السيرة الفكرية.. حقلٌ خصب قلّما نجني ثماره

السّيرة الفكريّة تمرينٌ أسلوبيّ مُزدهر في الثقافة الفرنسيّة وفي الفضاء الأكاديميّ بشكلٍ خاص، حيث يُعدّ بمثابة الشرط للحصول على درجة جامعيّة عُليا، وهي التأهّل للإشراف على أطروحات الدكتوراه. يقتضي هذا التمرين كتابة سيرة ذاتيّة يتتبّع خلالها المترشّحون تطوّرهم الذهني. وثمّة مِن المفكّرين مَن يتجاوزُ النطاق الضيّق للانتقال من درجة مهنيّة لأخرى ويحوّل ذلك إلى هاجس تفكير. النتيجة مُؤلفات يُقبل عليها الباحثون والقرّاء العاديّون لما فيها من جَمع بين المعرفة المعمّقة والذّاتيّة الحيّة.


فقد أقبلت أسماء ثقافيّة شهيرة على تجاوز السيرة العقليّة ضمن الإطار الجامعي، ومن أبرزهم بول ريكور (1913 ــ 2005)، الذي اشتَغلَ على الذاكرة كهمّ فلسفي، فوضع كتاب “وقد أُنجزَ التفكير” (1995)، ونَصَّ العنوان الفرعيّ للكتاب، بشكل صريحٍ، على أنه “سيرة عقليّة”. وكذلك نجد أثر هذا التقليد في كتابات المفكر إدغار موران الذي بلغ مؤخّرًا قرنًا من العمر. بدأ انشغاله بالكتابة الفكرية – الذاتية، منذ بداية السبعينيات حين خصّص كتابَ “يوميات كاليفورنيا” ليكشف التحوّلات المعرفيّة التي عاشها بانتقاله من جامعات أوروبا إلى المؤسّسات البحثيّة الأميركية. واستمرّ لديه هاجس كتابة السيرة العقلية إلى آخر أعماله، “دروس حياة”، الصادر منذ شَهرَيْن.


وللسيرة الفكرية جذورٌ بعيدة في الثقافة الفرنسية، حتى إن لم تكن هذه التسمية دارجة، فمفكّرو القرن العشرين والقرن الحالي قد استأنسوا لكتابة سيرهم بنماذج سابقة وضمنها تُصنّف “خواطر” (1669) بليز باسكال، و”تأمّلات” رُنيه ديكارت (1641)، و”اعترافات” (1770) جان جاك روسّو. وكذلك كتاب “هذا هو الإنسان” (كُتب عام 1888 ونُشر عام 1908) الذي جعله الفيلسوف الألماني نيتشه كملخّص لمجمل أفكاره. ومن المعلوم تأثير نيتشه في مفكّري فرنسا في القرن العشرين وما بعده.


التذبذب الاصطلاحي سببٌ لقلة تصنيف أعمال عربية سيراً فكرية


وأمّا في الثقافة العربية، فَيَظلّ هذا التمرين عصيًّا على الإمساك النظريّ، فلا هو حاضرٌ كتقليد كما هو الحال في فرنسا، ولا هو غائب تمامًا. ومثال ذلك كتاب زكي نجيب محمود “قصة عَقل” (1983)، وعبد الوهاب المسيري في كتابه “رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمار” (2001). كما يمكن أن نجد أثر النزعة لكتابة السيرة الفكرية في نصوص كثيرة لعبد الله العروي، من “خواطر الصباح” (عدّة أجزاء، صدر أوّلها عام 2001) إلى “نقد المفاهيم” (2018). ويعدّ الكثيرون كتابَ “الأيّام” (صدرت أجزاؤه بين 1926 و1967) لطه حسين أقرب إلى السيرة الفكريّة منه إلى السيرة الذاتيّة، لأنَّ الكاتب المصري لم يقتحم منطقة الحميمي إلّا نادرًا. وكان محور كتابه إظهار قدرة الفرد على تجاوز الصعوبات ضمن نموذج التنوير، أيْ: الخروج في كلّ مرة من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة.


ولعلّ من أسباب عدم الحسم في تصنيف أعمال كثيرة ضمن إطار “السيرة العقلية” أو “الفكرية”، هذا التذبذب في التسميات، فلا يوجد في ثقافتنا جهاز نقديّ مضبوط للمصطلحات يتيح دراسة هذا الجنس من الكتابة، مع تسجيل استثناءات مثل كتاب الباحث التونسي شكري المبخوت “أحفاد سارق النار: في السيرة الذاتيّة الفكريّة”، وكتاب الباحث المغربي محمد الداهي “شعرية السيرة الذهنية”. ومنذ عتبة العنوانَيْن، نقف على التذبذب الاصطلاحي الذي ذكرناه. ولا نُغفل ما هو أكثر خطورة: عزوف الجزء الأكبر من الباحثين عن المواضيع غير المطروقة؛ فإذا لم يَجدوا إطارًا منهجيًا واضحًا لدراسة هذه القضية أو تلك، قلّما يغامرون بابتكار مناهج لها ومُقارباتٍ.


وقبل هذا، نجد أثرًا بعيدًا للسيرة الفكريّة في التراث العربيّ، فابن خلدون قد انبرى لكتابه سيرته (واعتبرها “رحلة” لكثرة تنقّله المكانيّ) منذ أن فرغ من تاريخه: “كتاب العِبر”. لكنّ أبرز الأمثلة التي تحضر إلى الذهن كتابات أبي حامدٍ الغزالي الذي كان من قلّة العلماء الذين رسموا مسارهم الروحي وتحوّلهم من علم الكلام والفقه والمنطق والفلسفة، ومنها إلى التصوّف النظريّ ثم التنسّك العمليّ خلالَ ثلاثة عشر عامًا. وثمّة مقاطعُ كثيرة من نصوصه لا يتردّد الباحث الحديث في تصنيفها ضمن السيرة العقلية، كأن نقرأ تأمّلاته في صومَعة بالقدس، ومن ثمَّ تَتبع ما اعتراه من الأزمات الفكرية بسبب شكّه في المحسوسات والمعقولات والعلوم النظرية، ثم إعادة اليقين إليها عبر البناء الفلسفي لها. وقلّما ننظر إلى كتابه الشهير، “المنقذ من الضلال” (1107 تقريباً)، باعتباره سيرة، وهو كذلك، فقد جرى تصنيفه ضمن أعمال الهداية الدينيّة وبتنا ننظر إليه كذلك.


يمكن العثور على بدايات للسيرة الفكرية عربياً عند الغزالي


وهكذا، فالسيرة العقلية للأدباء والكتّاب والفلاسفة ليست بدعًا في تاريخ الفكر العربي، وإنما جنس من أجناس القول، تَمرّس به أصحابه وأظهروا براعةً في التصرف بآلياته التي تتمثّل أوّلًا في وضع الذات محلّ الموضوع والدأب على تتبّع الأطوار التي مرّت بها، والأشواط التي قطعتها ضمن بحثها عن الحقيقة وعن النمط التعبيري الملائم، من أجل الوقوف على الخيط الناظم لها. وقد تتعقّد هذه السيرة إذا كان صاحبها غير نمطيّ لا يتبع في حياته الفكرية خطًّا واضحًا، ممّا يجعل البحث في المنعطفات والقطائع أمرًا شائكًا، ولكنّه ممتع بما فيها من خرقٍ للمنتظر وتكسير للانتظار.


وعلى عكس السّير الذاتيّة، أكانت تاريخيّة أم متخيلّة، فإنّ السيرة الفكريّة تؤكد على الأفكار والنظريات والمبادئ التي قادت صاحبَها خلال تنقّله في ميادين المعرفة، كما تسلّط الضوءَ على المراحل المعرفيّة التي عرفها صاحب السيرة أثناء وقوفه على زَيف نظريّة أو تقادم نموذج معرفي، هذا فضلًا عن أهمّ الأفكار التي صاغها وأنتجها، إمّا بالاعتماد على موارده الخاصّة أو بتبنيّ طروحاتٍ مُستخدمة.


كما يتميّز هذا الجنس بالعودة النقديّة إلى مسارات الاشتباك بالمعرفة وبالعالَم للوقوف على مكامن الضعف والتهافت وإظهار ما ينتاب الذات من الخيبة والقصور، فالهدف منها كما قال تودوروف في “رواية تعلُّم” (1986) هو “نقد النقد” والاضطلاع بغربلة ما حصل أثناء مسار التطوّر الفكري من قطائع، تأكيدًا أنّ بالإمكان أبدَعَ ممّا كان، كما أنّ للفكر سقطاتُه وزلاّته. 

وأمّا من جهة التشويق والحبكة القصصية وآليات التخييل والذاتية، فهي أقلّ بكثير من السير العادية، لأنّ رهانها الأول هو العمق الإبستيمولوجي الذي يرصد تطوّرات الحقيقة ومدارجَ إدراكها. وحبكتها قائمة على توضيح المدار الذي اتّخذته تحوّلات الفكر، لا على بناء الأحداث وترابطها وغرابتها. وهذه اللطائف قلّما تبلغُ إلى قارئ غير متمرّس.


وعليه، تظلّ السيرة العقليّة تمرينًا ذهنيًّا صعبًا يقتضي مسافة نقديّة بين الذات التي تصبح هي نفسها الموضوع، وذاتها. ويحقّ لكلّ باحث أن يُنجز هذا التمرين مرة في حياته حتى يراجع مَساره وما خَبره خلاله من قطائعَ وتراكمات. وتكمن الصعوبة في الإمساك بالخيط الناظم، وبيان التجانس بين المراحل والأطوار التي يمرّ بها. ولعلَّ جماعَ السّير التي يصوغها المُفكّرون أن تكون زبدة العقل الإنساني في مختلف متونه ومَذاهبه؛ ينظر إليها الآحاد من المفكرين فيقفون منها موقف السؤال والمُراجعة.



* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً