العبثية اللبنانية

لا يتوقف السياسيون اللبنانيون عن إبهارنا بالمواقف والخطط “الإنقاذية” للبلد الغارق في واحدةٍ من أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية على مر التاريخ الحديث. جديد التحرّكات الدولية التي يفترض أن رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، يقوم بها لإيجاد مخرج للأزمة اللبنانية كانت زيارة الفاتيكان، حيث حصل على وعود من البابا فرنسيس ببذل الجهود لمساعدة لبنان. ومع إدراك المكانة الدينية التي يمتلكها الفاتيكان، يصحّ التساؤل عن طبيعة الجهود التي يمكن أن يبذلها البابا لبلدٍ لا يبذل مسؤولوه أي جهودٍ لمحاولة إنقاذه، بل على العكس تماماً، يمعنون في إغراقه في مزيد من الأزمات.

مشهد عبثي بامتياز، يبرع فيه السياسيون اللبنانيون. فأي عبثيةٍ أكثر من تعطّل اجتماعات الحكومة التي كان من المفترض أن تكون “إنقاذية”، بسبب خلافات سياسية لا علاقة لها بخطط انتشال البلاد من حالة الإفلاس التي وصل إليها، بل على العكس تماماً، فإن من شأن تطبيق الخطوة المختلف عليها، إقالة قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، أن تضع لبنان في مزيد من العزلة العربية والدولية، أكثر من الحال التي وصل إليها اليوم. فرئيس الحكومة اللبنانية لا يزال غير قادر على طرق الأبواب التي من الممكن فعلياً أن تساهم في محاولة إصلاح الوضع الاقتصادي اللبناني بالحد الأدنى. فالشروط الدولية والعربية الموضوعة على الحكومة للمساعدة، يدرك ميقاتي أنه غير قادر على تلبيتها، سواء بالنسبة لفرض إعادة اجتماعات الحكومة، وهو طلب غربي، أو محاولة الحد من نفوذ حزب الله في البلاد، وهو مطلب بعض الدول العربية.

الأنكى في مثل هذا الوضع السياسي المجمد والاقتصادي المنهار والاجتماعي المزري، هو السجال الدائر حول الانتخابات النيابية المقرّرة في مارس/ آذار من العام المقبل. وعلى الرغم من أن الانتخابات مطلب غربي بالدرجة الأولى، إلا أن كل الخلافات القائمة بشأنها توحي بأنها ستؤجل. ولأسبابٍ عديدةٍ، قد يكون هذا الخيار هو الأمثل، لعل أهمها أنها لن تؤدّي إلا إلى إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها. فرغم حالة الامتعاض التي تعتري الشارع اللبناني من الوضع الاقتصادي وتحميل السياسيين المسؤولية، إلا أن غالبية اللبنانيين في لحظة الاقتراع يعودون إلى التصويت للأشخاص ذاتهم الذين أوصلوهم إلى مقاعد المجلس النيابي، ثم اعترضوا لاحقاً عليهم، وهو أيضاً شيء من العبثية اللبنانية. ولعل الإجراء الوحيد الذين قد يلجأ إليه الحانقون على الطبقة السياسية هو المقاطعة.

السبب الآخر الذي يثير الاستغراب حول الحديث عن الانتخابات، في ظل هذه الأوضاع التي يعيشها لبنان، هو الكلفة التي ستتكبّدها الدولة لتأمين تنظيم هذا الاستحقاق، مع ما يتطلبه ذلك من حشد جيوش من الموظفين، هم اليوم يعيشون في أسوأ أحوالهم. فكيف يتم الحديث عن انتخاباتٍ في بلدٍ باتت دوائره الرسمية تغلق يومين إضافيين في الأسبوع، لتوفير الطاقة ولتخفيف التكاليف على الموظفين في ما يخصّ التنقلات، في ظل ارتفاع سعر صفيحة البنزين إلى ثلث الحد الأدنى للأجور. والأمر نفسه تلجأ إليه المدارس، التي أضافت يوماً إلى عطلة نهاية الأسبوع، لتخفيف تكلفة التنقل على المعلمين. وكيف يمكن تأمين الحماية للانتخابات في بلدٍ يقوم عناصر الأمن فيه بالتهرّب من الخدمة للقيام بأعمال خاصة تساعدهم في توفير قوت يومهم، بعدما أصبح راتبهم لا يتعدى الخمسين دولاراً أميركياً. وعلى الرغم من أنه لا يسمح قانوناً للعسكريين بممارسة وظائف أخرى، إلا أن الدولة، أو ما تبقى منها، تغضّ الطرف، حتى أنها تساهم في ذلك عبر تخفيف الدوام في أكثر من مركز أمني، في ظل عدم قدرتها على زيادة الرواتب بما يتوازى مع الارتفاع الجنوني لسعر الدولار.

مسار من العبثية يتوالد ويتزايد يوماً إثر يوم، بعدما أصبحت الحياة بحد ذاتها في لبنان نوعاً من العبث.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً