الظاهرة العونية

يسجّل التيار العوني في لبنان، سواء عبر مسؤوليه المباشرين، أو الذين يتكاثرون حوله، أرقاماً قياسية في كل ما يعد في خانة الانحدار الأخلاقي والابتزاز السياسي. دائماً ما يستحضر ثنائية “المظلومية” و”الغريب” لتبرير كل سقطاته وخطاب الكراهية الذي يغرق فيه.
“الغريب” سبب دائم للأزمات، يلقي عليه التهم جزافاً. اللاجئ السوري كان الأكثر استهدافاً. تفوح من كل تصريح يصدر عمّن يمثل هذا التيار العنصرية تجاه اللاجئين السوريين. في أدبيات هذا التيار التي تنهل من كل ما هو فاشي ونازي، اللاجئون الذين يعانون كل يوم للاستمرار على قيد الحياة هم المسؤولون عن أزمات الكهرباء والماء والنفايات والبطالة .. ولا مانع لدى العونيين من إطلاق وتغطية حملاتٍ تتخطى التي يقوم بها فاشيو أوروبا، تلاحق العمال السوريين البسطاء لطردهم من أماكن عملهم التي لا يحظون فيها بأي حقوقٍ تتعدّى راتباً بسيطاً. حتى اللبنانيون، بمختلف طوائفهم، نالوا نصيبهم من هذه العنصرية، ولكن الاعتراض ممنوع باسم الحفاظ على “الهوية اللبنانية”.
أما “المظلومية” فتحضر عند كل “غارة” جديدة ينفذها التيار للاستحواذ السياسي والاقتصادي، كمن يريد تعويض كل صفقةٍ فاتته منذ انتهاء الحرب الأهلية وخروج ميشال عون من القصر الجمهوري على يد النظام السوري في عام 1990 حتى تاريخ عودته من منفاه الفرنسي في عام 2005، وانخراطه مجدّداً في اللعبة السياسية. أما قادته، فأي انتقاد بحقهم محظور يستوجب الردح، لا الرد أو النقاش.
تطورت هذه الظاهرة تباعاً على مدى السنوات الماضية، لكن فصلها الأكثر انحداراً تصاعد مع تولي جبران باسيل قيادة التيار خلفاً لعمه (والد زوجته) ميشال عون الذي انتخب رئيساً للجمهورية في 2016، وظهرت في أبشع صورها قبل أيام.
كلمات محدودة ومحقة نطقت بها الأسيرة المحررة سهى بشارة، رداً على فضيحة السماح للعميل عامر الفاخوري، بدخول لبنان على الرغم من كل الجرائم التي ارتكبها بحق الأسرى في معتقل الخيام الذي كان من بين أبرز المسؤولين عنه إبّان الاحتلال الإسرائيلي، كلمات كانت كافية حتى تخرج كتائب التيار العوني الإلكترونية تهاجمها. بلغ التمادي حداً وقحاً مع استحضار كل ما في جعبة هذا التيار وأنصاره، ومن يحومون حوله، من خطاب دوني وسفيه.
كل ما فعلته بشارة أنها ذكّرت، في مداخلاتها التلفزيونية، بمقاربة التيار العوني تجاه المتعاونين مع الاحتلال وتصنيفهم “مبعدين قسراً”، لا مجرمين أمعنوا في خدمة جيش الاحتلال، ومعتبرة أن إسقاط صفة المبعدين قسراً، كما يريد هذا التيار، هو تمريرٌ للتطبيع مع إسرائيل، وأن جبران باسيل لكونه يوجد في السلطة ووزيرا للخارجية وممثلا للتيار الوطني الحر يجب أن يتحمّل مسؤولية دخول الفاخوري إلى لبنان. ولكن التيار الذي يمارس السياسة كبلطجي يريد فرض رؤيته بالقوة لم يتحمل بضع كلمات منتقدة له ولباسيل الذي لم يكتف بوراثة والد زوجته في التيار، بل يريد أن يجلس بعده على كرسي القصر الجمهوري ليحكم كل اللبنانيين.
مناضلة بحجم سهى بشارة نفذت محاولة اغتيال العميل أنطوان لحد عام 1988، وقضت عقداً في الأسر الإسرائيلي، وخرجت من المعتقل لم تحد عن قناعتها وثوابتها، لا تحتاج إلى شهادة من أي طرف، فكيف إذا كان ممن يمثلون هذا التيار أو يتبنّون أفكاره.
مشكلة العونيين أنهم باتوا يتصرّفون من منطلق فائض قوة وعنجهية، وكأن لا رادع لهم. يبتزون كل من يقفون بوجوههم. يريدون للبنانيين أن يعيشوا تحت رحمتهم بصمت، متجاهلين أنه ما من طرف واحد يمكن أن يحكم بمفرده في المعادلة اللبنانية، ومتناسين دورة التاريخ في هذا البلد، وما أثبتته أن ما من طائفة أو جهة سياسية دام تفرّدها طويلاً، وأن الثمن الذي تدفعه عندما تحين لحظة الدوران والانكسار يوازي حجم تغوّلها.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *