالنسبة إلى أميركا والغرب أكثر قابليةً للضبط من الإسلام السني، بحكم خضوع الأول إلى مركز سياسي واحد، والثاني إلى مراكز متعدّدة ومتضاربة. ومن جهة ثالثة، يفيد الخطر الإيراني في المنطقة العربية في تعزيز توجه الحكومات والشعوب العربية نحو التقليل من حجم الخطر الإسرائيلي، ما يسهل القبول بوجود إسرائيل والتوصل إلى توافقات واتفاقات سلام معها.
تتوفر إيران على بعض الأوراق المهمة، منها حضورها القوي في منطقة الخليج العربي، وهو ما يضغط على دوله وسياساتها، وسيطرتها النسبية على جزءٍ من القرار في دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء، وإلحاقها للشيعة العرب بسياساتها، ووجود مؤسساتٍ ثقافيةٍ تبشيريةٍ لها في المنطقة لحشد الأنصار والموالين، والنمو النسبي لقوتها العسكرية قياسًا بقدرات دول المنطقة، وسعيها الدائم إلى خوض معاركها على أراضي الآخرين، كما سعت، في السنوات الأخيرة، إلى أن تكون قريبة من إسرائيل، بعد أن كانت حاضرة عقدين من خلال حزب الله في لبنان، لتصبح طرفًا مفاوضًا في القضية المركزية للمنطقة، فلسطين، التي تتشابك وتلتقي عندها دول الإقليم والدول الكبرى.
على الرغم من أن الأيديولوجية الشيعية مهمة بالنسبة إلى إيران في حيز كسب الموالين لها، والتجييش بما يخدم سياساتها، إلا أن السياسة الخارجية الإيرانية لا توصف بالسياسة الأيديولوجية، فهي براغماتية الطابع أولًا، وتتوفر على قدر كبير من المرونة والقدرة على المناورة بما يخدم المصالح القومية الإيرانية. أما الخطاب العالي لزعمائها ولأذرعها ذو الطابع الشيعي فهو مكرّس للتحشيد وجذب الأنصار، ولولا البراغماتية هذه لما استطاع نظامُها البقاء وحقن نفسه بعناصر الاستمرار في محطات عدّة.
ولكن النظام الإيراني هو في الحصيلة نظام ديني غير مرغوب فيه عالميًا، بل ومخيفٌ أيضًا، 

يحكم شعبًا غير مندمج وطنيًا، خصوصًا في وجود خطر التفكك دائمًا بسبب وجود إثنياتٍ متنوعةٍ وكبيرة، ومظالم غير محلولة، ويُضاف إلى ذلك ضعف البنية الاقتصادية بسبب تخلف الأهداف والآليات من جهة، والحصار الاقتصادي الغربي من جهة ثانية. وهي مثل سائر الدول الشمولية من حيث سعيها إلى إظهار نفسها دائمًا في حالةٍ من التهديد حولها، إذ يلعب الخطر الخارجي دورًا مركزيًا في تمتين البنية الداخلية الهشّة أصلًا، وفي مصادرة المعارضة الداخلية والمجتمع المدني والإعلام.
في بلدان المنطقة العربية، تكمن خطورة الدعوة الأيديولوجية الإيرانية في أنها تُلحق فئات مجتمعية معينة بسياساتها، وتُفقدها تدريجًا انتماءها الوطني لمصلحة تعزيز انتمائها الديني المذهبي، وتجعلها تعمل في مواجهة الفئات المجتمعية الأخرى. مع ذلك، لم تكن الأيديولوجية الشيعية كافيةً وحدها لدخول إيران إلى نسيج المجتمعات العربية، إذ لجأت إيران إلى السطو على أهم قضيةٍ شغلت العرب، خلال النصف قرن الماضي، قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، واستخدمتها في مجال التجييش وكسب ولاء تياراتٍ سياسيةٍ واسعة، مستخدمةً شعار “الممانعة والمقاومة”، وهو الشعار الذي خدمها في بناء محاور مؤلفة من اتجاهاتٍ متباينة؛ الإسلام السياسي بشقّيه (السني والشيعي)، الأنظمة والأحزاب القومية العربية، الأحزاب اليسارية الشيوعية، فضلًا عن مثقفين وفنانين ونخبٍ مختلفة، خصوصًا بوجود نظرة مسيطرة على مستوى المنطقة العربية ترى أن أميركا وإسرائيل هما الشرّ المطلق، ومستعدّة للتهوين من الأخطار الأخرى كلها، والتقليل من مشكلات الواقع العربي الأخرى أيضًا، خصوصًا على المستوى الداخلي.
هذا يعني أن إحدى المسائل المهمة اليوم في الواقع العربي تكمن في عودة العرب إلى الاستحواذ

 على قضية الصراع العربي الإسرائيلي؛ فالتخلّي عنها هو من المسائل التي أتاحت لإيران فرصة اللعب بالساحات الداخلية والمتاجرة بالقضية الفلسطينية مع أميركا والغرب، فضلًا عن أن التغلغل الإيراني ساعد في انحطاط حركة التحرّر العربية، وتحوّلها إلى حركةٍ دينيةٍ مذهبيةٍ بوجهين، سنّي وشيعي، وإن لم يكن هو السبب الوحيد بالطبع. وبصورة أشمل، تحتاج المنطقة العربية اليوم إلى خطاب وممارسة سياسيين يركّزان على نقاط رئيسة؛ الأولى اعتبار قضية بناء الدولة الوطنية الديمقراطية هي القضية المركزية لشعوب المنطقة، والثانية خطاب يعيد الشيعة العرب إلى المنطقة، والثالثة انتزاع القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي من اليد الإيرانية، ومن رؤية محور “المقاومة والممانعة”.
بقي أن أقول إنه لا يمكن التعويل على نجاح الحركات والتظاهرات الاحتجاجية في إيران لإسقاط نظام حكم الولي الفقيه، على الرغم بالطبع من تضامننا معها؛ لأنها ستُواجه بشراسةٍ شديدةٍ مماثلة لمواجهة أجهزة النظام السوري الانتفاضة السورية، أو تزيد عليها، ما سيؤدي إلى انكسارها أو انفتاح إيران على وضع راعب وغير مستقر، فضلًا عن أنه، عمومًا، لا توجد دولة محكومة بنظامٍ شبيه بالنظام السوري أو العراقي أو الإيراني استطاعت أن تبني نظامًا مستقرًا بعد رحيل نظامها، ولا أعتقد أن أميركا تريد الوصول بإيران إلى اللحظة هذه.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً