الصُور السينمائية وجماليات الثورة

 


بمناسبة إطلاق برنامج جديد على منصّة “أفلامنا (aflamuna.online)”، بالتعاون مع “المورد الثقافي”، بعنوان “ما (لا) نحبّ أن نراه هو دوماً بداخلنا”، كتب علي حسين العدوي “ملاحظات على السينما العربية المعاصرة في عقدٍ من الثورات العربية” (منشورة على موقع المنصة)، هذه مقتطفات منّها.


 


تنطلق الثورات العربية وتمتدّ على 10 أعوام، فيخرج السينمائيون إلى الشارع بكاميراتهم، ليجدوا أنّ النّاس سبقوهم، شاهرين هواتفهم ليُسجّلوا الحدث، ويُحرّضوا على التغيير، ويحشدوا الجماهير. عبر التدفّق الهائل للصور والمواد البصريّة، انتشرت حركات الثورات، وفي الوقت نفسه تمّ تسليعها وأيقنتها واختزالها في صور وعناوين على وسائل التواصل والإعلام العالمي.


هنا، طرح السينمائيون أسئلة محورية: كيف يُمكن أنْ تصل الثورة إلى السينما؟ إلى اللغة والشكل السينمائيّين؟ كيف تتضامن السينما مع الثورة وتنحاز إليها، من دون أنْ تقع في فخّ الدّعاية والبروباغاندا؟ كيف يُمكن لصناعة سينمائية أن تسائل السلطة، من دون أنْ تتحوّل، بذاتها، إلى سلطةٍ تدّعي صناعة أفلامٍ تقول الحقيقة، أو تملك القدرة على منح الصوت والصورة لمن لا صوت لهم؟


لم تعد الأفلام السينمائية، التي تسعى إلى تقديم صور مغايرة ومتنوّعة عن الآخر، تواجه تحدّيات، كمحدودية إمكانات الكاميرات البرمجية، وشروط إنتاج المادة البصرية، وحدود التأطير في تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة، التي يمكنها إنتاج صور خارج النمط، من دون أنْ يعني ذلك أنّها مساحة ديمقراطية للتعبير المتنوّع؛ وأيضاً أجهزة الدولة الرقابية وسوق السينما السائدة. لكنّها دخلت في مواجهة ضد اختزال أيّ صراع معقّد ومتعدّد الجوانب إلى ثنائيات، كالتي نجدها في شبكات الإعلام، ومهرجانات السينما الكبرى، والجهات المانحة، وجهات الدعم والإنتاج المشترك في أوروبا وأميركا، أو في دول الخليج العربي (…). تسعى تلك الدول إلى السيطرة على هذه الحراكات، وإلى إنتاج أفلامٍ تحمل أسماء دولها ـ شركاتها في المهرجانات الدولية الكبرى.


مثلٌ على ذلك “لا بُدّ أنّها الجنّة”، الفيلم الأخير لإيليا سليمان، الذي اكتفى بالتهكّم على الصوابية السياسية، وعلى الإنتاج النمطيّ المشترك، الأوروبي والأميركي.


تحتاج المنطقة إلى مناقشة مسألة تاريخ وأرشيفات السينما العربية، والمصرية تحديداً، والتمويل والإنتاج الغربي والعربي، بما فيه ذاك الآتي من الخليج. عليه، يمكن القول إنّ المنطقة ومشاكلها أصبحت محطّ أنظار المانحين، مع بداية الانتفاضات العربية، لتساهم توقّعاتها النمطية في إنتاج أفلامٍ “نظيفة” تقنياً، وفقاً لمخيالات مختلفة، استعمارية أو استشراقية غرائبية، أو وفقاً لمصلحة سياسية مباشرة. لذلك، فإنّها غير معنية إلى حدّ بعيد بالجماليات والشكل الفني المغاير، بل بالمعلومات والأخبار، وبإبراز صراع وحلّه لا إلقاء الضوء على تعقيداته.


يمكن القول إنّ الصورة السينمائية المغايرة، في العشرية الماضية، سارت في اتجاهين: إمّا مراجعة المستقرّ التقليدي، والنقد الذاتي، ومساءلة التمثّلات المهيمنة التي شكّلت تربيتنا الفاشية والسلطوية في المؤسّسات الرسمية المختلفة؛ أو التخييل اليوتوبي ـ الديستوبي لإعادة التفكير في الواقعي الفعلي. أي بين مخيال الواقع الفعلي والأفق السياسي. هذا نجده في سلسلة أفلام “بدون” (2014 ـ 2018) لجيلاني السعدي (تونس)، التي يُصوّرها بكاميرا Go Pro، ليطرح السؤال حول سلطة المؤلّف السينمائي، وقدرته على إنتاج صور سينمائية مغايرة، وتجربة جمالية مختلفة، بتكلفة بسيطة، وبالشراكة مع الممثلين، خلافاً لتجارب أخرى من مصر وتونس وسورية، سعت إلى تجربة تشاركية شبيهة بتجربة السعدي في إنتاج الأفلام، لكنّها لم تنجح في تقديم صورة سينمائية مغايرة، بل أنتجت غالباً، للأسف، صوراً تقليدية أو نمطية أو سطحية أو مقلّدة.


 




 


خلافاً لجيلاني السعدي، يُصرّ أسامة محمد، في “ماء الفضة” (2014، سورية)، على سلطته التأليفية، عبر نصّ صوتيّ يُعلّق على صور أرشيفية، أعادت إنتاج عنف السلطة، ويضعها في مقابل الصور الغنية والقوية، التي صوّرتها وئام سيماف بدرخان. في “الرقيب الخالد” (2014، سورية)، يتأرجح زياد كلثوم، كما دمشق، بين صورتين: صورة في الجيش، وصورة في موقع تصوير فيلمٍ لمحمد ملص، حيث تلتقط الكاميرا، الديجيتال الصغيرة المحمولة، تفاصيل ما يحدث في كواليس الفيلم، لتشكيل المادة الأساسية لـ”الرقيب الخالد”، ولمساءلة سلطة محمد ملص كمؤلّف سينمائي عبر كاميرا قرّرت أن تنحاز إلى الثورة.


هذا الأسلوب التصويري، الذي يجعل من الفيلم مجالاً عاماً ومساحة ديمقراطية، يحضر في “لسّه عم تسجّل” (2018) لسعيد البطل وغياث أيوب (سورية). في الجزائر، يظهر في “بلا سينما” (2014) لمين عمار خوجة، حيث تلتقط الكاميرا أصوات عابرين وواقفين في ساحة أمام السينما وصُورهم، وفي مشهد استطلاع الرأي عن الفيلم المفضّل للجمهور، في “الحديث عن الأشجار” (2019) لصهيب جسم الباري (السودان). تتحرّك الكاميرا خارج المركز مع “أطلال” (2017) لجمال كركار (الجزائر)، و”سمير في الغبار” لمحمد أوزين (الجزائر)، كما تتحرّك في الزمن والمكان في “ثورة الزنج” (2013) لطارق تقية (الجزائر)، وفي “سبع سنوات حول الدلتا” (2020) لشريف زهيري (مصر)، و”جمل البرّوطة” (2013) و”المدسطنسي” (2020) لحمزة العوني (تونس)، و”وطن: العراق السنة صفر” (2015) لعباس فاضل (العراق).


على خلاف طلال ديركي، الذي تكبّد عناء الذهاب إلى مخيم “جبهة النصرة”، مُدّعياً أنّه صحافي إسلامي، ليصوّر “عن الآباء والأبناء” (2017)، ليعيد إنتاج صور العنف التقليدية نفسها، عبر مونتاج مشحون بالعواطف، عن أطفال الإسلاميين وحياتهم، وحياة الإسلاميين أنفسهم، وخيالاتهم الجنسية التي يروّجها الإعلام، هناك “بابل” (2012) لإسماعيل ويوسف الشابي وعلاء الدين سليم (تونس)، وأيضاً “آخر واحد فينا” (2016) و”طلامس” (2019) لسليم أيضاً، التي تمثّل علامة مهمّة للسينما الجمالية المغايرة، في أعقاب الثورات العربية. فهذه الأفلام لا تتعامل مع موضوع الهجرة لتصوير المعاناة والمشقّة، بل تأخذه إلى مساحات مغايرة تماماً للعيش والتجربة الأسطورية. وأيضاً، هناك موضوع الحرب وتبعاتها السياسية وصدماتها، المطروح بشكل مغاير في “فيلم كتير كبير” (2015) لميرجان بو شعيا (لبنان) و”أبو ليلى” (2019) لأمين سيدي ـ بومدين (الجزائر).




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً