السينما والتلفاز: تحوّلات في المناخ الإنتاجي

تبدو العلاقة بين المادة السينمائية والتلفزيونية متقلبة، حين تفرض ميول الجمهور صاحب الخيار والقرار شكل عملية الانتقاء. فمعظم المنتجات العالمية شهدت تحولات جذرية في عملية صناعتها مطلع الألفية الثانية، لا سيما العقد الثاني منها. يُلاحظ، في هذا السياق، مع تصاعد المنافسة بين منصات البث العالمية؛ تغيّر مسار الإنتاج السينمائي، واعتماد الجزئية أو السلسلة نمطًا استهلاكيًا أُثبِت فاعليته في السوق العالمية، إذ إن الأمر لم يعد يقتصر على تحويل ألعاب الفيديو أو الروايات العالمية إلى أفلام نالت شهرة كبيرة ونجاحًا مدويًا في شبابيك التذاكر فحسب، بل كان لا بد من نقل منسوب الربح إلى مستويات أعلى ضمن استهلاك أقل للمادة الخام (الأصل).

لعل عالم مارفل السينمائي خير دليل على ذلك (نجوم وأبطال خارقون في دائرة افتراضية مغلقة). نجاعة الأمر قد تطرح أسئلة عديدة، هل نضبت الأفكار المتجددة في صناعة المحتوى؟ أم هناك تغيير في المزاج الانتقائي للجمهور؟ أم هي موجة عابرة لا أكثر؟ جميع الأسئلة قد لا تعطي نتيجة واضحة حين تبقى عجلة المتعة والإثارة في حالة استدامة، فهذا كل ما يتطلبه الأمر، بعيدًا عن أية استنتاجات لا تقدم ولا تأخر.

بالطبع، لا يتوقف الأمر عند أفلام البوب كورن، حتى أشهر وأفضل الأفلام العالمية مثل “العرّاب” و” صمت الحملان” وغيرها، حملت في عرضها سلسلة من الأجزاء ونالت جوائز عالمية عديدة، فضلًا عن الأرباح الطائلة التي حصدتها. وباعتبار أنها أفلام ذائعة الصيت، فهي أمست نموذجًا فتح آفاقا جديدة في عالم السينما؛ فتوالت بعدها نماذج كثيرة خطت على وقعها مثل سلسلة أفلام الرعب “SAW” التي امتدت لسبعة أجزاء، وثلاثية “سيد الخواتم” للمخرج النيوزيلندي بيتر جاكسون، وهو من إنتاج نيو لاين سينما التابعة لعملاق الميديا “وورنر بروذرز” والتي سبق أن أنتجت بالتزامن مع “سيد الخواتم” السلسلة الشهيرة من أفلام “هاري بوتر” والتي انتهت بثمانية أجزاء.


مفهوم الجزئية لم يقتصر على السينما فحسب، فعالم الشاشة الصغيرة بات يستوعب كمًا هائلًا من المسلسلات، عشرات الأعمال التلفزيونية متنوعة المحتوى برزت بشكل مكثّف في السنوات الأخيرة، علمًا بأن هذه الموجة قد انطلقت أواخر القرن العشرين، مثل “أمير بيل إير” و”فريندز”، ثم ما قدمته شركة فوكس الشهيرة في مسلسليها “24” و”prison break”.
لكن شكل المنافسة بين قنوات العرض جعلت من نجاح الأعمال التلفزيونية المتسلسلة أمرًا حتميًا تضاعف مع قبولها من قبل المتابعين حول العالم، فهذه الحيوية في صناعة المسلسلات وضعت بعض شركات الإنتاج في مواجهة مع هذا التغيير؛ فعملت على استغلال هذا النهج الجديد لصالحها وقامت بداية بتحويل بعض أهم الأعمال السينمائية المتسلسلة بدورها إلى مسلسلات ناجحة مثل “هانيبال” الذي عرض عام 2013 على قناة NBC (هيئة الإذاعة الوطنية) لثلاثة مواسم، ومسلسل “شارلوك هولمز” الذي توقف عند الجزء الرابع عام 2017، ليتم مؤخرًا إعلان تحضير الجزء الخامس منه.

حتى أن ثلاثية “سيد الخواتم” لم تسلم من هذا النهج؛ حيث يتم التحضير لصنع أجزاء منه كمسلسل تلفزيوني من قبل “أمازون”؛ ما سيشكل منافسة كبيرة أمام بقية القنوات، لا سيما بعد النجاح الهائل الذي حققته HBO في مسلسلها “صراع العروش” game of thrones، والتي لا تزال مستمرة في كسب هذا النجاح من خلال صنع مشتقات جديدة من النسخة الأصلية للمسلسل، ولعله يعود للأخير الفضل الكبير في توجه عدد من المنتجين إلى صناعة المسلسلات الخيالية/التاريخية، إضافة إلى تنشيط المسلسلات المغيّبة، كمسلسل الخيال العلمي والرعب “stranger things” التابع لشبكة نتفليكس، حيث أصدر الموسم الثالث منه في يوليو/ تموز الشهر الماضي بالتزامن مع إعلان نتفليكس عن بدء التحضير لمواسم جديدة لكل من مسلسلي “dark” في نسخة ثالثة، و”peaky blinders” في نسخته الخامسة.

في حين أعلنت شبكة CW التابعة لوورنر براذرز تجديد كل من “all American” و”in the dark” إضافة إلى مسلسل “100” الذي تم عرض الموسم السادس منه قبل ثلاثة أشهر. ولا ننسى أيضًا مسلسل الرعب الشهير “the walking dead” حيث أعلنت شبكة AMC مؤخرًا وبشكل رسمي عن تصوير الموسم العاشر منه. أمّا عن مسلسلها الأشهر على الإطلاق “BREAKING BAD” فقد تم التأكيد على صنع فيلم سينمائي مشتق من العمل، بعد أن توقفت السلسلة عن العرض عام 2013. بينما يبقى تاريخ عرض الجزء الثالث من مسلسل الخيال العملي “WEST WORLD” لصاحبته HBO مجهولًا، رغم إعلان الأخيرة رسميًا عن إنتاجه.


لا شك أن هذه السياسة الإنتاجية قد أصبحت ظاهرة في عالم السينما والتلفاز، مرد ذلك يعود إلى فهم السوق والعقلية الجماهيرية التي أصبحت بنسبة كبيرة ترغب برؤية أفلامها المفضلة على شكل مسلسلات متعددة الأجزاء، إضافة إلى المسلسلات المبتكرة، لما لها من استمرارية تتضمن المتعة والتشويق على عكس بعض الأفلام التي تنتهي بعرض جزء واحد وفي أفضل الأحوال ثلاثة أو أربعة كحد أقصى، إلا أن هذا الزخم والتسارع في عمليات الإنتاج التلفزيونية والسينمائية غيّب بعض الشيء دور السينما الأحادية، رغم استمرار نشاطها الإنتاجي، ولكن في عالم الفن تبقى هذه الصناعات متقلبة المردود والتوجه، يصعب معها تكهن استقرارها.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *