الصين تنقل الصراع إلى الأطلسي: مشروع قاعدة في غينيا الاستوائية

لم يمض وقت قليل على الضجة التي أثارتها التقارير التي وردت عن اختبار الصين لصاروخ أسرع من الصوت قادر على حمل رؤوس نووية، حتى سلّط الإعلام الأميركي مجدداً الضوء على نيّة بكين إنشاء أول قاعدة عسكرية دائمة لها مطلة على المحيط الأطلسي ستكون على الأرجح في غينيا الاستوائية.


ويعكس هذا التوجه حجم الطموحات الصينية البحرية العسكرية، أو ما يعرف بـ”استراتيجية المحيطات” الصينية للقرن الحالي، ليس لمواصلة تطوير القوة البحرية لجيش التحرير الشعبي الصيني، التي أصبحت الأكبر في العالم، بل للتوسع خارج منطقة غربي الهادئ، وإيجاد موطئ قدم في الأطلسي. ويجعل ذلك أميركا تدق ناقوس الخطر مجدداً، لمنع الصين من الوصول إلى مساحات مائية استراتيجية تخضع كلّياً لهيمنتها، ومحمية من حلفائها، وهو ما تعتبره خطاً أحمر يمسّ مباشرة بأمنها القومي.


قاعدة للتزود بالأسلحة والصيانة مطلة على الأطلسي


وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، أمس الإثنين، عن اسم البلد الذي ربما استقرت الصين عليه، لإنشاء أول قاعدة عسكرية دائمة لها مطلة على المحيط الأطلسي، وهي دولة غينيا الاستوائية الصغيرة في وسط أفريقيا، بحسب ما أكد مسؤولون أميركيون اطلعوا على تقارير للاستخبارات الأميركية مصنفة سرّية.


ويبدو أن المسألة مطروحة في الدوائر الاستخبارية الأميركية منذ وقت ليس بقصير، ولم تكشف المصادر عن التفاصيل التي وردت في التقارير الاستخبارية، لكنها أكدت أنها تثير احتمال أن تصبح السفن الحربية الصينية قادرة على إعادة التزود بالأسلحة وإجراء عمليات صيانة في مواجهة الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وهو خطر أطلق صافرات إنذار في البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).


بنت الشركات الصينية مائة مرفأ تجاري حول أفريقيا


وكان الجنرال ستيفن تاوسند، قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، قد حذّر في شهادة أمام مجلس الشيوخ في إبريل/ نيسان الماضي، من أن “أكبر خطر من الصين هو أن يصبح لها قاعدة عسكرية مفيدة على الساحل الأطلسي لأفريقيا”. وأوضح أن “كلمة عسكرية، تعني شيئاً أكثر من مكان صالح كمرفأ. أنا أتحدث عن مرفأ يستطيعون فيه إعادة التسلح وإصلاح سفنهم الحربية”.




ولاحقاً أكد تاوسند، لوكالة “أسوشييتد برس”، في مايو/ أيار الماضي، أن الصين “تبحث عن مكان (في أفريقيا)، حيث بإمكانها إعادة التسليح وإصلاح السفن الحربية”. وبعد قاعدتها العسكرية في جيبوتي، الدولة الصغيرة جداً أيضاً في منطقة القرن الأفريقي، لكن التي تتحكم بأكثر الطرق البحرية ازدحاماً في العالم (مضيق باب المندب)، قال تاوسند إن “هدف الصين هو أن تحصل على شيء أكثر إفادة عسكرياً في الصراعات، ويبدو أن عينها هي على الساحل الأطلسي”.


ولفت إلى أن بكين سعت إلى توقيع اتفاق لإنشاء قاعدة جديدة في تنزانيا، أو في رأس الرجاء الصالح، كما أنها عرضت المسألة على موريتانيا. ولتنزانيا (شرقي أفريقيا)، علاقات عسكرية قوية بالصين، لكن تاوسند أكد أن لا قرار قد اتخذ حول ذلك، لافتاً إلى “أنها (تنزانيا) ليست الموقع الذي يقلقنا، إنها من جانب المحيط الهندي”. وفي الشهر ذاته، اعتبر وزير الدفاع البرتغالي جواو غوميز كرافينهو أن أي قاعدة عسكرية صينية مطلة على الأطلسي هي فرضية “سينظر إليها بقلق بالغ”، مشدداً على أنها “ليست فكرة جيدة أن يتم إدخال المنطقة في سيناريو الصراع الجيوسياسي”.


وبحسب التقارير الاستخبارية الأميركية الجديدة، التي كشفت عنها “وول ستريت جورنال”، فإن جون فينر، النائب الأول لمستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، زار غينيا الاستوائية، المستعمرة الإسبانية السابقة، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لإقناع الرئيس تيودورو أوبيانغ نغيما مباسوغو (الحاكم منذ 1979)، وابنه ونائبه، وهو الوريث الواضح للحكم، تيودورين نغيما أوبيانغ مانغي، لصدّ المسعى الصيني.


وقال مسؤول كبير في إدارة الرئيس جو بايدن إنه “من ضمن تحركاتنا الدبلوماسية لمعالجة مسائل تتعلق بالأمن المائي، فقد كنا واضحين مع غينيا الاستوائية بأن بعض الخطوات المحتملة التي تتضمن نشاطاً صينياً فيها، ستثير قلقاً يتعلق بالأمن القومي”.


وبحسب مسؤول أميركي، فإن الصين تنظر إلى مدينة باتا، الواقعة في برّ غينيا الاستوائية (العاصمة مالابو تقع على جزيرة بيوكو)، كموقع محتمل لقاعدتها المنشودة، وحيث يوجد في المدينة أصلاً مرفأ تجاري مطل على خليج غينيا، بنته الصين، وطرقات سريعة تصل باتا بالغابون وأفريقيا الوسطى.


أميركا تتقرب من غينيا الاستوائية


وبحسب الصحيفة الأميركية، فإن الاستخبارات الأميركية كانت قد بدأت تجمع إشارات بشأن نوايا الصين العسكرية في غينيا الاستوائية منذ عام 2019، وخلال آخر عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، زار مسؤول كبير في البنتاغون هذا البلد، لكن مقاربته للمسألة هناك جعلت فريق أوبيانغ غير متأكد بشأن كيفية نظر الأميركيين إلى التطلعات الصينية، وما إذا كانوا يأخذونها على محمل الجدّ أم لا. لكن إدارة بايدن أرادت أن تنقل رسالة أكثر حزماً، مفادها أنه سيكون قصر نظر إذا ما أقحمت غينيا الاستوائية نفسها على خط الاشتباك الصيني – الأميركي.


الصين تنظر إلى مدينة باتا، الواقعة في برّ غينيا الاستوائية، كموقع محتمل لقاعدتها المنشودة


لكن العلاقات المتوترة بين واشنطن وهذا البلد الأفريقي الصغير، الذي تدرب الصين جيشه، ويتمتع بعلاقات متقدمة مع بكين، لا تصب في خدمة الضغوط الأميركية، ولذا فإن الولايات المتحدة اتخذت فعلاً خطوات لتدفئة العلاقات، رغم المآخذ الحقوقية على السلطات هناك. وقامت واشنطن، في مارس/ آذار الماضي، بعرض مساعدة على غينيا الاستوائية، بعد انفجار عرضي لمخزن عتاد في قاعدة للجيش في باتا، أدى إلى مقتل مائة شخص على الأقل.


وفي الشهر ذاته، شاركت قوات غينيا الاستوائية في مناورات بحرية بقيادة أميركية في خليج غينيا. وفي آب/ أغسطس الماضي، رست سفينة للبحرية الأميركية في مرفأ باتا، حيث دعا قائدها المسؤولين المحليين في البحرية لمشاهدة تدريب على عمليات إطفاء. ورفعت وزارة الخارجية الأميركية هذا البلد أخيراً في تقييمها حول محاربة تجارة البشر، ما يسمح لإدارة بايدن بتقديم دعم أمني بحري.


لكن البيت الأبيض يعتبر رغم ذلك أن سياسته في هذا الإطار يجب أن تكون طويلة المدى، وأن عليه دائماً أن يوصل رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لا تريد من غينيا الاستوائية أن تتخلى عن علاقاتها المتينة مع الصين، ولكن أن تبقيها في حدود لا تراها واشنطن “مقلقة”.


وتجد الولايات المتحدة نفسها بشكل متصاعد أنها تتحرك لمنع الصين من التمدد عسكرياً واستعراض قوتها العسكرية في قواعد خارج حدودها، لا سيما البحرية، من كمبوديا إلى الإمارات. وفي تقرير قدّمه إلى الكونغرس خلال العام الحالي، ذكر البنتاغون أن الصين بحثت بشأن إنشاء قواعد عسكرية في كينيا وأنغولا وجزر السيشيل أيضاً، وذلك بعدما بنت الشركات الصينية المملوكة للدولة مائة مرفأ تجاري حول أفريقيا خلال العقدين الماضيين، بحسب البيانات الحكومية الصينية.


جرّ الولايات المتحدة لمراقبة جبهتين


وبالتأكيد فإن الصين، التي تواصل تحديث ترسانتها البحرية الحربية، تسعى منذ وقت طويل إلى أن تمدد هذه القوة، لا سيما في أفريقيا، التي شبكت معها علاقات اقتصادية وتجارية متينة، في إطار “القوة الناعمة”، وذلك منذ أن بدأت تتطوع لمحاربة القرصنة في سواحل الصومال، ما اعتبر في أواخر العقد الماضي، قفزة مهمة للبحرية الصينية التي كانت نادراً ما تغادر منطقة غربي الهادئ.


وربطت الصين استراتيجيتها البحرية ببعدها الاقتصادي، لحماية طرق الحرير، وحيث إن اقتصادها يعتمد خصوصاً على التجارة الدولية، وخصوصاً البحرية. لكن البعد الجيوستراتيجي لم يعد خافياً، حيث إن أي قاعدة بحرية صينية في الأطلسي تعني توسعة لمدار أي مواجهة قد تنشب مع الولايات المتحدة، التي سيكون عليها إدارة الحرب على جبهتين. ومن دون شك، فإن الصين تدرك جيداً كيف أدارت الولايات المتحدة، ولا تزال تدير، نظام تحالفاتها البحرية في غربي الهادئ بعد الحرب الباردة، ما يدفعها إلى جرّها إلى ملعب بحري آخر.

(العربي الجديد)






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً