الغلاء يضرب المواطن الإيراني … والحكومة ترفع الدعم

تشهد إيران موجة غلاء غير مسبوقة هذه الأيام، من جراء ارتفاع التضخم وأسعار السلع والخدمات وانعدام بعض البضائع مثل الزيوت الغذائية. وساهم رفع الحكومة الدعم عن سلع أساسية، منها القمح والطحين، في إطار سياسة ترشيد وتحرير الأسعار في تضخم الأسعار، مما يزيد أعباء المعيشة على المواطن الإيراني الذي يعيش منذ أربع سنوات تقريباً تحت وطأة أزمة اقتصادية متفاقمة على خلفية العقوبات الأميركية وسوء الإدارة الاقتصادية في البلاد.


ورفعت الحكومة الإيرانية، الدعم عن القمح والطحين للاستهلاك الصناعي مثل أنواع الخبز الصناعي، لكنها أبقت على الدعم للخبز التقليدي، وهي في طريقها لرفع هذا الدعم عن السلع الأساسية ما عدا بعض السلع. والخطوة رفعت أسعار أنواع الخبز الصناعي نحو 10 أضعاف، فضلاً عن ارتفاع أسعار الأرز والمعكرونة.


وبالمجمل رصدت “العربي الجديد” أن معدل أسعار السلع الغذائية خلال الفترة الأخيرة بلغ بين 100 إلى 150 في المئة وفي بعض الحالات وصل إلى أكثر من ذلك بالمقارنة مع الفترة نفسها بالعام الماضي.


وموجة الغلاء الجديدة تجتاح إيران عكس ما كان يأمله المواطن الإيراني بعد مجيء رئيس جديد بوعود اقتصادية وتشكيل حكومة جديدة، أكدت أن أولويتها القصوى هي معاجلة الأزمات الاقتصادية وحل مشاكل المواطنين المعيشية، غير أن ثمانية أشهر مرت على تولي الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي، السلطة، ولم يلمس المواطنون أي تحسن بوضعهم المعيشي، على الرغم من حديث الحكومة عن تحسن مؤشرات اقتصادية منها ارتفاع الصادرات النفطية.


وأصبح الإيرانيون يتداولون مقاطع مصورة عن تصريحات رئيسي خلال حملته الانتخابية وانتقاداته الحادة لسياسات سلفه حسن روحاني الاقتصادية ووعوده بأنه سيحسن الوضع المعيشي إذا ما تولى الرئاسة. وفي مواجهة هذه الانتقادات فثمة آراء مناصرة للحكومة ورئيسها ترى أن فترة ثمانية أشهر ليست كافية للحكم على الأداء الاقتصادي للرئيس وحكومته.




وأمام الوضع المعيشي المتفاقم للمواطن الإيراني ومخاوفه، خاطب الرئيس الإيراني، مساء الإثنين، الشعب الإيراني، محاولاً طمأنته حول السياسات الاقتصادية لحكومته وشرح توجهها نحو تحرير الأسعار من خلال إلغاء اعتماد سعر الصرف الرسمي 42000 ريال لكل دولار أميركي فيما يبلغ سعر الصرف في السوق الحر أكثر من 280 ألف ريال.


وأكد رئيسي أن حكومته لن ترفع أسعار الخبز التقليدي والبنزين والأدوية، ولن تسمح بذلك، مكلفا إياها بالرقابة الشديدة على السوق لمنع ارتفاع أسعار السلع أكثر من الحد المسموح والمحدد لها. وأعلن الرئيس الإيراني رفع الدعم النقدي الشهري لشهرين مقبلين للمواطنين الإيراني من 3.5 إلى 4.5 أضعاف، مشيراً إلى أن هذا الدعم سيتحول إلى بطاقات تموين إلكترونية، حيث بإمكان المواطنين شراء سلع أساسية مثل الخبز بأسعار مدعومة من خلال هذه البطاقات وبسقف محدد.


وفي السياق، شرح وزير الاقتصاد الإيراني، إحسان خاندوزي، مساء الإثنين في برنامج تلفزيوني بعد كلمة الرئيس الإيراني أن نحو 60 في المائة من الإيرانيين سيتلقون دعماً نقدياً لشهرين بنحو4 ملايين ريال (14 دولار) ولـ30 في المائة منهم 3 ملايين ريال (11 دولار).


من جانبه، أشار رئيسي إلى أن رفع الصادرات النفطية الإيرانية ضعفي الكمية عما كانت عليه عندما تولى الرئاسة الإيرانية خلال يوليو/تموز الماضي، مضيفاً أن حجم التجارة الإيرانية الخارجية قد ارتفع إلى 100 مليار دولار.


ولفت رئيسي إلى أنه عندما تولى الرئاسة الإيرانية واجه عجزاً في الموازنة قيمته 4500 تريليون ريال، وأن حكومته نجحت في التغلب على هذه المشكلة من دون الاقتراض من البنك المركزي.


وأوضح أن حكومته خفضت التضخم من 40 في المائة إلى 36 في المائة خلال العام المالي الماضي الذي انتهى في 21 مارس/ آذار 2022، مشيراً إلى أن خبراء الاقتصاد كانوا يتوقعون بلوغ التضخم إلى 60 في المائة.




وتقول الحكومة الإيرانية، إن أهم دوافعها لتحرير الأسعار يتمثل أولاً في مواجهة الفساد الناتج عن تخصيص الائتمان بسعر صرف 42000 ريال لشراء السلع الأساسية حيث باتت إيران تخصص سنويا 8 مليارات دولار لاستيراد وتوفير هذه السلع منذ العام 2018 في مواجهة العقوبات الأميركية.


وترى حكومة رئيسي أن المواطن الإيراني العادي لم يستفد من هذا الدعم وإنما شكل مدخلاً للفساد المالي استغله “انتهازيون”. وثانياً، تؤكد الحكومة أنها من خلال تحرير الأسعار تريد مواجهة تهريب السلع الضرورية من إيران إلى الدول الجارة، بسبب الفارق الكبير في الأسعار.


وتنقسم آراء الاقتصاديين بشأن خطوة تحرير الأسعار بين من يراها إجراءات اقتصادية صائبة، ومن يرى أن تطبيق الخطة في ظروف العقوبات سببت ارتفاعاً في التضخم. كما أن هناك من يقول إن السبب وراء الخطوة هو سعي الحكومة لتسديد عجز الموازنة، خاصة في ظل تعثر مفاوضات فيينا النووية لإحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات.


يُشار إلى أن موضوع رفع “الحرس الثوري” الإيراني من قائمة الإرهاب الأميركية يعتبر أهم قضية عالقة أمام مفاوضات فيينا. وظلت طهران تكرر أن ذلك من خطوطها الحمراء، ولن تتنازل عنه.


وفي الجانب الآخر، ظلت الولايات المتحدة الأميركية ترفض التجاوب مع هذا الطلب الإيراني، مؤكدة أنها ستبقي العقوبات على الحرس ومؤسساته.


وإلى ذلك أيضاً، خرجت أصوات أخيراً دعت الرئيس الإيراني إلى الاستقالة بسبب تفاقم الظروف الاقتصادية مع انتقاد سياساته الاقتصادية، وفي السياق، دعت صحيفة “جمهوري إسلامي” المحافظة المقربة من الإصلاحيين، في مقال، السبت الماضي، الرئيس الإيراني إلى “التخلي عن منصبه بشجاعة”.


غير أن صحيفة “كيهان” ووكالات أنباء محافظة أخرى ردت على دعوة مهاجري بإلقاء اللوم على الحكومة السابقة واتهامها بأن الوضع الاقتصادي الحالي نتيجة مراهنتها على الغرب ومفاوضاتها معه وربط مصير البلاد بهذه المفاوضات.


وزادت موجة الغلاء الجديدة المخاوف في الشارع الإيراني من الوضع الاقتصادي المتدهور. في هذا الصدد تقول الستينية الإيرانية فرشته إن “الارتفاع اليومي المستمر في الأسعار جعلنا نعيش في وضع معيشي غير مستقر”، مضيفة في حديثها مع “العربي الجديد” إن “هذا الأمر ألغى شيئا اسمه التخطيط الاقتصادي لدى الأسر”.


وقالت: “ما يهمني هو كبح جماح الأسعار والتضخم، لكن ما الفائدة من هذا الدعم مادامت الأسعار ترتفع بشكل جنوني؟”.


وتؤكد رضوي وهي مواطنة تقطن جنوبي طهران، أنها تعيل أسرة مكونة من 3 أشخاص وتحصل شهرياً على 8 ملايين تومان (250 دولارا) لكنه يبقى دخلاً تحت خط الفقر البالغ نحو 11 مليون تومان، مشيرة إلى أنها تملك بيتاً ومن دونه ما كان يمكنها أن تعيش بهذا الراتب الذي لا يلبي الحاجيات الأساسية.


وتضيف أن سلعا أساسية مثل اللحوم الحمراء شبه اختفت من سلة عائلتها الغذائية، مؤكدة أن تحرير الأسعار سيفاقم هذا الوضع، كما أن رفع الدعم النقدي الحكومي ربما يكون جيداً لكنه ليس كافياً.




من جانبه يشكو المواطن الستيني فردين، ويعمل بسيارة أجرة في طهران، في حديثه مع “العربي الجديد” الذي التقته في ساحة فاطمي وسط البلاد من الوضع الاقتصادي، قائلاً إنه يعمل من الساعة السادسة صباحاً حتى الثامنة مساء.


ويضيف فردين أنه ينفق على أربعة أشخاص ودخله الشهري البالغ نحو 18 مليون تومان (650 دولارا) لا يغطي حاجات أسرته، حيث يدفع ثلثه لإيجار البيت والتكاليف الباهظة لصيانة سيارته في ظل تضخم أسعار قطع الغيار.


وحول الوضع الاقتصادي المتدهور في إيران، يقول الخبير الاقتصادي الإيراني، محسن جندقي لـ”العربي الجديد” إن ارتفاع الصادرات النفطية والموارد بالنقد الأجنبي وحده لا يؤدي إلى خفض التضخم.


ويضيف جندقي أن أهم أسباب التضخم هو السيولة العالية، فعندما تزيد السيولة بالسوق على الإنتاج فذلك بطبيعة الحال يسبب التضخم المستمر، مشيراً إلى أن زيادة العوائد بالنقد الأجنبي اذا لم تساهم في رفع الإنتاج والناتج الإجمالي فإنها لن تساهم في تراجع التضخم.


مع ذلك، يذكر الخبير الإيراني أن فترة ثمانية أشهر ليست كافية للحكم على أداء هذه الحكومة ورئيسها، قائلا إن الشارع على الرغم من ارتفاع الأسعار والتضخم مازال يأمل بحل المشكلات الاقتصادية وبالمستقبل وتوصل مفاوضات فيينا إلى نتيجة ترفع العقوبات إلى حد ما وتساهم في رفع الإنتاج.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً